الاقتصاد السعودي ينمو 2.8% في الربع الأول من عام 2026 وتبقى الأنشطة غير النفطية المُحرّك الرئيسي للنمو
حافظ الاقتصاد في المملكة العربية السعودية على زخمه الإيجابي خلال الربع الأول من عام 2026، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.8% مقارنةً بالربع المماثل من عام 2025، وفقاً للتقديرات الأولية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء.
وجاء التوسع مدعوماً بنمو الأنشطة الاقتصادية الرئيسية كافة؛ إذ ارتفعت الأنشطة غير النفطية بنسبة 2.8% على أساس سنوي، ونمت الأنشطة النفطية بنسبة 2.3%، فيما ارتفعت الأنشطة الحكومية بنسبة 1.5%. وتؤكد هذه البيانات أن المملكة العربية السعودية دخلت عام 2026 بمرونة اقتصادية متواصلة، رغم بيئة عالمية أكثر تعقيداً تتسم بتقلب أسواق النفط، وارتفاع أسعار الفائدة، ومخاطر جيوسياسية إقليمية.
والإشارة الأهم في هذا الإصدار هي أن الأنشطة غير النفطية بقيت المساهم الأكبر في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وهو ما يُعزّز الدور المحوري للقطاعات المرتبطة بالتنويع الاقتصادي في مسار التحول الاقتصادي للمملكة في إطار رؤية المملكة 2030.
الأنشطة غير النفطية تبقى مرتكز النمو الرئيسي
أسهمت الأنشطة غير النفطية بنحو 1.7 نقطة مئوية في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي السنوي البالغ 2.8% خلال الربع الأول، أي أن الأنشطة غير النفطية استحوذت على الجزء الأكبر من نمو الاقتصاد الكلي للمملكة خلال هذه الفترة.
وأهمية ذلك أن الاقتصاد غير النفطي هو المقياس الأساسي لتقدّم التنويع الاقتصادي في المملكة العربية السعودية على المدى البعيد. فاستمرار توسع الأنشطة غير النفطية يُشير إلى أن الطلب المحلي، ونشاط القطاع الخاص، والخدمات، والقطاعات المرتبطة بالاستثمار، ونشاط الأعمال، تواصل دعم النمو خارج دورة إنتاج النفط.
ورغم تراجع وتيرة النمو غير النفطي مقارنةً ببعض الفترات الأقوى من عام 2025، فقد بقي القطاع في منطقة إيجابية بشكل صلب، ما يُشير إلى استمرار زخم التنويع الاقتصادي في المملكة، في الوقت الذي يتكيّف فيه الاقتصاد الأوسع مع متغيرات أسواق النفط وخلفية خارجية أكثر ضبابية.
الأنشطة النفطية تدعم النمو لكن بأقل من غير النفطية
نمت الأنشطة النفطية بنسبة 2.3% على أساس سنوي خلال الربع الأول، وأسهمت بنحو 0.7 نقطة مئوية في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.
وأسهمت هذه المساهمة الإيجابية في دعم رقم الناتج المحلي الإجمالي العام، إلا أن النشاط النفطي لم يكن المصدر المهيمن للنمو. وتُظهر البيانات أن النفط لا يزال عاملاً متأرجحاً مهماً للاقتصاد السعودي، ومع ذلك يصبح تركيب النمو أكثر توازناً.
وأهمية هذا التوازن تأتي من كون إنتاج النفط لا يزال يتأثر بقرارات تحالف أوبك+، وظروف الطلب العالمي، وتقلبات الأسعار. وقاعدة غير نفطية أقوى تُسهم في تقليص حساسية الاقتصاد لدورات سوق النفط، وتُوفّر أساساً أكثر استقراراً للنمو في الأمد المتوسط.
الأنشطة الحكومية تُضيف عنصر استقرار
نمت الأنشطة الحكومية بنسبة 1.5% على أساس سنوي وأسهمت بنحو 0.3 نقطة مئوية في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.
وتعكس هذه المساهمة الدور الاستقراري لنشاط القطاع العام في الاقتصاد، إذ يظل الإنفاق الحكومي والنشاط المرتبط بالقطاع العام مهماً للبنية التحتية، وتنفيذ الاستثمارات، وتطبيق مشروعات رؤية المملكة 2030 على نطاق أوسع.
غير أن البيانات تُظهر أيضاً أن دفعة النمو الرئيسية تأتي بشكل متزايد من الأنشطة غير النفطية لا من النشاط الحكومي وحده، وهو تمييز مهم لتقييم استدامة نموذج النمو في المملكة العربية السعودية.
الزخم الربع سنوي يتباطأ
على الرغم من أن قراءة النمو السنوي إيجابية، أظهرت البيانات الربع سنوية المعدلة موسمياً صورة قصيرة الأجل أكثر اعتدالاً.
وأفادت الهيئة العامة للإحصاء بأن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تراجع بنسبة 1.5% في الربع الأول من 2026 مقارنةً بالربع الرابع من 2025. وكان التراجع مدفوعاً بشكل رئيسي بانخفاض الأنشطة النفطية بنسبة 7.2% على أساس ربع سنوي. وفي المقابل، ارتفعت الأنشطة غير النفطية بنسبة 0.2% والأنشطة الحكومية بنسبة 0.8% على أساس معدّل موسمياً.
