إنفاق المستهلك الصيني يتراجع في مايو رغم تجاوز الإنتاج الصناعي للتوقعات
أظهر الاقتصاد الصيني انقساماً داخلياً متّسعاً في مايو 2026، إذ انكمش الإنفاق الاستهلاكي على نحو غير متوقّع فيما تسارع الإنتاج الصناعي، وفقاً لبيانات نشرها المكتب الوطني للإحصاء في 16 يونيو 2026. وتشير الأرقام إلى اقتصاد ذي سرعتين يبقى فيه جانب العرض مرناً بينما يتراجع الطلب المحلي — مزيج يُبقي الضغط على صانعي السياسات لدعم الاستهلاك.
مبيعات التجزئة تنزلق إلى الانكماش
بلغ إجمالي مبيعات التجزئة للسلع الاستهلاكية 4,109.0 مليار يوان في مايو، بتراجع 0.6% على أساس سنوي و0.38% على أساس شهري. ووفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز»، كان ذلك أول تراجع سنوي في مبيعات التجزئة منذ ديسمبر 2022. كما جاءت القراءة دون توقعات السوق، إذ كان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم يتوقّعون نمواً ثابتاً تقريباً.
وأظهرت التفاصيل أن الضعف تركّز في المناطق الحضرية: فقد تراجعت مبيعات التجزئة الحضرية 0.9% سنوياً، فيما ارتفعت المبيعات الريفية 1.5%. وتراجعت مبيعات السلع 0.7%، بينما ارتفعت إيرادات المطاعم 0.6%، بما يوحي بأن الإنفاق المرتبط بالخدمات صمد أفضل قليلاً من استهلاك السلع. والانكماش مهمّ لأن الاستهلاك كان القطاع الذي تطلّعت بكين أكثر من غيره إلى تعزيزه وهي تعيد توازن الاقتصاد بعيداً عن الاستثمار والصادرات.
الصناعة تبقى مرنة
على النقيض من ضعف المستهلك، ارتفعت القيمة المضافة للمنشآت الصناعية الكبيرة 4.5% سنوياً في مايو، أي 0.4 نقطة مئوية أسرع من أبريل، وزادت 0.40% شهرياً. وتجاوز الرقم زيادة 4.3% المتوقّعة في استطلاع «رويترز»، بما يشير إلى استمرار مصانع الصين في توسيع الإنتاج حتى مع تراجع الأسر. وتعكس مرونة الإنتاج الصناعي استمرار القوة في التصنيع والقطاعات الموجّهة للتصدير، التي ساعدت في تعويض ضعف الطلب المحلي.
الاستثمار والعقارات يبقيان عبئاً
وروى الاستثمار في الأصول الثابتة قصة أضعف. إذ بلغ الاستثمار (باستثناء الأسر الريفية) 17,851.2 مليار يوان في الأشهر الخمسة الأولى من 2026، بتراجع 4.1% سنوياً؛ وباستثناء التطوير العقاري، تراجع 1.2%. وبقي القطاع العقاري العبء الرئيسي على الاقتصاد: فقد تراجع الاستثمار في التطوير العقاري 16.2% سنوياً في يناير–مايو، وهبطت مبيعات المباني التجارية الجديدة 13.5%، وتراجعت المساحة المبيعة من المباني التجارية الجديدة 10.8%. وتراجع الاستثمار الخاص، وهو مقياس لثقة الأعمال، 7.1% سنوياً. ويواصل الانكماش العقاري المستمر الضغط على ثروة الأسر ونشاط البناء وموارد الحكومات المحلية، ويساعد امتداده إلى الاستثمار الخاص في تفسير بقاء المستهلكين حذرين رغم مرونة الإنتاج الصناعي.
والتباين بين ارتفاع 4.5% في الإنتاج الصناعي وتراجع 0.6% في مبيعات التجزئة يجسّد الخلل المركزي في تعافي الصين: الطاقة الإنتاجية تسبق الطلب المحلي اللازم لاستيعابها. وتزيد هذه الفجوة من خطر الضغط الهبوطي على الأسعار، مع تنافس المصنّعين على المشترين في سوق استهلاكية متباطئة، وهي تحديداً الديناميكية التي أشار إليها المكتب الوطني للإحصاء حين وصف اختلال العرض والطلب بأنه «حادّ».
سوق العمل مستقرة
كانت سوق العمل مستقرة عموماً. فقد بلغ معدل البطالة الحضرية المسحوب 5.1% في مايو، بتراجع 0.1 نقطة مئوية عن أبريل، بمتوسط 5.2% في يناير–مايو. ويوفّر استقرار معدل البطالة بعض الطمأنينة، رغم أنه يأتي على خلفية إنفاق أُسري حذر.
التأطير الرسمي
اتّخذ المكتب الوطني للإحصاء نبرة متوازنة، قائلاً إن الاقتصاد حافظ على «زخم مستقر»، مع إقرار صريح بالضغوط. وأشار إلى أن «اختلال التوازن المحلي بين العرض القوي والطلب الضعيف حادّ»، وأن بعض المنشآت تواجه ضغطاً تشغيلياً كبيراً، وأن أساس النمو المستقر لا يزال بحاجة إلى ترسيخ. ودعا المكتب إلى مزيد من الإجراءات لتعزيز الطلب المحلي — وهو اعتراف صريح غير معتاد بتحدّي الاستهلاك.
لماذا يهمّ ذلك الخليج
بوصف الصين مشترياً رئيسياً للخام الخليجي وشريكاً تجارياً واستثمارياً كبيراً للمنطقة، يحمل مسار طلبها أهمية مباشرة لاقتصادات الخليج. فضعف الاستهلاك الصيني يثقل على آفاق النمو العالمي والطلب على الطاقة التي تدعم إيرادات صادرات الخليج، ويعزّز النبرة الحذرة في أحدث توقعات وكالة الطاقة الدولية للنفط. وفي المقابل، فإن تعافياً مستداماً في إنفاق الأسر الصينية سيدعم الطلب على الطاقة والروابط التجارية الأوسع التي تربط الخليج بآسيا.
الآفاق
تُحدّ بيانات مايو السؤال السياساتي أمام بكين: كيف يُنعش الاستهلاك دون الاعتماد على القطاع العقاري أو موجة ائتمان متجددة. ومع استمرار توسّع الصناعة فيما تتراجع الأسر وينكمش الاستثمار، يقع عبء إعادة التوازن بشكل متزايد على دعم جانب الطلب. وسيكون مسار مبيعات التجزئة في الأشهر المقبلة الاختبار الأوضح لما إذا كانت إجراءات التحفيز قادرة على استعادة ثقة المستهلك.
المصادر: المكتب الوطني للإحصاء الصيني، فاينانشال تايمز، رويترز.

