مع تراجع المساعدات الأميركية.. الصين توسّع تمويل التنمية ونفوذها العالمي
تشهد ساحة تمويل التنمية العالمية إعادة ترتيب. فمع تقليص الولايات المتحدة الحاد لإنفاقها على المساعدات الخارجية، تتحرك الصين لتوسيع مساعداتها ونفوذها، واضعةً نفسها أكبر شريك تنموي ثنائي في العالم، ومستخدمةً هذا الانفتاح لتعميق علاقاتها عبر مبادرة «الحزام والطريق».
ويأتي هذا التحوّل عقب انسحاب أميركي حاد. فقد تركت إعادة تفكيك وكالة المساعدات الأميركية الرئيسية والتخفيضات الأوسع فجوةً كبيرة في تمويل التنمية العالمي، فيما قلّص عدد من المانحين الغربيين الآخرين موازنات مساعداتهم أيضاً. وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تراجع إجمالي المساعدة الإنمائية الرسمية من كبار المانحين بنحو 23٪ بالقيمة الحقيقية في 2025 — أكبر انخفاض سنوي في تاريخ المساعدات الإنمائية — مع استحواذ الولايات المتحدة وحدها على نحو ثلاثة أرباع التراجع. وفي هذا الحيّز، أشارت بكين إلى أنها تعتزم فعل المزيد — مفضّلةً ما وصفته وكالة مساعداتها بمشاريع «صغيرة وجميلة» إلى جانب التزامات أبرز.
الأرقام وراء التحوّل
حجم إعادة الاصطفاف كبير. فبحسب تحليل لمعهد لوي، يقفز عدد الدول التي يتجاوز فيها التمويل التنموي الصيني نظيره الأميركي من 44 إلى 84 دولة، فيما يتقلّص عدد الدول التي تظل فيها الولايات المتحدة الشريك الأكبر من 98 إلى 52 — بما يعيد ترسيخ الصين أكبر شريك تنموي ثنائي في العالم من حيث حجم الالتزامات. وتوضّح التزامات حديثة هذا الاتجاه: إذ تعهّدت بكين بنحو 137 مليون دولار للإغاثة بعد زلزال كبير في المنطقة — مقابل نحو 9 ملايين دولار من الولايات المتحدة — وأعلنت تبرعاً بقيمة 500 مليون دولار لمنظمة الصحة العالمية، متقدّمةً فيما تراجعت المساهمات الغربية.
صورة أكثر تعقيداً
لكن الواقع أكثر دقّةً من تسليمٍ بسيط. فيلاحظ المحللون أن الصين أبدت شهية محدودة لتولّي البرامج المحددة التي تخلّت عنها الولايات المتحدة، لا سيما في الصحة والمساعدات الإنسانية، تاركةً فجوات حقيقية في أجزاء من آسيا وغيرها. ونهج بكين استراتيجي وانتقائي — يتركّز حيث يخدم مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية — لا بديلاً مطابقاً للمساعدة الغربية. كما يتدفق جانب كبير من تمويلها على شكل قروض واستثمارات في مشاريع لا منحاً، ويواجه عدد من الدول النامية بالفعل التزامات ثقيلة لخدمة الدين تجاه الصين تحدّ من حيّزها المالي. والنتيجة مشهد تنموي يُعاد تشكيله لا مجرد إعادة توازن.
لماذا يهمّ ذلك
بالنسبة للاقتصادات النامية، يغيّر هذا التحوّل من يموّل البنية التحتية والصحة وبرامج الغذاء — وبأي شروط. فالتمويل الصيني كثيراً ما يأتي عبر قروض واستثمارات قائمة على المشاريع مرتبطة بـ«الحزام والطريق»، وهو نموذج مختلف عن المساعدة الغربية القائمة على المنح، بما له من تبعات على الدين والحوكمة والنفوذ. وبالنسبة للنظام العالمي الأوسع، تمثّل إعادة الاصطفاف انتقالاً مهماً للقوة الناعمة: فمع تراجع مانح كبير، يتقدّم آخر، بما يعيد تشكيل التحالفات والتبعيات عبر العالم النامي.
وبالنسبة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يكتسب الاتجاه أهمية خاصة. فقد كانت المنطقة محوراً لاستثمارات «الحزام والطريق» لسنوات، وقد تعمّق صينٌ أكثر نشاطاً — في لحظة تسعى فيها عدة اقتصادات إلى تمويل خارجي ورأسمال للبنية التحتية — بصمتها الاقتصادية عبر الخليج وشمال إفريقيا وما بعدهما.
الآفاق
سيحدّد مدى ملء الصين للفجوة التي خلّفتها الولايات المتحدة شكلَ تمويل التنمية لسنوات. فإذا توسّعت بكين على نطاق واسع، فقد ترسّخ نفوذها عبر جانب كبير من العالم النامي؛ وإذا بقيت انتقائية، فقد تكون النتيجة الصافية تقلّص حجم المساعدات العالمي واحتياجات غير ملبّاة في أكثر المناطق هشاشة. وفي الحالتين، يتبدّل ميزان من يموّل تنمية العالم — وستمتد تبعاته إلى ما هو أبعد من موازنات المساعدات.
المصادر: بلومبرغ؛ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ معهد لوي؛ NPR.

