مصر تدرس زيادة الدعم النقدي مع اقتراب فاتورة دعم الغذاء من 180 مليار جنيه
تدرس مصر زيادة إضافية في الدعم النقدي للأسر المستحقة، مع استعداد الحكومة لانتقال تدريجي من الدعم العيني إلى نظام دعم نقدي أكثر استهدافاً في السنة المالية 2026/2027.
وعاد الملف إلى صدارة النقاش المالي والاجتماعي في مصر بعد أن قال وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق إن الحكومة تراجع قيمة الدعم النقدي الإضافي للمستفيدين المستحقين. كما أشار الوزير إلى أن نحو 83% من المستفيدين من برنامج «تكافل وكرامة» مؤهلون لدعم السلع الغذائية، بما يبرز التداخل بين منظومة التحويلات النقدية ومنظومة البطاقات التموينية في مصر.
والاتجاه واضح في السياسة. فمصر لا تخفّض القيمة الاسمية للدعم الاجتماعي في الموازنة، بل تزيد مخصصات الدعم والحماية فيما تدرس آلية جديدة لتحسين الاستهداف والحدّ من التسرّب وحماية القوة الشرائية للأسر بكفاءة أكبر.
مخصصات دعم الغذاء تقترب من 180 مليار جنيه
تضع موازنة السنة المالية 2026/2027 الحماية الاجتماعية في صميم السياسة المالية. ويستهدف الإطار الرسمي للموازنة إيرادات عامة بنحو 4 تريليونات جنيه ونفقات عامة بنحو 5.1 تريليون جنيه. وضمن هذا الإطار، خُطّط لمخصصات الدعم والحماية الاجتماعية عند 832.3 مليار جنيه، بنمو سنوي يبلغ نحو 12%.
وتضع تقارير موازنة 2026/2027 الحالية مخصصات دعم الغذاء في نطاق يتراوح بين نحو 175 و178.3 مليار جنيه. وهذا يضع فاتورة دعم الغذاء قرب 180 مليار جنيه، ويؤكد أن دعم الغذاء يظل من أكبر أولويات الإنفاق الاجتماعي في مصر. والرقم مهم لأنه يُظهر أن إصلاح الدعم ليس مجرد خفض للإنفاق: فالحكومة لا تزال تخصّص موارد كبيرة لدعم الغذاء، فيما تحاول إعادة تصميم كيفية وصول هذا الدعم إلى المواطنين المستحقين.
«تكافل وكرامة» يبقى قناة محورية للحماية الاجتماعية
تتضمن الموازنة أيضاً نحو 55.3 مليار جنيه لبرنامج «تكافل وكرامة» وبرامج الحماية الاجتماعية المرتبطة به، بما في ذلك الضمان الاجتماعي ومعاشات الأطفال وبرامج الرائدات الريفيات الصحيات. وأصبح «تكافل وكرامة» من أهم أنظمة التحويلات النقدية في مصر، إذ يدعم أكثر من 4.7 مليون أسرة، أي ما يعادل نحو 17 مليون مواطن، ما يجعله محورياً لأي تحوّل أوسع نحو الدعم النقدي.
ولهذا الحجم أهميته. فإذا ابتعدت مصر تدريجياً عن أجزاء من نظام الدعم العيني، فمن المرجّح أن تصبح قاعدة بيانات «تكافل وكرامة» وبنيته التحتية للمدفوعات أدوات رئيسية لتحديد الفئات الأكثر ضعفاً ودعمها. وقد وصف البنك الدولي «تكافل وكرامة» بأنه أكبر عملية تحويلات نقدية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تصل إلى ملايين الأسر والأفراد من الفئات الضعيفة. وهذا يمنح مصر منصة قائمة للإصلاح، لكن نجاح أي انتقال سيعتمد على دقة البيانات وقواعد الاستحقاق والقدرة على تحديث قيم الدعم مع تغيّر الأسعار.
لماذا تهمّ نسبة 83%
تصريح وزير التموين بأن 83% من المستفيدين من «تكافل وكرامة» مؤهلون لدعم السلع الغذائية مهم لأنه يشير إلى تداخل قوي بين المستفيدين من التحويلات النقدية ومتلقّي دعم الغذاء. وإذا كانت غالبية أسر «تكافل وكرامة» مؤهلة بالفعل للدعم التمويني، فإن التحوّل نحو الدعم النقدي يمكن أن يُبنى على قواعد بيانات المستفيدين القائمة بدلاً من إنشاء نظام جديد بالكامل من البداية.
