هونغ كونغ تتجاوز سويسرا لتصبح أكبر مركز عالمي لإدارة الثروات العابرة للحدود
تجاوزت هونغ كونغ بفارقٍ ضيّق سويسرا لتصبح أكبر مركز عالمي لإدارة الثروات العابرة للحدود، في تحوّل رمزي ضمن مشهد إدارة الثروة العالمية يعكس النفوذ المتنامي للمراكز المالية الآسيوية.
ووفقاً لتقرير الثروة العالمية 2026 الصادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية، ارتفعت الثروة العابرة للحدود في هونغ كونغ بنسبة 10.7% خلال عام 2025 لتبلغ نحو 2.95 تريليون دولار. وحلّت سويسرا، التي طالما اعتُبرت المركز الأول لإدارة الثروات الخارجية، في المرتبة الثانية بفارق ضيّق عند نحو 2.94 تريليون دولار بعد نموٍّ بنسبة 7.6%.
ويكتسب الفارق الضيّق بين المركزين أهمية خاصة. فهو يُظهر أن صعود هونغ كونغ ليس مجرد تغيّر قصير الأجل في الترتيب، بل جزء من تحوّل هيكلي أوسع في كيفية إدارة الثروة العالمية وتقييدها وتنويعها.
مراكز الثروة الآسيوية تكتسب زخماً
يعكس صعود هونغ كونغ تنامي أهمية تدفّقات الثروة الآسيوية. وأشارت مجموعة بوسطن الاستشارية إلى أن التدفّقات من البر الرئيسي للصين مثّلت أكثر من 60% من الأصول المُدارة في هونغ كونغ، ما يعزّز دورها بوّابةً بين الصين وأسواق رأس المال العالمية.
وقد باتت هذه المكانة أكثر أهمية مع سعي أصحاب الثروات الكبيرة والعملاء المؤسسيين إلى توسيع التنويع الجغرافي. فالثروة لم تَعُد متركّزة في المراكز الغربية التقليدية فحسب، بل تنتقل رؤوس الأموال بصورة متزايدة عبر ولايات قضائية متعددة، بما يعكس تغيّر تفضيلات المستثمرين، وخلق الثروة الإقليمية، والاعتبارات الجيوسياسية.
كما ظلّت سنغافورة من أبرز المستفيدين من هذا الاتجاه؛ إذ احتلّت المرتبة الثالثة عالمياً بثروة عابرة للحدود تقارب 2.1 تريليون دولار ونموٍّ بنسبة 10.3%. وتُشكّل هونغ كونغ وسنغافورة معاً اليوم محوراً آسيوياً قوياً في قطاعَي الخدمات المصرفية الخاصة وإدارة الثروات على المستوى العالمي.
سويسرا تظل مركزاً عالمياً رئيسياً
على الرغم من تقدّم هونغ كونغ، تظل سويسرا واحدة من أهم مراكز إدارة الثروة في العالم. فقد بلغت ثروتها العابرة للحدود نحو 2.94 تريليون دولار في عام 2025، مدعومةً بنموٍّ بنسبة 7.6%.
وتواصل سويسرا الاستفادة من سمعتها العريقة في الاستقرار، وخبرتها في الخدمات المصرفية الخاصة، وعمق منظومتها التنظيمية، وعلاقاتها مع العملاء الدوليين. وبالنسبة لعدد كبير من المستثمرين في أوروبا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، تظل سويسرا مركزاً أساسياً لإدارة الأصول الدولية.
ولذلك لا ينبغي تفسير الترتيب الأخير بوصفه تراجعاً في أهمية سويسرا. بل يُظهر أن خارطة إدارة الثروة العالمية تزداد تنافسية، إذ تكتسب المراكز الآسيوية حصصاً سوقية فيما تحتفظ المراكز الغربية الراسخة بنفوذها الكبير.
توسّع الثروة العالمية العابرة للحدود
وقدّرت مجموعة بوسطن الاستشارية أن الثروة العالمية العابرة للحدود نمت بنسبة 8.4% خلال عام 2025 لتبلغ نحو 15.7 تريليون دولار. وجاء هذا الارتفاع مدعوماً بأداء أسواق أقوى، وارتفاع الطلب على التنويع الجغرافي، وتجدّد شهية المستثمرين تجاه المحافظ المخصّصة على نطاق عالمي.
