البنك الدولي يتوقع الآن انكماش لبنان 6.4 بالمئة بعد توقع نمو 4 بالمئة
يتوقع البنك الدولي الآن أن ينكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4 بالمئة في 2026، عكساً لتوقع نمو بنسبة 4 بالمئة كان قد نشره مطلع العام، مع انقطاع ما كان تعافياً اقتصادياً أولياً بفعل تجدد النزاع.
وصدر التوقع الجديد في 21 أغسطس ضمن مرصد الاقتصاد اللبناني للبنك الدولي، صيف 2026: اقتصاد مزّقه النزاع.
والتغير كبير. ففي يناير توقع البنك أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبنان 4 بالمئة في 2026، مشروطاً باستمرار الإصلاحات وتدفقات إعادة إعمار متواضعة واستقرار سياسي. والانتقال من نمو 4 بالمئة إلى انكماش 6.4 بالمئة يمثل تدهوراً قدره 10.4 نقطة مئوية بين توقعي البنك الدولي.
وبشكل منفصل، ينتج نموذج قياس أثر النزاع في التقرير الأخير الرقم نفسه من مقارنة مختلفة: إذ يقدّر البنك أن نزاع 2026 سيخفض نمو الناتج المحلي بمقدار 10.4 نقطة مئوية مقارنة بسيناريو افتراضي لم يقع فيه النزاع. ومن ثم فإن الرقمين يقيسان أمرين مختلفين رغم تطابقهما عددياً.
من التعافي إلى انكماش متجدد
دخل لبنان عام 2026 على أساس اقتصادي أقوى مما كان عليه لعدة سنوات. ويقدّر البنك الدولي الآن أن الناتج المحلي الحقيقي توسع 4.2 بالمئة في 2025، وهو أسرع نمو منذ بدء الأزمة المالية اللبنانية في 2019. وقد دعم هذا الانتعاش استهلاك خاص واستثمار وسياحة أقوى، إلى جانب تحسن في المؤشرات عالية التواتر.
كما يمثل التقدير الجديد مراجعة صعودية لتقييم البنك السابق لعام 2025. ففي يناير قدّر البنك الدولي أن لبنان نما 3.5 بالمئة خلال 2025.
وقد انقطع ذلك التعافي بحدة مع التصعيد المتجدد للنزاع في مارس 2026. ووفقاً للبنك، تسببت الصدمة في أضرار إضافية للمساكن والبنية التحتية، ونزوح مجتمعات، واضطراب سلاسل التوريد، وضغط شديد على السياحة والطلب المحلي.
ويوضح تسلسل توقعات البنك الدولي سرعة تغير الصورة. ففي يناير كان لبنان لا يزال متوقعاً أن يتوسع 4 بالمئة في 2026. وبحلول تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية في يونيو 2026 كان البنك قد توقف عن نشر توقع رقمي للبنان بعد 2025 بسبب ما وصفه بدرجة عالية من عدم اليقين. ويعيد مرصد أغسطس الآن توقعاً رقمياً، عند ناقص 6.4 بالمئة.
التضخم يرتفع من جديد
تصاحب صدمة النمو ضغوط أسعار متجددة. ويتوقع البنك الدولي أن يرتفع التضخم إلى 17.5 بالمئة في 2026، مدفوعاً باضطرابات العرض وارتفاع تكاليف الشحن وصعود أسعار النفط. وهو ما يقطع اتجاه تراجع التضخم الذي كان متوقعاً في وقت سابق من العام.
ففي يناير كان البنك يتوقع أن يبلغ معدل التضخم في لبنان خانة الآحاد في 2026 لأول مرة منذ 2019، بعد تراجع متوقع إلى 15.2 بالمئة في 2025.
وظلت الليرة اللبنانية مستقرة، بحسب التقرير الأخير، بدعم من استخدام الاحتياطيات وتشديد السيولة بالعملة المحلية. لكن البنك يحذر من أن سعر الصرف قد يتعرض لضغط إذا تراجعت التدفقات الأجنبية أو استمرت الصدمات المرتبطة بالنزاع.
وهذا يجعل السياحة وغيرها من مصادر العملة الأجنبية بالغة الأهمية. فتراجع إيرادات السياحة يؤثر في النشاط المحلي مباشرة، ويُضعف في الوقت نفسه إحدى القنوات التي تدخل عبرها العملة الأجنبية إلى الاقتصاد اللبناني.