غير أن الرقم ينبغي أن يُقرأ بحذر. فقد ورد كتصريح وزاري، لكن البيانات الأساسية لم تُنشر بالتفصيل بعد عبر إصدار إحصائي رسمي. ولذلك يُفهم على أنه إشارة سياسية أكثر منه مجموعة بيانات قابلة للتحقق المستقل بالكامل. ويبقى المغزى الأوسع واضحاً: مصر تتجه نحو منظومة حماية اجتماعية أكثر توحيداً، تتزايد فيها الروابط بين التحويلات النقدية ودعم الغذاء وبيانات استحقاق الأسر.
دعم الخبز والتموين يبقى حساساً سياسياً
منظومة دعم الغذاء في مصر ليست برنامجاً مالياً فحسب، بل أداة للاستقرار الاجتماعي أيضاً. ووفق تصريحات وزير التموين الأخيرة، يحصل المواطنون المستحقون حالياً على 150 رغيف خبز مدعوم شهرياً، إلى جانب دعم تمويني إضافي بقيمة 50 جنيهاً. وأشار الوزير إلى أن هذا المبلغ كان يتيح في السابق شراء سلع أساسية مثل زيت الطهي والمكرونة والسكر، لكن تغيّرات الأسعار قلّصت القوة الشرائية للمبلغ نفسه.
وهذا هو التحدي الجوهري. فقيمة المخصص النقدي الثابت قد تتآكل بسرعة إذا ارتفعت أسعار الغذاء. ويمكن لنظام الدعم النقدي تحسين الاستهداف والحدّ من التسرّب ومنح الأسر مرونة أكبر، لكنه يحتاج أيضاً إلى آلية للتكيّف مع التضخم، خصوصاً أن دعم الخبز عمل طويلاً كأداة رعاية اجتماعية وآلية استقرار اجتماعي في آن واحد.
وأشار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إلى أن الحكومة لا تهدف إلى خفض قيمة الدعم، بل إلى ضمان وصوله إلى الفئات المستحقة بكفاءة وعدالة أكبر. كما ناقشت الحكومة نهجاً أكثر استهدافاً، تحصل فيه الأسر الأكثر ضعفاً على دعم أقوى فيما تحصل الفئات الأقل ضعفاً على دعم أقل. وقد يحسّن هذا النهج المتدرّج العدالة، لكنه سيعتمد بشدة على بيانات الأسر وتصنيف الدخل وتعديل التضخم وانضباط التنفيذ.
الحيّز المالي هو القيد الرئيسي
توسّع مصر الحماية الاجتماعية في الوقت الذي تحاول فيه الحفاظ على ضبط أوضاع المالية العامة. وتستهدف موازنة 2026/2027 فائضاً أولياً بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي، أي نحو 1.2 تريليون جنيه. كما تستهدف خفض العجز الكلي إلى 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 78% بحلول يونيو 2027.
ويخلق ذلك توازناً صعباً. فمن جهة، تحتاج الحكومة إلى حماية الأسر الضعيفة من ضغوط أسعار الغذاء وارتفاع تكلفة المعيشة. ومن جهة أخرى، تحتاج إلى ضبط احتياجات الاقتراض وخفض الدين والحفاظ على ثقة المستثمرين. ولهذا يهمّ استهداف الدعم: فإذا تمكّنت مصر من الحدّ من التسرّب وتوجيه الدعم بدقة أكبر، فقد تحسّن الأثر الاجتماعي لكل جنيه يُنفَق؛ أما إذا لم تُعدّل القيم النقدية بما يكفي لمواكبة التضخم، فقد تواجه الأسر الضعيفة خسائر حقيقية في الدخل حتى مع ارتفاع المخصصات الاسمية.