وضمّت أكبر خمسة مراكز لإدارة الثروات: هونغ كونغ، وسويسرا، وسنغافورة، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة. وحلّت الولايات المتحدة في المرتبة الرابعة بنحو 1.6 تريليون دولار، فيما جاءت المملكة المتحدة في المرتبة الخامسة بنحو 1.0 تريليون دولار.
ويُبرز هذا الترتيب استمرار تركّز نشاط إدارة الثروة العالمية في عدد محدود من المراكز الدولية. غير أن تركيبة هذه المجموعة آخذة في التغيّر، إذ تكتسب المراكز الآسيوية أهمية محورية متزايدة مع تسارع خلق الثروة الإقليمية وسعي المستثمرين إلى الوصول إلى أسواق ومنتجات وولايات قضائية أقرب إلى محرّكات النمو الاقتصادي في آسيا.
ما المقصود بمركز إدارة الثروات
يُشير مركز إدارة الثروات (booking center) إلى الولاية القضائية التي تُقيَّد فيها الأصول وتُحفَظ وتُدار. ولا يعني ذلك بالضرورة أن العملاء المعنيين يقيمون في تلك السوق.
ويكتسب هذا التمييز أهميته لأن صعود هونغ كونغ يعكس دورها منصّةً مالية للثروة الإقليمية والدولية، لا للثروة المحلية فحسب. فالأصول يمكن أن تُقيَّد في هونغ كونغ في حين يقيم المستفيدون الفعليون في مناطق أخرى، ولا سيما في البر الرئيسي للصين وعموم آسيا.
ويجعل ذلك ترتيب مراكز إدارة الثروات مؤشّراً مفيداً بالنسبة لمديري الثروات على المواقع التي تُدار فيها رؤوس الأموال العالمية، والمواقع التي تكتسب فيها منصّات الخدمات المصرفية الخاصة أهمية استراتيجية متزايدة.
تداعيات على مديري الثروات
الخلاصة الرئيسية هي أن إدارة الثروة العالمية تتّجه نحو هيكلٍ أكثر تنوّعاً ومتعدّد المراكز. فهونغ كونغ وسنغافورة تترسّخان بصورة متزايدة بوصفهما مرتكزَين للتدفّقات المالية الآسيوية، فيما تظل سويسرا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة مراكز مهمة لرؤوس الأموال الغربية والشرق أوسطية واللاتينية.
وبالنسبة للبنوك الخاصة والمكاتب العائلية ومديري الأصول، تترتّب على هذا التحوّل تداعيات استراتيجية. إذ تحتاج هذه المؤسسات إلى قدرات إقليمية أقوى، ومنصّات استشارية أعمق عبر الحدود، وفهم أفضل لتطوّر تفضيلات العملاء في آسيا وغيرها من أسواق الثروة الكبرى.
كما يُبرز صعود هونغ كونغ الدور المتنامي لأسواق الأسهم والوصول إلى أسواق رأس المال في إدارة الثروة. ومع سعي المستثمرين إلى انكشافٍ متنوّع، يُرجَّح أن تكتسب مراكز إدارة الثروات التي تجمع بين الخدمات المصرفية الخاصة والوصول إلى الأسواق والمصداقية التنظيمية والترابط الإقليمي أهمية أكبر.
الآفاق المستقبلية
يُمثّل تقدّم هونغ كونغ على سويسرا محطةً مفصلية في إدارة الثروة العالمية. وهو يعكس صعود الثروة الآسيوية، وأهمية التدفّقات من البر الرئيسي للصين، والاتجاه الأوسع نحو التنويع الجغرافي.
وفي الوقت ذاته، يُظهر استمرار قوة سويسرا أن المراكز التقليدية لإدارة الثروة لا يجري استبدالها، وإنما تعمل في بيئة عالمية أكثر تنافسية.
ومن المرجَّح أن يتشكّل مستقبل إدارة الثروة بفعل تعدّد المراكز بدلاً من هيمنة مركز واحد. ويُشير صعود هونغ كونغ إلى أن المراكز المالية الآسيوية لم تَعُد أطرافاً ثانوية، بل باتت محورية في كيفية تقييد الثروة العالمية وإدارتها وتوظيفها.
ملاحظة المصدر: تستند البيانات الواردة في هذا المقال إلى تقرير الثروة العالمية 2026 الصادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية.
