الذهب يتجاوز سندات الخزانة الأمريكية مع إعادة البنوك المركزية موازنة محافظ الاحتياطيات
تقدّم الذهب على سندات الخزانة الأمريكية كمكوّن رئيسي ضمن احتياطيات البنوك المركزية العالمية، في تحوّل بارز في تركيبة الأصول الاحتياطية الرسمية وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار الذهب واستمرار تنويع الاحتياطيات.
ووفقاً لتقرير البنك المركزي الأوروبي الصادر في يونيو 2026 حول الدور الدولي لليورو، استحوذ الذهب على 27% من إجمالي الاحتياطيات الرسمية الأجنبية بنهاية عام 2025، عند تقييم كل من احتياطيات النقد الأجنبي وحيازات الذهب وفق أسعار السوق. ويُقارن ذلك بـ 22% لسندات الخزانة الأمريكية و15% لليورو.
ويكتسب هذا التحوّل أهميته من كون سندات الخزانة الأمريكية ظلّت لفترة طويلة العمود الفقري لمحافظ الاحتياطيات العالمية. غير أن أحدث البيانات تُظهر أن الذهب باتت له مكانة أبرز، في وقت تُولي فيه البنوك المركزية اهتماماً أكبر للتنويع، ومرونة الميزانية العمومية، والحماية من الصدمات الجيوسياسية.
ارتفاع الأسعار كان المحرّك الأبرز
جاء ارتفاع حصة الذهب في الاحتياطيات مدفوعاً بشكل أساسي بأثر التقييم وليس بالمشتريات وحدها. إذ ارتفعت أسعار الذهب بنحو 60% خلال عام 2025 بعد ارتفاعها بنحو 30% في 2024، مما رفع بشكل ملحوظ القيمة السوقية لحيازات البنوك المركزية القائمة.
وأهمية هذا التمييز كبيرة؛ إذ عندما يُعدّل البنك المركزي الأوروبي لأثر التقييم باستخدام أسعار الذهب في نهاية 2023، تتراجع حصة الذهب من الاحتياطيات الرسمية إلى نحو 16%، أي ما يقارب حصة اليورو، فيما تبقى سندات الخزانة الأمريكية أعلى عند 26%.
بعبارة أخرى، يعكس تقدّم الذهب على سندات الخزانة الأمريكية كلاً من التنويع الاستراتيجي للاحتياطيات والأثر السعري القوي. فالبنوك المركزية تشتري الذهب فعلاً، إلا أن الارتفاع الحاد في أسعاره ضخّم التحوّل في تركيبة الاحتياطيات.
حيازات الذهب لدى البنوك المركزية قرب مستويات حقبة بريتون وودز
تحتفظ البنوك المركزية حالياً بأكثر من 36,000 طن من الذهب، مقتربةً من الذروة التاريخية البالغة نحو 38,000 طن المسجّلة في حقبة بريتون وودز في منتصف ستينيات القرن الماضي.
وتباطأ صافي مشتريات البنوك المركزية من الذهب إلى نحو 850 طناً في 2025، مقابل أكثر من 1,000 طن سنوياً بين عامَي 2022 و2024. وحتى بعد هذا التعديل، ظل الطلب الرسمي على الذهب مرتفعاً بمعايير تاريخية وأعلى بكثير من مستويات ما قبل 2022.
ولا يشير تباطؤ المشتريات بالضرورة إلى ضعف الاهتمام بالذهب، بل قد يعكس أثر الأسعار المرتفعة تاريخياً وحقيقة أن مكاسب التقييم رفعت بالفعل وزن الذهب في محافظ الاحتياطيات.
المخاطر الجيوسياسية تدعم الطلب على الذهب
يربط البنك المركزي الأوروبي ارتفاع الحيازات الرسمية من الذهب بالتوترات الجيوسياسية المستمرة وتنويع الاحتياطيات. فمنذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 2022، باتت البنوك المركزية تنظر بشكل متزايد إلى الذهب كأصل احتياطي خالٍ من مخاطر الطرف المقابل السيادي المباشر.