المفاضلة الجوهرية في السياسة
المفاضلة الرئيسية هي بين الكفاءة والقوة الشرائية. فالنظام النقدي قد يكون أكثر كفاءة من الدعم العيني لأنه يمكن استهدافه ومراقبته بسهولة أكبر، ويمكن أن يقلّل تشوّهات سلاسل الإمداد ويحدّ من التسرّب. لكن لدعم الغذاء ميزة كبرى: فهو يحمي الوصول إلى سلع أساسية محددة. وبالنسبة للأسر منخفضة الدخل، خصوصاً المعرّضة لتضخم الغذاء، قد تكون يقينية دعم الخبز والتموين أثمن من مبلغ نقدي قد يفقد قوته الشرائية مع الوقت.
ولكي ينجح الإصلاح، سيلزم مراجعة القيمة النقدية بانتظام في مقابل تضخم الغذاء، فيما يقلّل الطرح التدريجي مخاطر التنفيذ، خصوصاً إذا ظل الخبز المدعوم محمياً خلال الانتقال. وسيتعين على الحكومة أيضاً أن تُظهر أن وفورات الاستهداف الأفضل وانخفاض التسرّب تُعاد توجيهها نحو الأسر الأكثر ضعفاً. وسيعتمد النجاح على أربعة شروط: استهداف دقيق للمستفيدين؛ ومراجعة منتظمة للقيم النقدية في مقابل تضخم الغذاء؛ وانتقال تدريجي بما يكفي لتفادي ضغط مفاجئ على موازنات الأسر؛ وتواصل واضح بأن الإصلاح يهدف إلى تحسين التوصيل لا سحب الحماية.
لماذا تهمّ البيانات
تهمّ أحدث أرقام الدعم لثلاثة أسباب. أولاً، تُظهر مخصصات دعم الغذاء التي تقترب من 180 مليار جنيه أن دعم الغذاء يظل من أكبر أولويات الإنفاق الاجتماعي في مصر. ثانياً، تُظهر مخصصات الـ55.3 مليار جنيه لبرنامج «تكافل وكرامة» والبرامج المرتبطة به أن التحويلات النقدية تزداد محوريةً في منظومة الحماية في مصر. ثالثاً، يُظهر إجمالي المخصصات البالغ 832.3 مليار جنيه للدعم والحماية الاجتماعية أن مصر تحاول توسيع الحماية الاجتماعية مع مواصلة ضبط أوضاع المالية العامة. وتُحدّد هذه التركيبة تحدّي الدعم في مصر للسنة المالية 2026/2027: حماية الأسر وتحسين الاستهداف وخفض الضغط المالي في آن واحد.
الآفاق
قد يكون التحوّل المخطط في مصر نحو الدعم النقدي واحداً من أهم تغييرات السياسة الاجتماعية في السنة المالية المقبلة. فإذا صُمّم بعناية، قد يحسّن الاستهداف ويحدّ من التسرّب ويعزّز الربط بين الإنفاق في الموازنة ورفاه الأسر، ويخلق نظاماً أكثر مرونة يتيح للدولة توجيه دعم أعلى لأفقر الأسر.
لكن المخاطر كبيرة. فإذا لم تواكب القيم النقدية أسعار الغذاء، فقد تشعر الأسر بأنها أسوأ حالاً حتى لو كان النظام أكثر كفاءة؛ وإذا حدثت أخطاء في الاستهداف، فقد يفقد بعض المواطنين المستحقين الدعم أو يحصلون على أقل مما يحتاجون؛ وإذا تسرّع التنفيذ، فقد تضعف ثقة الجمهور في الإصلاح. وإجمالاً، يدخل إصلاح الدعم في مصر مرحلة أكثر جدية، مع زيادة الحكومة مخصصات الحماية الاجتماعية ودراسة دعم نقدي أعلى والإعداد لتحوّل تدريجي نحو نموذج نقدي. وقد يحسّن الإصلاح الكفاءة، لكن نجاحه سيعتمد في النهاية على ما إذا كان يحمي القوة الشرائية الحقيقية للأسر منخفضة الدخل.
المصادر: مجلس الوزراء المصري؛ وزارة المالية، موازنة السنة المالية 2026/2027؛ وزارة التضامن الاجتماعي؛ البنك الدولي.
إخلاء مسؤولية: تنشر هذه المادة شركة The Edge for Economic Consultancy ذ.م.م لأغراض إعلامية عامة فقط، ولا تشكّل نصيحة استثمارية أو قانونية أو ضريبية أو مالية، ولا توصية أو عرضاً بشأن أي أوراق مالية.
