النفط الجديد: مساعٍ لتحويل قدرة حوسبة الذكاء الاصطناعي إلى سلعة قابلة للتداول
يحوّل الذكاء الاصطناعي قدرة الحوسبة إلى أحد أهم المدخلات في الاقتصاد الرقمي العالمي. ومع اتساع الطلب على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة وتشغيلها، تتحرّك البورصات ومزوّدو البيانات لإنشاء عقود مالية يمكن أن تجعل قدرة الحوسبة أكثر شفافية وقابلية للقياس والتداول.
ولا يزال هذا التحوّل في مرحلة مبكرة، لكنه يمثّل تطوراً مهماً في إضفاء الطابع المالي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فما كان يُتفاوض عليه سابقاً عبر عقود سحابية خاصة وترتيبات سعة مخصّصة بات يتجه نحو تسعير مرجعي وعقود آجلة وأدوات لإدارة المخاطر مشابهة لتلك المستخدمة في أسواق الطاقة وغيرها من السلع.
CME وسيليكون داتا تتحركان أولاً
في 12 مايو 2026، أعلنت مجموعة CME وشركة سيليكون داتا خططاً لإطلاق سوق عقود آجلة للحوسبة هي الأولى من نوعها في وقت لاحق من 2026، رهناً بالمراجعة التنظيمية. ووصفت CME شركة سيليكون داتا بأنها شركة استخبارات سوقية وقياس مرجعي لوحدات معالجة الرسوميات (GPU) مدعومة من شركة التداول العالمية DRW.
وستستند العقود المخطّط لها إلى مؤشرات سيليكون داتا، التي وصفتها CME بأنها أول مؤشرات مرجعية يومية في العالم لمعدلات إيجار وحدات معالجة الرسوميات عند الطلب. والهدف منح المتداولين والمؤسسات المالية وبُناة الذكاء الاصطناعي ومزوّدي الخدمات السحابية وسيلة لإدارة التقلّب ومخاطر الأسعار فيما وصفته CME بسوق الحوسبة الذي تبلغ قيمته تريليونات الدولارات.
ووصف رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة CME تيري دافي الحوسبة بأنها نفط القرن الحادي والعشرين الجديد، مجادلاً بأن الحوسبة تتحوّل إلى فئة أصول ناشئة قائمة بذاتها. وقالت الرئيسة التنفيذية لسيليكون داتا كارمن لي إن أسواق الحوسبة تبقى مجزّأة، بتسعير قد يتباين بين المزوّدين والمناطق وهياكل العقود، وإن المؤشرات المرجعية الموحّدة يمكن أن تساعد على تحويل الحوسبة من تكلفة تشغيلية غامضة إلى سوق مالية أكثر نضجاً.
لماذا تتحوّل الحوسبة إلى سوق
السبب بنيوي. فالنماذج اللغوية الكبيرة وخدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي وأعباء الاستدلال تتطلّب أحجاماً كبيرة من سعة وحدات معالجة الرسوميات. وبالنسبة للشركات التي تبني منتجات ذكاء اصطناعي، ليست الحوسبة مُدخلاً تقنياً فحسب بل أيضاً تكلفة تشغيلية كبيرة.
ولذلك يمكن للمؤشرات المرجعية اليومية لإيجار وحدات معالجة الرسوميات أن تؤدي وظيفة مشابهة للأسعار المرجعية في أسواق الطاقة أو المعادن. فهي لا تُلغي الندرة أو التقلّب، لكنها تخلق لغة تسعير مشتركة يمكن للشركات والمستثمرين استخدامها في وضع الموازنات والتحوّط والتقييم.
والمقارنة بالنفط ليست دقيقة تماماً. فالنفط سلعة مادية بدرجات راسخة وأنظمة تخزين ونقاط تسليم. أما الحوسبة فخدمة تعتمد على نوع العتاد والموقع وتوافر الطاقة والتكامل السحابي ومدة العقد والأداء. وهذا يجعل التوحيد القياسي أكثر تعقيداً، لكنه يفسّر أيضاً لماذا تزداد قيمة المؤشرات المرجعية الشفافة.