وتسارع هذا الاتجاه بعد أن جمّدت العقوبات الغربية جزءاً كبيراً من الاحتياطيات الأجنبية لروسيا. وبالنسبة لكثير من مديري الاحتياطيات، أبرز هذا الحدث أهمية الاحتفاظ بأصول تتمتع بالسيولة، ومقبولة دولياً، وأقل تعرضاً مباشرةً للسيطرة القضائية الأجنبية.
ويُشير البنك المركزي الأوروبي إلى أن أدلة المسوحات تُظهر أن البنوك المركزية تحتفظ بالذهب لأغراض التنويع وكأداة تحوّط ضد المخاطر الجيوسياسية. ولا يعني ذلك أن الدول تتخلى عن العملات الرئيسية، لكنه يُبيّن أن الذهب يُستخدم بفاعلية أكبر كاحتياطي استراتيجي.
أبرز المشترين منذ 2022
يشمل أكبر مشتري الذهب من البنوك المركزية منذ 2022 كلاً من الصين وبولندا وتركيا والهند. ووفقاً للبنك المركزي الأوروبي، اشترت الصين أكثر من 350 طناً منذ 2022، تليها بولندا بنحو 320 طناً، ثم تركيا بنحو 220 طناً، فالهند بنحو 130 طناً.
وكانت بولندا أكبر مشترٍ في القطاع الرسمي خلال 2025، بإضافة نحو 100 طن. كما جاءت كازاخستان والبرازيل والصين وتركيا ضمن أبرز المشترين في القطاع الرسمي.
ويُسلّط التقرير الضوء أيضاً على تنامي أهمية الطلب الخاص على الذهب؛ إذ بلغ الطلب الاستثماري الخاص نحو 2,200 طن في 2025، أي ما يقارب ضعف مستوى 2024، مدعوماً بتدفقات قوية إلى صناديق المؤشرات المتداولة المغطّاة بالذهب. ويُظهر ذلك أن صعود الذهب لم يكن مدفوعاً بالبنوك المركزية وحدها، بل بطلب أوسع من المستثمرين على الأصول الملاذية.
الدولار لا يزال يهيمن على إجمالي الاحتياطيات
على الرغم من صعود الذهب، يظل الدولار الأمريكي محورياً في النظام الاحتياطي الدولي. فقد تجاوز الذهب سندات الخزانة الأمريكية كفئة فردية للأصول الاحتياطية وفق القيمة السوقية، إلا أن هذا لا ينبغي تفسيره على أنه نهاية لهيمنة الدولار.
إذ تبقى الأصول المُقوّمة بالدولار مترسّخة بعمق في الاحتياطيات العالمية وفوترة التجارة والمدفوعات وأسواق التمويل ونشاط الصرف الأجنبي. كما يُظهر تقرير البنك المركزي الأوروبي أن الدولار يواصل هيمنته على حجم تداول الصرف الأجنبي العالمي، إذ يظهر على أحد طرفَي ما يقرب من 90% من معاملات الصرف الأجنبي خارج المنصات.
والتفسير الأدق هو أن محافظ الاحتياطيات باتت أكثر تنوعاً. فالبنوك المركزية لا تستبدل الدولار بين عشية وضحاها، لكنها تزيد دور الذهب وأصول أخرى ضمن استراتيجية أوسع لإدارة المخاطر.
نقاط قوة الذهب وحدوده
يُقدّم الذهب عدة مزايا للبنوك المركزية؛ فهو خالٍ من مخاطر الائتمان، وخالٍ من مخاطر المُصدر المباشرة، ولديه تاريخ طويل كأداة لحفظ القيمة. كما يمكن أن يُبلي بلاءً جيداً خلال فترات الضغوط الجيوسياسية، أو عدم اليقين بشأن التضخم، أو فقدان الثقة في الأصول الورقية.
