تضخم منطقة اليورو يتجاوز 3% لأول مرة منذ 2023 مع تعقيد صدمة الطاقة لتوقعات البنك المركزي الأوروبي
تسارع تضخم منطقة اليورو مجدداً في مايو 2026 ليتجاوز نسبة 3% لأول مرة منذ عام 2023، ما يُضيف ضغطاً على البنك المركزي الأوروبي في وقت يواجه فيه صنّاع السياسات تركيبة صعبة تجمع بين ارتفاع الأسعار المدفوع بالطاقة وضعف الزخم الاقتصادي.
أظهرت البيانات الأولية أن التضخم السنوي في منطقة اليورو المؤلفة من 21 دولة ارتفع إلى 3.2% في مايو، مقابل 3.0% في أبريل و2.6% في مارس. وجاءت قراءة مايو متماشية بشكل عام مع توقعات الأسواق، إلا أن أهميتها تكمن في الاتجاه؛ إذ ابتعد التضخم أكثر فوق مستهدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%، في وقت لا يزال النمو الإقليمي فيه هشاً.
ويُعزى الارتفاع الأخير بصورة رئيسية إلى تكاليف الطاقة، إذ ارتفعت أسعار الطاقة بنحو 10.9% على أساس سنوي في مايو، انعكاساً للأثر المتواصل لارتفاع أسعار النفط والغاز المرتبط بالتوترات الجيوسياسية والاضطرابات في أسواق الطاقة. وهذا يُبقي الطاقة المُحرّك الرئيسي للتضخم، ويُبرز هشاشة منطقة اليورو بوصفها مستورداً صافياً للطاقة.
ضغوط التضخم لم تعد مرتبطة بالطاقة فحسب
رغم أن الطاقة لا تزال المساهم الأكبر، فإن بيانات مايو تُشير أيضاً إلى ضغوط تضخمية أوسع تحت السطح. إذ ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، إلى نحو 2.5%، فيما زاد تضخم الخدمات إلى نحو 3.5%. وتكمن أهمية ذلك في أن تضخم الخدمات يرتبط عادةً بالضغوط التكلفية المحلية، بما في ذلك الأجور والإيجارات والنقل والضيافة وسائر القطاعات كثيفة العمالة.
وتراجع تضخم الغذاء والكحول والتبغ إلى نحو 2.0%، فيما ارتفعت السلع الصناعية غير الطاقوية بنحو 0.9%. وتظل هذه الفئات أقل حدةً مقارنةً بالطاقة، إلا أن مزيج ارتفاع تضخم الخدمات وبقاء تكاليف الطاقة مرتفعة يُشير إلى أن الضغوط السعرية باتت أصعب تجاهلاً من قِبل البنك المركزي الأوروبي.
ويتمثل القلق الرئيسي في أن استمرار صدمة الطاقة لفترة طويلة قد يُغذّي آثاراً من الجولة الثانية. إذ يمكن لارتفاع تكاليف الوقود والشحن والكهرباء والتدفئة أن يرفع تكاليف المدخلات على الشركات. وبمرور الوقت، قد تُحمّل الشركات هذه التكاليف للمستهلكين، فيما قد يسعى العاملون إلى أجور أعلى للحفاظ على القدرة الشرائية، وهي قناة الانتقال التي تُراقبها البنوك المركزية عن كثب في العادة.
البنك المركزي الأوروبي أمام مسار ضيق للسياسة النقدية
يُعقّد ارتداد التضخم توقعات سياسة البنك المركزي الأوروبي. فقبل صدمة الطاقة الأخيرة، كانت منطقة اليورو قد اقتربت من استقرار الأسعار، مع تضخم قريب من المستهدف البالغ 2% وأسعار فائدة تراجعت بالفعل من مستوياتها المرتفعة السابقة. غير أن عودة التضخم فوق 3% تُقلّص هامش التيسير النقدي وتُعزّز الحجة للإبقاء على السياسة تقييدية.
وفي الوقت ذاته، فإن رفع أسعار الفائدة ليس خياراً بسيطاً؛ إذ كان نمو منطقة اليورو ضعيفاً، وقد يُولّد ارتفاع تكاليف الاقتراض ضغطاً إضافياً على الأسر والشركات والمالية العامة. ومن ثم، يقف البنك المركزي أمام مفاضلة كلاسيكية للسياسة النقدية؛ فالتشدّد المفرط يُهدد بإضعاف النمو أكثر، والتأخر قد يُفقد توقعات التضخم رسوّها.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن صدمة التضخم الراهنة مدفوعة جزئياً من جانب العرض. إذ لا يمكن لأسعار الفائدة السيطرة بسهولة على ارتفاع أسعار الطاقة. فالتشديد النقدي يستطيع تقليص الطلب، لكنه لا يستطيع زيادة العرض من النفط والغاز مباشرةً. ومن ثَمّ، فإن على البنك المركزي تقدير ما إذا كانت الصدمة الحالية مؤقتة أم أنها تنتقل إلى سلوك أوسع للأسعار.