المنافسة تتسع خارج CME
وليست CME البورصة الوحيدة المتجهة في هذا الاتجاه. ففي 19 مايو 2026، أعلنت بورصة إنتركونتيننتال إكستشينج (ICE) وشركة أورن خططاً لإطلاق عقود آجلة لحوسبة وحدات معالجة الرسوميات مقوّمة بالدولار الأميركي وتُسوّى نقداً استناداً إلى مؤشر أسعار الحوسبة لدى أورن، رهناً بالموافقة التنظيمية. وقالت ICE إن المؤشر يتتبّع الأسعار الفورية المتداولة مباشرةً لحوسبة وحدات معالجة الرسوميات عبر الأنواع الرئيسية من العتاد.
ويوحي ذلك بأن مشتقات الحوسبة قد تتطوّر عبر مؤشرات مرجعية متنافسة ومراجع عتاد مختلفة وهياكل سوقية مختلفة. وكما هي الحال مع فئات الأصول الجديدة الأخرى، ستعتمد السيولة على الثقة في منهجية المؤشر وعمق بيانات السوق الأساسية واستعداد المستخدمين التجاريين للتحوّط من انكشاف حقيقي.
الصين تستكشف نموذجاً قائماً على الرموز
وتستكشف الصين أيضاً عقوداً آجلة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكن بنهج مختلف. فقد ذكرت رويترز في أواخر مايو أن بورصة شنغهاي للعقود الآجلة في مرحلة تصميم مبكرة لعقود آجلة مرتبطة برموز الذكاء الاصطناعي، وهي أصغر وحدات المعلومات التي تعالجها نماذج الذكاء الاصطناعي. وخلافاً لعقود ساعات وحدات معالجة الرسوميات، ستركّز الأدوات القائمة على الرموز بشكل أكثر مباشرة على مخرجات خدمات الذكاء الاصطناعي واستخدامها.
ويساعد حجم استخدام الذكاء الاصطناعي في الصين على تفسير هذا الاهتمام. فقد ذكرت تشاينا ديلي أن الاستهلاك اليومي للرموز في الصين تجاوز 140 تريليوناً بحلول مارس 2026، صعوداً من 100 مليار في مطلع 2024 و100 تريليون بنهاية 2025، نقلاً عن رئيس الإدارة الوطنية للبيانات ليو ليهونغ.
تحديات قبل أن تصبح الحوسبة سلعة حقيقية
الفرصة كبيرة، لكن التحديات جوهرية. فأسواق وحدات معالجة الرسوميات ليست موحّدة. وقد تتباين الأسعار حسب نوع الشريحة والمنطقة والمزوّد والتوافر وتكلفة الطاقة وأداء الشبكة وهيكل العقد. وسيحتاج عقد آجل إلى مؤشر مرجعي يراه المشاركون قوياً وممثّلاً وصعب التلاعب به.
وثمة أيضاً عدم يقين بشأن التنظيم وتصميم التسوية والتبنّي. فأسواق العقود الآجلة تنجح حين تجتذب المتحوّطين التجاريين ومزوّدي السيولة المالية معاً. وبالنسبة للحوسبة، يعني ذلك أن على مزوّدي الخدمات السحابية ومطوّري الذكاء الاصطناعي ومشغّلي مراكز البيانات والمستثمرين وشركات التداول أن يروا العقد مفيداً لإدارة انكشاف اقتصادي حقيقي.
الآفاق
لن تحوّل العقود الآجلة للحوسبة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي فوراً إلى سوق سلع ناضجة، لكنها قد تكون خطوة مهمة نحو مزيد من الشفافية ونقل المخاطر. وفي حال نجاحها، ستتيح لشركات الذكاء الاصطناعي إدارة إحدى أكبر تكاليفها وأكثرها تقلّباً بشكل أكثر منهجية، فيما تمنح المستثمرين وسيلة جديدة للتعبير عن آرائهم بشأن الطلب على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
والرسالة الأوسع واضحة: لم تعد الحوسبة مجرد مورد تقني. فهي تتحوّل إلى مُدخل اقتصادي بمخاطر سعرية وقيود إمداد وأهمية مالية. ومع نمو تبنّي الذكاء الاصطناعي، قد تصبح البنية التحتية السوقية حول الحوسبة بأهمية الشرائح ومراكز البيانات نفسها.
المصادر: مجموعة CME؛ إنتركونتيننتال إكستشينج؛ رويترز؛ تشاينا ديلي.

