عقارات دبي تدخل مرحلة أكثر انتقائية مع اختبار المخاطر الإقليمية للطلب
لم يعد سوق العقارات السكنية في دبي يتحرك بالزخم الواسع نفسه الذي ميّز الطفرة السابقة. وتشير أحدث البيانات إلى مرحلة أكثر انتقائية، تتراجع فيها أحجام التداولات بحدّة، لا سيما في مشاريع البيع على الخارطة، فيما تبقى الأصول المكتملة والمتميزة أكثر مرونة.
ووفقاً لـ«بلومبرغ» نقلاً عن بيانات «ريدِن» المستندة إلى سجلات دائرة الأراضي والأملاك في دبي، بلغت المبيعات السكنية في دبي 22.5 مليار درهم في مايو 2026، بتراجع 42% عن أبريل. ويعني ذلك أن مبيعات أبريل السكنية اقتربت من 38.8 مليار درهم، بما يتسق عموماً مع أرقام «ريدِن» لأبريل البالغة 38.5 مليار درهم. ومقارنةً بمبيعات فبراير البالغة 46.6 مليار درهم، كانت مبيعات مايو أقل بنحو 52%، ما يؤكد تباطؤاً كبيراً بعد نشاط استثنائي القوة في مطلع العام.
قطاع البيع على الخارطة يستوعب معظم التصحيح
التباطؤ أكثر وضوحاً في قطاع البيع على الخارطة. فقد تراجعت مبيعات المنازل قيد الإنشاء نحو 50% على أساس شهري إلى 15.8 مليار درهم في مايو. واستناداً إلى إجمالي المبيعات السكنية البالغ 22.5 مليار درهم، لا يزال البيع على الخارطة يستحوذ على نحو 70% من قيمة المبيعات السكنية في مايو، لكنه استوعب الجزء الأكبر من التصحيح. ويعود ذلك إلى أن عمليات الشراء على الخارطة تتطلب من المشترين ضخّ رؤوس أموال على مدى فترات تسليم تمتد سنوات، ما يجعل القطاع أكثر حساسية لعدم اليقين الجيوسياسي وتكاليف التمويل وتحوّلات معنويات المستثمرين.
المنازل المكتملة أكثر صلابة
أظهرت العقارات المكتملة استقراراً أكبر. وتُقدَّر مبيعات المنازل الجاهزة في مايو بنحو 6.7 مليار درهم، استناداً إلى الفرق بين إجمالي المبيعات السكنية ومبيعات البيع على الخارطة. وتشير بيانات «بلومبرغ» و«ريدِن» إلى أن قيم تداولات الوحدات الجاهزة تراجعت بأقل من 15% مقارنةً بأبريل، فيما بلغ متوسط الأسعار نحو 1,730 درهماً للقدم المربعة، دون تغيّر يُذكر عن أواخر 2025. ويوحي ذلك بسوق يفاوض فيه المشترون بحزم أكبر، لكن من دون ضغط واسع على ملاك الأصول المكتملة لقبول خصومات حادة.
تصحيح في الأسعار من دون انهيار
تعزّز مؤشرات الأسعار هذا التمييز. فقد أظهرت البيانات المستندة إلى «ريدِن» لشهر أبريل تراجع مؤشر أسعار مبيعات السوق السكنية في دبي 1.76% على أساس شهري، مع بقائه أعلى بنسبة 6.09% على أساس سنوي. وارتفعت أسعار الشقق 5.49% سنوياً والفلل 9.86%، رغم تراجعهما شهرياً. ويشير ذلك إلى تصحيح في كثافة التداولات وزخم التسعير قصير الأجل، لا إلى انهيار عام في القيم.
قاعدة انطلاق قوية
السياق الأوسع مهم. فقد دخلت دبي هذه المرحلة من قاعدة قوية جداً. إذ سجّلت دائرة الأراضي والأملاك 252 مليار درهم من إجمالي التداولات العقارية خلال الربع الأول من 2026، بارتفاع 31% سنوياً. لكن هذا الرقم يشمل إجمالي السوق العقارية، لا المبيعات السكنية وحدها. وتُظهر بيانات «ريدِن» و«سي بي آر إي» الخاصة بالسكني أكثر من 45 ألف تداول سكني في دبي بقيمة نحو 137 مليار درهم في الربع الأول. وضمن هذا الإجمالي السكني، سجّلت «ريدِن» 103.4 مليار درهم من مبيعات البيع على الخارطة، أي ما يعادل نحو ثلاثة أرباع قيمة السوق.