المالية العامة دخلت الصدمة من موقع أقوى
تحسن الوضع المالي القريب الأجل للبنان قبل التصعيد المتجدد. فقد سجلت الحكومة فائضاً مالياً إجمالياً يعادل 3.9 بالمئة من الناتج المحلي في 2025، بدعم من التزام ضريبي أقوى وتحسن تحصيل الجمارك وضريبة القيمة المضافة. ويقول البنك الدولي إن المالية العامة ظلت قوية نسبياً خلال النصف الأول من 2026.
ومن المتوقع أن يزداد الضغط خلال ما تبقى من العام. فالاحتياجات الإنسانية واحتياجات إعادة الإعمار المرتبطة بالنزاع في ارتفاع، ومطالب رفع أجور القطاع العام تتزايد، ومن المتوقع أن يقيّد ضعف النشاط الاقتصادي نمو الإيرادات.
وفي الوقت نفسه تظل مشكلة الدين السيادي الأساسية دون حل. فالبنك الدولي لا يزال يصنّف الدين العام اللبناني بأنه غير مستدام، ويقول إن مفاوضات إعادة هيكلة الدين لم تبدأ بعد. والتمييز مهم: فتحسن الوضع النقدي القريب الأجل للحكومة لا يحل الالتزامات السيادية المتراكمة على البلاد.
إعادة هيكلة القطاع المصرفي لم تكتمل
يظل النظام المصرفي اللبناني كذلك ضعيفاً بشدة. ويقر البنك الدولي بإحراز بعض التقدم في عناصر من أجندة إعادة الهيكلة، لكنه يقول إن القطاع لم يستكمل الإصلاحات اللازمة لاستعادة الوساطة المالية الطبيعية والثقة.
ويحدد البنك إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإدارة مالية أقوى بوصفهما عنصرين حاسمين لإعادة بناء الثقة وحشد التمويل الرسمي والميسّر لإعادة الإعمار والتعافي.
ومن ثم تمتد التبعات الاقتصادية للصدمة الحالية إلى ما هو أبعد من انكماش 2026 المباشر. ويحدد التقرير النزوح المطول، وتدمير رأس المال المادي والإنتاجي، واضطراب خدمات التعليم والصحة، واحتمال مغادرة العمالة الماهرة، بوصفها مخاطر على الطاقة الإنتاجية للبنان ونموه متوسط الأجل.
تعافٍ انقطع
أبرز ما في تقييم البنك الدولي الأخير هو السرعة التي تدهورت بها صورة لبنان. ففي يناير توقع البنك نمواً 4 بالمئة في 2026. وبحلول يونيو بلغ مستوى عدم اليقين حداً كافياً لسحب توقع رقمي لعام 2026. وفي أغسطس عاد بتوقع انكماش 6.4 بالمئة.
والاختبارات القريبة باتت واضحة: هل تستقر السياحة والاستهلاك الخاص، وهل يبقى التضخم قريباً من توقع البنك عند 17.5 بالمئة، وهل يمكن الحفاظ على استقرار سعر الصرف، وهل تتقدم الإصلاحات المصرفية والمالية بينما تتزايد ضغوط إعادة الإعمار والاحتياجات الإنسانية.
وبدون تقدم عبر تلك القنوات، يخاطر التوسع المسجل في 2025 بأن يصبح انتعاشاً منقطعاً بدل أن يكون بداية تعافٍ اقتصادي مستدام.
المصادر: البنك الدولي، مرصد الاقتصاد اللبناني، صيف 2026: اقتصاد مزّقه النزاع، 21 أغسطس 2026 · البنك الدولي، “تجدد النزاع يعرقل التعافي الاقتصادي الهش في لبنان”، 21 أغسطس 2026 · البنك الدولي، مرصد الاقتصاد اللبناني، شتاء 2025: انتعاش هش، 22 يناير 2026 · البنك الدولي، الآفاق الاقتصادية العالمية، يونيو 2026. وفريق البحث في ذا إيدج هو من حسب التغير البالغ 10.4 نقطة مئوية بين توقعي يناير وأغسطس الرئيسيين لعام 2026.

