بنك التسويات الدولية: العملات المستقرة قاصرة كنقد ويدعو لصون الثقة في عصر الرقمنة
حذّر بنك التسويات الدولية من أن العملات المستقرة في صيغتها الحالية قاصرة عن استيفاء الخصائص الرئيسية التي تصون الثقة في النقد، وقال إن الطريق إلى النظام النقدي والمالي للجيل المقبل يكمن في توظيف الابتكار لتحسين البنية ثنائية المستوى القائمة مع الحفاظ على تلك الثقة. وجاء التقييم في فصل خاص من التقرير الاقتصادي السنوي لبنك التسويات الدولية 2026، الصادر في 23 يونيو، بعنوان “ترسيخ الثقة في النقد: ابتكار يتجاوز العملات المستقرة”.
وقال البنك إن الابتكار الرقمي يعيد تشكيل التمويل وقد يدعم منافسة وكفاءة أكبر في المدفوعات والوساطة المالية، لكنه يطرح في الوقت نفسه تحديات اقتصادية كلية ومالية جديدة، ويثير سؤالاً محورياً للسياسات: كيف تُصان الثقة في النقد مع تزايد رقمنة الأنظمة المالية وقابليتها للبرمجة والترميز.
أين تقصر العملات المستقرة
تُظهر العملات المستقرة بعض إمكانات الترميز لدعم مدفوعات أسرع وقابلة للبرمجة. لكن البنك يرى أن تصميمها الحالي يقصر عن خصائص أساسية للنقد، خصوصاً “الأحادية”، أي القدرة على استرداد أشكال النقد المختلفة بالتساوي تماماً مقابل نقد البنك المركزي. وتتداول العملات المستقرة أساساً على سلاسل كتل عامة ومفتوحة، حيث يمكن للسجلات المجزأة وضعف قابلية التشغيل البيني والنشاط شبه المجهول والحوكمة المحدودة أن تخلق تحديات للنزاهة المالية والاسترداد والمرونة التشغيلية وحماية المستخدم.
وحجم السوق مهم أيضاً. فوفق البنك، 99.4% من العملات المستقرة المدعومة بعملات ورقية من حيث القيمة السوقية مربوطة بالدولار الأميركي. وبلغت القيمة السوقية للعملات المستقرة نحو 320 مليار دولار بنهاية مايو 2026، فيما بلغ حجم المعاملات السنوي المقدّر 28 تريليون دولار في 2025، وإن نبّه البنك إلى أن صافي قيم المعاملات أقل بكثير بعد استبعاد التحويلات بين محافظ يتحكم بها الطرف نفسه.
ورغم أن الأثر الإجمالي على النشاط الاقتصادي قد يبقى محدوداً ضمن السيناريوهات المدروسة، فإن اتساع تبني العملات المستقرة قد يغيّر تمويل البنوك ومنح الائتمان وأوضاع أسواق المال ومخاطر الاستقرار المالي، تبعاً لتركيبة الاحتياطيات والتنظيم وسلوك المستخدمين وكيفية استجابة البنوك وصناديق أسواق المال والبنوك المركزية وأسواق الدين السيادي. كما يحذّر البنك من أن الطلب العالمي القوي على عملات مستقرة مقوّمة غالباً بالدولار قد يزيد تقلب تدفقات رأس المال ويتحدى السيادة النقدية في اقتصادات ذات أساسيات أضعف، حيث يمكن لطلب العملة الأجنبية أن يؤثر أصلاً في أسعار الصرف والسيولة المحلية وانتقال السياسة النقدية.
مسار من جبهتين
يرى البنك أن تحديث النظام المالي يتطلب سياسة منسقة عالمياً على جبهتين. ففي الأجل القريب، تحتاج السلطات إلى معالجة أوجه ضعف ترتيبات العملات المستقرة الحالية، مع أولويات تعتمد على الدور المسموح به لهذه الأدوات. فالعملات المستقرة المستخدمة أساساً كأدوات استثمار قد تتطلب حماية للمستثمر وإفصاحاً وضوابط سلوك سوق، بينما تتطلب تلك المخصصة للمدفوعات على نطاق واسع معايير أقوى بكثير، تشمل قابلية استرداد متينة بالتساوي واحتياطيات عالية الجودة وآليات دعم للسيولة وضوابط نزاهة مالية وحماية واضحة للمستخدم.