ضعف النمو يرفع مخاطر التضخم المصحوب بركود
يزداد تحدي التضخم في منطقة اليورو تعقيداً لأن مؤشرات النمو لا تزال ضعيفة. فقد أظهرت البيانات السابقة توسعاً محدوداً فقط في المنطقة، مع نشاط صناعي ضعيف وطلب استهلاكي حذر. ويرفع ذلك مخاطر بيئة شبيهة بالتضخم المصحوب بالركود، حيث يبقى التضخم فوق المستهدف بينما يتباطأ النمو الاقتصادي.
وبالنسبة للأسر، فإن الضغط مباشر؛ إذ تُقلّص تكاليف الطاقة المرتفعة الدخل المتاح الحقيقي وقد تُضعف الاستهلاك. وبالنسبة للشركات، تضغط زيادة تكاليف المدخلات على الهوامش، خاصة في القطاعات التي لا تستطيع تمرير التكاليف بالكامل إلى العملاء. وبالنسبة للحكومات، قد يُعقّد ارتفاع التضخم والضغط على أسعار الفائدة التخطيط المالي، لا سيما في الدول ذات مستويات الدين المرتفعة.
والمخاطرة ليست في عودة منطقة اليورو فوراً إلى مستويات التضخم القصوى التي شُهدت في 2022، بل في أن يصبح التضخم لزجاً فوق المستهدف فيما يبقى النمو أضعف من أن يستوعب أوضاعاً نقدية أكثر تشدداً براحة.
التداعيات على الأسواق
من المرجح أن تُفسّر الأسواق المالية بيانات التضخم في مايو على أنها تُقلّل احتمال التيسير في المدى القريب وترفع مخاطر تبني البنك المركزي الأوروبي موقفاً أكثر تشدداً. وقد تظل عوائد السندات حساسة لبيانات التضخم الواردة، خاصة أسعار الطاقة وتضخم الخدمات. كما قد يتفاعل اليورو مع تغيّر التوقعات حول فروقات أسعار الفائدة.
وقد تتلقى أسواق الأسهم إشارات مختلطة؛ إذ قد تستفيد الشركات المرتبطة بالطاقة من ارتفاع الأسعار، فيما قد تواجه القطاعات الموجّهة للمستهلك والصناعات والقطاعات الحساسة للفائدة ضغطاً إذا ظلت تكاليف الاقتراض مرتفعة لفترة أطول.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن أهم المؤشرات التي ينبغي مراقبتها هي أسعار الطاقة، والتضخم الأساسي، ونمو الأجور، وتضخم الخدمات، وتوجيهات البنك المركزي الأوروبي في اجتماعه المقبل للسياسة النقدية. وإذا استمر تضخم الطاقة مرتفعاً مع تواصل صعود التضخم الأساسي، فقد تُسعّر الأسواق بشكل متزايد استجابةً سياسية أكثر تشدداً.
الخلاصة
تُؤكّد قراءة التضخم في مايو أن منطقة اليورو تواجه ضغوطاً سعرية متجددة. وتضخم بنسبة 3.2% ليس عودة إلى أزمة التضخم في 2022، لكنه أعلى بوضوح من مستهدف البنك المركزي الأوروبي ومرتفع بما يكفي لتغيير النقاش حول السياسة النقدية.
والسؤال الجوهري هو ما إذا كانت صدمة الطاقة ستتلاشى بسرعة أم أنها ستترسّخ في تضخم أوسع. فإذا استقرت أسعار الطاقة وخفّ تضخم الخدمات، فقد يتجنّب البنك المركزي الأوروبي ردّ فعل تشديدي حاد. أما إذا ظلت تكاليف الطاقة مرتفعة وواصل التضخم الأساسي صعوده، فقد يُضطر صنّاع السياسات إلى إعطاء الأولوية للسيطرة على التضخم رغم ضعف النمو.
والخلاصة الرئيسية هي أن منطقة اليورو دخلت مرحلة أكثر تعقيداً من التضخم؛ فالضغوط السعرية مدفوعة بصدمات طاقة خارجية، إلا أن ارتفاع التضخم الأساسي وتضخم الخدمات يُشير إلى انتشار المخاطر إلى ما هو أبعد من الوقود والمرافق. وهذا يجعل القرارات المقبلة للبنك المركزي الأوروبي أكثر دقّة، إذ يتعيّن على السياسة الموازنة بين مصداقية مكافحة التضخم ومخاطر زيادة إضعاف اقتصاد هشّ أصلاً.
ملاحظة المصدر: تحليل يستند إلى نشرات يوروستات للتضخم، وتقارير الأسواق الحديثة حول تضخم منطقة اليورو وأسعار الطاقة وتوقعات سياسة البنك المركزي الأوروبي.

