تآكل المدخرات الأمريكية يُثير المخاوف مع تجاوز الإنفاق نمو الدخل
تُظهر الأسر الأمريكية علامات على ضغط مالي مع استمرار نمو الإنفاق الاستهلاكي بوتيرة أسرع من نمو الدخل، مما يدفع كثيراً من الأمريكيين إلى الاعتماد بشكل أكبر على المدخرات للحفاظ على مستوى الاستهلاك.
وبحسب بيانات أبرزتها شركة «دابل لاين» واستناداً إلى أرقام الدخل الشخصي والإنفاق الصادرة عن مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي (BEA)، تراجع معدل الادخار الشخصي في الولايات المتحدة إلى 2.6% في أبريل، وهو أدنى مستوى منذ يونيو 2022 وأحد أضعف القراءات منذ الأزمة المالية العالمية. ويُشير هذا التراجع إلى تآكل الوسادة المالية للأسر في وقت لا تزال فيه تكاليف المعيشة مرتفعة.
وانخفض معدل الادخار بمقدار 0.6 نقطة مئوية في أبريل، مسجلاً ثالث تراجع شهري على التوالي. وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، بلغ التراجع التراكمي 1.7 نقطة مئوية، مما يُظهر سرعة تآكل الوسائد المالية للأسر.
الإنفاق يواصل تجاوز الدخل
والمسألة الأبرز ليست تراجع المدخرات فحسب، بل أن الإنفاق يواصل النمو بوتيرة أسرع بكثير من الدخل.
إذ ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 5.7% على أساس سنوي في أبريل، في حين زاد الدخل الشخصي بنسبة 2.5% فقط، مما خلق فجوة بلغت 3.2 نقطة مئوية، وهي الأوسع منذ عام 2022. كما شكّل أبريل الشهر الثاني عشر على التوالي الذي تجاوز فيه نمو الإنفاق نمو الدخل.
وهذه الأرقام اسمية، أي أن جزءاً من ارتفاع الإنفاق يعكس ارتفاع الأسعار وليس نمواً حقيقياً أقوى في الاستهلاك. ويُعدّ هذا التمييز مهماً لأن التضخم قد يُظهر الإنفاق بمظهر مرن حتى في ظل ضغط على القوة الشرائية الحقيقية.
ويُشير هذا الاتجاه إلى أن المستهلكين يحافظون على الطلب جزئياً عبر السحب من المدخرات بدلاً من الاعتماد فقط على نمو دخل أقوى. ويمكن أن يدعم ذلك الاستهلاك في الأجل القصير، لكن استدامته تصبح صعبة إذا لم يتحسّن نمو الدخل.
التضخم يُبقي الضغط على الميزانيات
ويأتي تراجع المدخرات في ظل بقاء التضخم أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي. فقد أظهرت أحدث بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) أن التضخم الرئيسي بلغ 3.8% على أساس سنوي في أبريل، فيما بلغ التضخم الأساسي (الذي يستثني الغذاء والطاقة) 3.3%.
وعلى أساس شهري، ارتفعت أسعار مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي بنسبة 0.4%، فيما زاد المؤشر الأساسي بنسبة 0.2%، مما يدل على استمرار وجود ضغوط تضخمية حتى مع تباطؤ الوتيرة الشهرية مقارنةً بشهر مارس.
كما بدا نمو الإنفاق الحقيقي أضعف تحت السطح. إذ أظهرت تقارير الأسواق المستندة إلى البيانات الرسمية أن الإنفاق ارتفع بنسبة 0.5% في أبريل قبل التعديل وفق التضخم، إلا أنه ارتفع بنسبة 0.1% فقط بالقيمة الحقيقية. ويُعزّز ذلك أن الأسعار المرتفعة تستحوذ على جزء من إنفاق الأسر.
الضغط يتوزع بشكل غير متكافئ بين الأسر
وتختلف شدة الضغط بين الأسر. إذ تتعرّض الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط لارتفاع تكاليف السلع والخدمات الأساسية كالغذاء والوقود والإيجار والمرافق والتأمين، وهي بنود تستحوذ على حصة أكبر من الدخل الشهري، مما يقلّص قدرة هذه الأسر على إعادة بناء المدخرات.
أما الأسر ذات الدخل المرتفع فهي عموماً في وضع أفضل لأنها تستفيد بشكل أكبر من الثروة في الأصول وقوة الميزانيات وسهولة الوصول إلى الائتمان. ويُساعد ذلك في تفسير استمرار مرونة الإنفاق الاستهلاكي الإجمالي على الرغم من تراجع معدل الادخار.