الطلب الإيجاري يوفّر دعامة
يوفّر الطلب الإيجاري أيضاً دعامة. فقد سجّلت دائرة الأراضي والأملاك 32.2 مليار درهم من عقود الإيجار في الربع الأول من 2026، بواقع 118,385 عقداً جديداً و135,607 عقود تجديد. ويوحي تراجع العقود الملغاة بنسبة 25% بأن قاعدة المستأجرين تبقى مستقرة نسبياً. وبالنسبة لملاك العقارات، يدعم الطلب الإيجاري المرن العوائد ويقلّل احتمال البيع الاضطراري، خصوصاً في المجتمعات الراسخة والأصول جيدة الموقع.
خلفية اقتصادية كلية أقل دعماً
غير أن الخلفية الاقتصادية الكلية أقل دعماً مما كانت عليه في مطلع العام. فقد توقّع تحديث البنك الدولي في يونيو 2026 نمواً عالمياً بنسبة 2.5% في 2026، نزولاً من 2.9% في 2025، مشيراً إلى نزاع الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة وتجدّد ضغوط التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض. وكان السيناريو المرجعي لصندوق النقد الدولي في أبريل 2026 قد توقّع نمواً عالمياً بنسبة 3.1% في ظل سيناريو نزاع محدود، ما يُظهر مدى حساسية الآفاق لنطاق الاضطراب الإقليمي ومدّته.
وبالنسبة لعقارات دبي، فإن قنوات الانتقال واضحة. فقد تؤدي فترة طويلة من عدم اليقين إلى تأجيل عمليات الشراء على الخارطة، وخفض الطلب المضاربي، وزيادة حذر المشترين من الخارج، ورفع تكاليف البناء والتمويل، وتحويل تركيز المستثمرين نحو الأصول المكتملة المدرّة للدخل. ولا يقوّض ذلك موقع دبي البنيوي، لكنه يغيّر نوعية الطلب. فالمشترون لا يزالون نشطين، لكنهم يصبحون أكثر انتقائية في الموقع وسمعة المطوّر وشروط الدفع ومخاطر التسليم والعائد الإيجاري.
سوق أكثر تمايزاً
سيكون سلوك المطوّرين حاسماً في المرحلة المقبلة. فالمطوّرون الكبار ذوو العلامات القوية والميزانيات المتينة أقدر على إبطاء الإطلاقات الجديدة دون خفض الأسعار. وقد يواجه المطوّرون الأصغر ضغطاً أكبر لتقديم خصومات أو حوافز دفع إذا زاد ضعف زخم المبيعات. ويخلق ذلك سوقاً أكثر تمايزاً يرجّح أن تتركّز فيه القوة التسعيرية لدى المشاريع ذات المواقع القوية والسجلات الموثوقة في التسليم والمعروض المماثل المحدود.
وتحتاج مخاطر المعروض أيضاً إلى مراقبة. فإذا وصلت سلسلة كبيرة من الوحدات الجديدة إلى السوق فيما تبقى معنويات المشترين حذرة، فقد يتباطأ نمو الأسعار أكثر، خصوصاً في تجمّعات الشقق ذات النشاط الكثيف في الإطلاقات. في المقابل، يرجّح أن تبقى الأصول النادرة، مثل الأراضي على الواجهات المائية والفلل المتميزة والمنازل المكتملة عالية الجودة، أكثر مرونة لأن المعروض البديل محدود وطلب المستخدم النهائي أقوى.
تخصيص انتقائي لا انهيار
القراءة الأدق إذاً ليست أن طفرة العقارات في دبي قد انتهت، بل أن السوق ينتقل من تسارع واسع إلى تخصيص انتقائي. ويعكس تراجع قيم مبيعات مايو هبوطاً حاداً في كثافة التداولات، لا سيما على الخارطة، وليس دورة تعثّر شاملة. ولا تزال السيولة القوية في الربع الأول والاستثمار الأجنبي المتنوّع والطلب الإيجاري المستقر والإطار التنظيمي الناضج عوامل داعمة للسوق.
الآفاق
تعتمد آفاق النصف الثاني من 2026 على ثلاثة مؤشرات. أولاً، ما إذا كانت مبيعات البيع على الخارطة ستتعافى بعد الصدمة الجيوسياسية الأولية. ثانياً، ما إذا كانت أسعار المنازل المكتملة ستبقى مستقرة نسبياً مع تفاوض المشترين بحزم أكبر. ثالثاً، ما إذا كان المطوّرون سيحافظون على انضباط المعروض دون اللجوء إلى خصومات واسعة. فإذا خفّت المخاطر الإقليمية وبقي الطلب الإيجاري متيناً، فقد تنتقل دبي إلى دورة أبطأ لكن أكثر استدامة. وإذا استمر عدم اليقين، يرجّح أن يبقى الضغط متركّزاً في مخزون البيع على الخارطة المضاربي ومواقع الشقق ذات المعروض الفائض، فيما تواصل الأصول المتميزة والمكتملة التفوّق.
المصادر: بلومبرغ، ريدِن، دائرة الأراضي والأملاك في دبي، سي بي آر إي، صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، ودليل العقارات العالمي.

