مصر تدفع لمزيد من الاستثمار الإماراتي في قطاع الغاز مع تنامي الاهتمام الأجنبي
تضغط مصر لجذب مزيد من الاستثمار الإماراتي إلى قطاع الغاز الطبيعي لديها، إذ استغل وزير البترول كريم بدوي زيارة إلى أبوظبي في 2 يوليو لدعم التوسّع الخارجي لشركات الطاقة المصرية والسعي لاستثمار أعلى في الأنشطة العليا من أدنوك، شركة النفط الحكومية. ويأتي الدفع مع نشاط صفقات منفصل يؤكد تجدّد الاهتمام الأجنبي بأراضي النفط والغاز في مصر.
وفي صميم المحادثات شركة أركيوس للطاقة، مشروع مشترك بين بي بي وذراع أدنوك الدولية، تملك موقعاً متنامياً قبالة سواحل مصر. ويشمل برنامج عمل المشروع لعام 2026 تطوير حقل هرمتان للغاز، وحفر بئر استكشاف بحري جديد في غرب أتول، ومواصلة مشاركته في حقل ظهر الرائد ومنطقة شمال دمياط التي تضم حقل أتول. ويستند تطوير هرمتان إلى قرار استثمار نهائي بنحو 500 مليون دولار اتُّخذ في وقت سابق من العام، مع بدء إنتاج متوقّع في 2028، فالمشروع ملتزم به أصلاً لا معلَن حديثاً، وكان هدف الزيارة البناء عليه نحو التزام أكبر من أدنوك في الغاز المصري.
وسياق دفع مصر حاجة وطنية ملحّة. فقد تحوّلت البلاد في السنوات الأخيرة من مصدّر للغاز إلى مستورد صافٍ مع تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب، ما اضطرها لشراء الغاز الطبيعي المسال بكلفة من نقد أجنبي شحيح. ورفع الإنتاج المحلي بذلك أولوية لأمن الطاقة وميزان المدفوعات معاً: فكل وحدة إضافية من الغاز تُنتَج محلياً تحلّ محل استيراد كان سيُدفع بالدولار. ولهذا جعلت الحكومة جذب الاستثمار في الأنشطة العليا من شركاء مثل أدنوك، ودعم العمل الخارجي لشركات خدماتها، ركيزة محورية في استراتيجيتها للطاقة.
وتظهر الإلحاحية خلف دفع مصر في تاريخها الغازي الأخير. فقد تراجع إنتاج حقل ظهر العملاق، المكتشَف في 2015 والذي كان محور طموح مصر لتصبح مركزاً إقليمياً للغاز، عن ذروته، ومع ارتفاع الطلب المحلي عادت البلاد إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال، عاكسةً الفترة القصيرة التي صدّرت فيها الغاز. ولأن تلك الواردات تُدفع بالنقد الأجنبي في وقت تعمل فيه مصر على إعادة بناء احتياطياتها الخارجية، فإن كل حقل يدخل الإنتاج محلياً يحمل منفعة مزدوجة: يضيف إمداد طاقة ويوفّر عملة صعبة. وهذا هو الحساب خلف استمالة شريك جيد التمويل مثل أدنوك لتطوير الحقول المكتشَفة لكن الخاملة سريعاً.
وبشكل منفصل، وفي اليوم نفسه، أبرزت صفقة شركات شهية مستثمرين أجانب آخرين لأراضي مصر. فقد وافقت جينل إنرجي، المنتجة المدرجة في لندن، على الاستحواذ على كابريكورن إنرجي في صفقة نقدية بالكامل بنحو 360 مليون دولار، مؤمّنةً موطئ قدم في مصر عبر محفظة كابريكورن في الصحراء الغربية، التي تمتد على امتيازي بدر الدين وأبيدد وغيرهما. ويُتوقع أن يكتمل العرض، عند 4.74 دولار للسهم زائد توزيع خاص، في النصف الثاني من العام رهناً بالموافقات المصرية. ورغم أنها صفقة منفصلة لا جزء من محادثات أدنوك، فإن توقيتها يعزّز صورة تجدّد اهتمام المستثمرين بالأنشطة العليا في مصر في لحظة تستميل فيها الحكومة رأس المال بنشاط.
وكان للزيارة أيضاً مسار ثانٍ يعمل في الاتجاه المعاكس، بدعم العمل الخارجي لشركات خدمات مصر نفسها. فشركات مثل بتروجت وإنبي فازت بأعمال هندسة وإنشاء في الإمارات، وتؤطّر الحكومة تصدير القدرة الهندسية المصرية كوسيلة أخرى لكسب النقد الأجنبي والاستفادة من الكوادر الماهرة. والخيطان، جذب الاستثمار الداخل إلى الغاز المصري وتصدير الخدمات المصرية للخارج، جزءان متكاملان من الاستراتيجية نفسها لاستخدام قطاع الطاقة لتعزيز الحسابات الخارجية.
ومجتمعةً، يمثّل تطوير هرمتان الملتزم به واستحواذ جينل نحو 860 مليون دولار من نشاط الأنشطة العليا المرتبط بمصر في نافذة واحدة، وفق حسابنا من الرقمين، إشارة إلى أن القطاع يجذب التزامات جديدة حتى مع سعي الحكومة لمزيد. وبالنسبة لدولة تحاول عكس تراجع إنتاج الغاز المحلي، فإن الجمع بين شريك مستعد لتطوير الحقول المكتشَفة ومشترٍ يدفع لدخول السوق هو بالضبط الزخم الذي تريد بناءه.
لماذا يهم: إحياء إنتاج الغاز المحلي من أكثر الأدوات مباشرةً لدى مصر لتحسين حساباتها الخارجية، لأنه يستبدل الطاقة المنتَجة محلياً بواردات الغاز الطبيعي المسال المكلفة التي تستنزف النقد الأجنبي. وجذب مستثمر خليجي كبير مثل أدنوك لتطوير حقول مكتشَفة لكن غير مطوَّرة سيجمع رأس المال والتكنولوجيا والالتزام طويل الأمد في وقت تحتاج فيه مصر الثلاثة، ودخول منتجين أجانب آخرين بالتوازي يبيّن أن الأراضي تنافسية للاستثمار. وبالنسبة للإمارات، يوسّع توظيف رأس المال في الغاز المصري بصمة أدنوك الإقليمية ويربط اقتصادين من أكبر اقتصادات المنطقة على نحو أوثق، وبالنسبة لمصر يدعم مسعى خفض فاتورة الاستيراد وإعادة بناء قطاع الطاقة وكسب النقد الأجنبي عبر شركات خدماتها العاملة في الخارج.
نظرة مستقبلية: المؤشرات القريبة هي ما إذا كانت المحادثات تُترجم إلى توسّع ملموس في التزامات أدنوك المصرية بما يتجاوز المشاريع الجارية، وتقدّم تطوير هرمتان نحو بدئه في 2028، واكتمال استحواذ جينل. واستمرار الاستثمار الأجنبي في الاستكشاف والتطوير، إلى جانب دفع الحكومة نفسها، سيكون أوضح إشارة إلى أن مصر تتجاوز المنعطف في إنتاج الغاز المحلي، ومعه في فاتورة الاستيراد التي أثقلت موقفها الخارجي.
المصادر: وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية؛ رويترز.