ويُعدّ هذا النمط غير المتكافئ مهماً لفهم البيانات؛ فالمستهلك الأمريكي لا يضعف بشكل موحد، إلا أن الوسادة المالية الداعمة للاستهلاك تتآكل لدى شريحة متزايدة من الأسر.
لماذا يُعدّ معدل الادخار مهماً
يُعدّ معدل الادخار الشخصي مؤشراً مهماً على مرونة الأسر. فارتفاع معدل الادخار يمنح المستهلكين وسادة للحماية من التضخم، وضعف سوق العمل، والنفقات الطبية، وأقساط الديون، أو غيرها من الصدمات غير المتوقعة.
وعندما يتراجع معدل الادخار إلى مستويات منخفضة، تقل مرونة الأسر في استيعاب ارتفاع الأسعار أو ضعف نمو الدخل، مما يجعل الإنفاق الاستهلاكي أكثر حساسية لأي تدهور في التوظيف أو الأجور أو ظروف الائتمان.
ويكتسب التراجع الحالي أهمية خاصة لأن الإنفاق الاستهلاكي يظل المحرّك الأكبر للاقتصاد الأمريكي. وإذا اضطرت الأسر في نهاية المطاف إلى خفض الإنفاق نتيجة استنزاف المدخرات، فقد ينعكس ذلك على النمو الاقتصادي الأوسع.
مرونة المستهلك تزداد اعتماداً على الوسائد المالية
استفاد الاقتصاد الأمريكي من مرونة الطلب الاستهلاكي. وأسهم دخل العمل والثروة في الأصول وتوافر الائتمان في دعم الإنفاق، خاصةً بين الأسر ذات الدخل المرتفع.
غير أن أحدث البيانات تُشير إلى أن هذه المرونة باتت تعتمد بشكل متزايد على السحب من المدخرات. إذ يمكن للأسر استيعاب الضغط لفترة من الوقت، لكن سلوك الإنفاق قد يتغيّر سريعاً بمجرد تآكل الوسائد المالية.
ويُمثّل ذلك مصدر مخاطرة على الشركات والأسواق وصنّاع السياسات. فقد تصبح مبيعات التجزئة ونشاط الخدمات وجودة الائتمان وثقة المستهلك أكثر حساسية لتغيرات نمو الدخل وتوقعات التضخم.
الانعكاسات على الاحتياطي الفيدرالي
تُعقّد البيانات آفاق السياسة النقدية. فمن جهة، يظل التضخم أعلى من المستهدف، مما يحدّ من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على التيسير سريعاً. ومن جهة أخرى، يُشير ضعف مدخرات الأسر إلى تصاعد الضغوط على المستهلكين.
وهذا يُوجِد مساراً ضيقاً للسياسة النقدية؛ إذ إن بقاء السياسة متشددة لفترة طويلة قد يُعمّق ضغوط الأسر، فيما قد يؤدي التيسير المبكر إلى استمرار التضخم. ولذلك يتعيّن على الاحتياطي الفيدرالي تحقيق توازن بين كبح التضخم وخطر تباطؤ أحدّ في الاستهلاك.
الآفاق المستقبلية
والسؤال المحوري هو ما إذا كان نمو الدخل سيتمكّن من اللحاق بنمو الإنفاق قبل أن تواصل مدخرات الأسر تراجعها.
فإذا اعتدل التضخم وتحسّن نمو الأجور، فقد يتمكّن المستهلكون من إعادة بناء المدخرات مع الحفاظ على الإنفاق. أما إذا ظلت الأسعار مرتفعة وبقي نمو الدخل ضعيفاً، فمن المرجّح تصاعد الضغوط على ميزانيات الأسر.
والخلاصة الرئيسية هي أن الاستهلاك الأمريكي لا يزال يبدو مرناً على السطح، لكن الدعم الكامن وراءه بات يعتمد بشكل متزايد على تراجع المدخرات. فقد تجاوز نمو الإنفاق نمو الدخل لمدة اثني عشر شهراً متتالياً، فيما تراجع معدل الادخار إلى 2.6%.
وبالنسبة للاقتصاد الأمريكي، تكتسب هذه التطورات أهمية لأن قوة المستهلك لا يمكن أن تعتمد إلى ما لا نهاية على تآكل الوسائد المالية. وفي حال استمرار تراجع مدخرات الأسر، ستصبح مخاطر تباطؤ الاستهلاك أكثر أهمية للنمو والتضخم وسياسة الاحتياطي الفيدرالي.
ملاحظة المصدر: يستند التحليل إلى بيانات الدخل الشخصي والإنفاق الصادرة عن مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي (BEA)، وأرقام تضخم مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، وتعليقات الأسواق المنشورة من قِبَل شركة «دابل لاين».