غير أن للذهب أيضاً حدوداً؛ فهو لا يُدرّ دخلاً من الفوائد، وأسعاره قد تكون متقلبة، وتنطوي الحيازات المادية على تكاليف تخزين وأمان، ولا يمكن للعرض أن يتوسع بسرعة استجابةً للطلب. وتعني هذه الخصائص أن الذهب أداة مفيدة لتنويع الاحتياطيات، لكنه ليس بديلاً كاملاً للأوراق المالية الحكومية ذات السيولة العالية أو لعملات الاحتياطي الرئيسية.
ولهذا تظل سندات الخزانة الأمريكية والسندات السيادية لمنطقة اليورو وغيرها من أصول الدخل الثابت ذات السيولة العالية مهمة لمديري الاحتياطيات، إذ تُوفّر العائد والقيمة كضمانات والعمق السوقي الذي لا يستطيع الذهب تكراره بالكامل.
الانعكاسات على النظام النقدي الدولي
يعكس صعود الذهب في الاحتياطيات الرسمية نظاماً نقدياً دولياً أكثر تجزؤاً ووعياً بالمخاطر. فالبنوك المركزية تتكيّف مع عالم يتسم بمستوى أعلى من عدم اليقين الجيوسياسي ومخاطر العقوبات وتقلب تدفقات رؤوس الأموال وتساؤلات بشأن المستقبل الهيكلي للمدفوعات العالمية.
وبالنسبة للأسواق، فإن هذا التحوّل مهم لأن استمرار الطلب الرسمي يمكن أن يُوفّر دعماً هيكلياً لأسعار الذهب. وبالنسبة لصُنّاع السياسات، فإنه يُشير إلى أن الثقة واليقين القانوني وعمق الأسواق المالية باتت أكثر أهمية في تحديد جاذبية عملات الاحتياطي.
أما بالنسبة لليورو، فالصورة متباينة؛ إذ ظلّ اليورو مستقراً عند نحو 15% من إجمالي الاحتياطيات الرسمية متضمناً الذهب بأسعار السوق، فيما يواصل البنك المركزي الأوروبي التأكيد على الحاجة إلى أسواق رأس مال أعمق، ومصداقية مؤسسية أقوى، وقاعدة أوسع من الأصول الآمنة لتعزيز دور العملة العالمي.
الخلاصة
يُمثّل تجاوز الذهب لسندات الخزانة الأمريكية تطوراً رمزياً مهماً، إلا أنه يستلزم فهماً متأنياً. فالتحوّل يعكس تنويع البنوك المركزية والتحوّط من المخاطر الجيوسياسية، كما يعكس الأثر الميكانيكي للارتفاع الحاد في أسعار الذهب.
وإذا ظلّت أسعار الذهب مرتفعة واستمرت المخاطر الجيوسياسية، فمن المرجح أن تواصل البنوك المركزية التعامل مع الذهب بوصفه أصلاً احتياطياً استراتيجياً مهماً. أما إذا حدث تصحيح في الأسعار، فقد تتراجع حصة الذهب في الاحتياطيات حتى من دون مبيعات كبيرة من البنوك المركزية.
والخلاصة الرئيسية هي أن إدارة الاحتياطيات العالمية باتت أكثر تنوعاً ووعياً جيوسياسياً. فالذهب يُؤدّي دوراً أكبر في المحافظ الرسمية، فيما يظل الدولار الأمريكي مهيمناً على المنظومة الأوسع للاحتياطيات والمدفوعات. وهذا التحوّل ليس استبدالاً مفاجئاً للدولار، لكنه إشارة واضحة إلى أن البنوك المركزية تبني هياكل احتياطية أكثر مرونة في بيئة عالمية متزايدة عدم اليقين.
ملاحظة المصدر: تحليل يستند إلى تقرير البنك المركزي الأوروبي الصادر في يونيو 2026 بعنوان “الدور الدولي لليورو”، بما في ذلك بيانات البنك حول الاحتياطيات الرسمية الأجنبية وحيازات الذهب وسندات الخزانة الأمريكية وأثر تقييم الاحتياطيات ومشتريات البنوك المركزية من الذهب.