وهذا التباين بين البيانات السنوية والربع سنوية مهم؛ إذ تؤكد القراءة السنوية أن الاقتصاد السعودي لا يزال على مسار التوسع، فيما يُظهر التراجع الربع سنوي أن تحركات قطاع النفط لا تزال قادرة على إحداث تقلبات قصيرة الأجل في الناتج المحلي الإجمالي.
وللمستثمرين وصانعي السياسة، تكون الرسالة متوازنة: الاقتصاد يحافظ على مرونته، لكن مسار البيانات الربع سنوية يمكن أن يتأثر بتعديلات إنتاج النفط وعوامل توقيت قطاعية محددة.
المقارنة بأداء عام 2025
سجّلت المملكة العربية السعودية نمواً للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.5% في عام 2025، مدعوماً بنمو الأنشطة النفطية وغير النفطية والحكومية. ومقابل هذا الأداء الأقوى على مدار العام، تُشير التقديرات الأولية للربع الأول من 2026 البالغة 2.8% إلى تخفيف وتيرة التوسع.
ولا يُشير هذا التخفيف إلى انعكاس في مسار النمو، إذ بقيت الفئات الرئيسية الثلاث جميعها في منطقة إيجابية على أساس سنوي. غير أنه يُشير إلى أن الاقتصاد ينتقل إلى مرحلة أكثر اتزاناً بعد أداء أقوى في 2025.
وتظل جودة النمو على القدر نفسه من الأهمية. فربع تُسهم فيه الأنشطة غير النفطية بأكثر من نصف التوسع الإجمالي ينسجم مع الهدف السياسي بعيد المدى للمملكة المتمثّل في بناء اقتصاد أكثر تنويعاً وأكثر استناداً إلى القطاع الخاص.
لماذا تكتسب البيانات أهميتها
يكتسب إصدار الناتج المحلي الإجمالي للربع الأول من 2026 أهميته من ثلاثة أسباب.
أولاً، يؤكد أن اقتصاد المملكة العربية السعودية يواصل النمو رغم الضبابية العالمية والإقليمية. فأسواق النفط لا تزال متقلبة، وظروف التمويل العالمية لا تزال تقييدية، وارتفعت المخاطر الجيوسياسية في المنطقة.
ثانياً، يُظهر أن الأنشطة غير النفطية تبقى المُحرّك الرئيسي للنمو. ومساهمة قدرها 1.7 نقطة مئوية من الأنشطة غير النفطية تُعزّز دور التنويع الاقتصادي في دعم المرونة الاقتصادية.
ثالثاً، يُسلِّط الضوء على الأهمية المستمرة للنشاط النفطي. ورغم أن القطاعات غير النفطية تقود التوسع، يظل إنتاج النفط ذا تأثير كبير على أداء الناتج المحلي الإجمالي الربع سنوي وسيبقى متغيراً رئيسياً لبقية عام 2026.
الخلاصة والآفاق المقبلة
ستعتمد آفاق الاقتصاد في المملكة العربية السعودية لما تبقى من عام 2026 على ثلاث قوى رئيسية: اتجاهات إنتاج النفط، وزخم القطاع الخاص غير النفطي، والبيئة الاقتصادية الكلية الخارجية.
وعلى الجانب النفطي، ستظل سياسة إنتاج تحالف أوبك+ والطلب العالمي على الخام عاملين رئيسيين. وقد يدعم رفع الإنتاج رقم الناتج المحلي العام، فيما قد يضغط انخفاض الإنتاج أو ضعف الطلب على النمو.
وعلى الجانب غير النفطي، يبقى السؤال الرئيسي ما إذا كان الطلب المحلي، ونشاط الاستثمار، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والتمويل، والتجزئة، والتشييد، والصناعة، قادرة على مواصلة التوسع بوتيرة مستقرة. ومن شأن استمرار النمو في هذه القطاعات أن يعزّز مرونة الاقتصاد ويدعم أهداف رؤية المملكة 2030.
وعلى الجانب الاقتصادي الكلي، ستظل أسعار الفائدة العالمية، وتقلبات أسعار النفط، والمخاطر الجيوسياسية الإقليمية، والطلب الخارجي عوامل مهمة. وقد تؤثر بيئة إقليمية متقلبة على الثقة وتدفقات التجارة، إلا أن زخم الإصلاحات الداخلية في المملكة العربية السعودية وخارطة المشاريع الاستثمارية لا يزالان يُوفّران دعماً هيكلياً.
وبشكل عام، تؤكد التقديرات الأولية للربع الأول من 2026 أن الاقتصاد السعودي يحافظ على مسار النمو الإيجابي. وقد جاء التوسع البالغ 2.8% مدعوماً بنمو الأنشطة النفطية وغير النفطية والحكومية، مع بقاء الأنشطة غير النفطية المساهم الأكبر. والخلاصة الرئيسية أن قصة التنويع الاقتصادي في المملكة العربية السعودية لا تزال متماسكة، حتى مع استمرار الناتج المحلي الإجمالي الربع سنوي في عكس تحركات النشاط النفطي.
المصادر: التقديرات الأولية للناتج المحلي الإجمالي للربع الأول من 2026 الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء، منشورات الهيئة العامة للإحصاء بشأن الناتج المحلي الإجمالي، وثائق الموازنة الصادرة عن وزارة المالية السعودية، بيانات صندوق النقد الدولي عن المملكة العربية السعودية، والمعلومات السوقية الموثّقة المتاحة حتى يونيو 2026.