وفي الأجل الأطول، يرسم البنك اتجاهاً أوسع: إدخال تطورات الترميز التقنية إلى النظام النقدي ثنائي المستوى، حيث توفّر البنوك المركزية المرتكز النقدي وتخدم البنوك التجارية الجمهور. ويمكن لـ”سجل موحّد” يدمج احتياطيات البنك المركزي المرمّزة ونقود البنوك التجارية المرمّزة وأنواعاً أخرى من النقود الخاصة المنظّمة والأصول المرمّزة أن يحقق منافع الابتكار الرقمي مع صون الثقة، بما يدعم تسوية أسرع ومدفوعات عابرة للحدود أكثر كفاءة، شريطة معالجة الحوكمة والنهائية القانونية وقابلية التشغيل البيني والخصوصية والمرونة التشغيلية. ويشير البنك إلى مشروع “أغورا”، وهو نموذج أولي بين القطاعين العام والخاص يجمع ثمانية بنوك مركزية وأكثر من 40 مؤسسة منظّمة، كمثال على هذا الاتجاه.
لماذا يهم
لم تعد العملات المستقرة والترميز قضية ضيقة تخص سوق العملات المشفرة. فهي تصبح جزءاً من نقاش أوسع حول أنظمة المدفوعات وتمويل البنوك والسيادة النقدية ومستقبل بنية النقد. وبالنسبة لصانعي السياسة والبنوك المركزية والبنوك والمنظمين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وعالمياً، فإن النتائج وثيقة الصلة مع تقييم السلطات لتنظيم الأصول الرقمية والودائع المرمّزة وتحديث المدفوعات واستراتيجيات العملات الرقمية للبنوك المركزية.
والصلة الإقليمية ملموسة. فكثير من اقتصادات المنطقة تعمل في أنظمة مالية تكون فيها سيولة الدولار وأنظمة سعر الصرف وتمويل البنوك والتدفقات العابرة للحدود محورية للاستقرار الاقتصادي الكلي، لذا قد يفتح دور أكبر للعملات المستقرة المقوّمة بالدولار قنوات جديدة تتفاعل عبرها السيولة الخارجية وأسواق العملات المشفرة والأوضاع النقدية المحلية. والبنك لا يرفض الابتكار؛ ورسالته أن الترميز ينبغي أن يرتكز إلى مؤسسات قوية ووسطاء خاضعين للإشراف وأطر قانونية سليمة ونقد البنك المركزي. وبالنسبة للمراكز المالية الإقليمية التي تحدّث المدفوعات وتستكشف الترميز، فإن التحدي ليس ما إذا كان ينبغي الابتكار، بل كيف يتم دون إضعاف الثقة في النقد.
النظرة المستقبلية
من المقرر صدور التقرير الاقتصادي السنوي الكامل لبنك التسويات الدولية 2026 والتقرير السنوي 2025/26 في 28 يونيو، ما يُتوقع أن يضيف تفاصيل إلى صورة النمو والسياسة والاستقرار المالي الأوسع. وتتجه الأنظار الآن إلى كيفية استجابة المنظمين الوطنيين للمهمتين اللتين يطرحهما البنك: احتواء مخاطر ترتيبات العملات المستقرة الحالية، وبناء الأسس المؤسسية والقانونية والتقنية لإدخال الترميز بأمان إلى النظام النقدي القائم.
المصادر: بنك التسويات الدولية، التقرير الاقتصادي السنوي 2026، الفصل الثالث (“ترسيخ الثقة في النقد: ابتكار يتجاوز العملات المستقرة”)، والبيان الصحفي لبنك التسويات الدولية، 23 يونيو 2026.

