موازنة ألمانيا لعام 2027 تشير إلى تحول مالي مع تجاوز الاقتراض 203 مليارات يورو
أقرّت الحكومة الألمانية مشروع الموازنة الاتحادية لعام 2027 والخطة المالية حتى 2030، فيما يمثل واحداً من أوضح التحولات المالية في السياسة الاقتصادية الألمانية الحديثة. وتجمع الخطة بين استثمار عام أعلى، وإنفاق دفاعي أكبر بكثير، واقتراض كثيف، في وقت تسعى فيه أكبر اقتصادات أوروبا لاستعادة زخم النمو بعد سنوات من ضعف الاستثمار والصدمات الخارجية المتكررة. وقالت وزارة المالية إن موازنة 2027 تبقي الاستثمار الاتحادي عند مستوى قياسي لدعم النمو والوظائف وتحديث البنية التحتية والتماسك وحماية المناخ.
الرقم الرئيسي كبير: إذ يُخطط لإجمالي الإنفاق الاتحادي عند 555.4 مليار يورو في 2027، بارتفاع 5.9 بالمئة عن خطة 2026. ويعني ذلك قاعدة إنفاق لعام 2026 تبلغ نحو 524.5 مليار يورو، أي أن مشروع 2027 يضيف نحو 31 مليار يورو من الإنفاق السنوي. ويصل إجمالي الاقتراض إلى 203.6 مليار يورو، يتكون من 118.7 مليار يورو في الموازنة الأساسية، و 54.9 مليار يورو عبر صندوق البنية التحتية، و 30.0 مليار يورو عبر صندوق الدفاع الخاص.
وفق حسابات ذي إدج، تعادل حزمة الاقتراض المخططة 36.7 بالمئة من إجمالي الإنفاق الاتحادي. وتستحوذ الموازنة الأساسية على 58.3 بالمئة من إجمالي الاقتراض، وصندوق البنية التحتية على 27.0 بالمئة، وصندوق الدفاع الخاص على 14.7 بالمئة. ومقارنة بإطار أبريل، ارتفع إجمالي الاقتراض من 196.5 مليار يورو، بزيادة 7.1 مليار يورو أو 3.6 بالمئة، بينما ارتفع الإنفاق من 543.3 مليار يورو، بزيادة 12.1 مليار يورو أو 2.2 بالمئة.
والدفاع هو التحول الأكثر وضوحاً. إذ من المقرر أن يرتفع الإنفاق الدفاعي الأساسي إلى نحو 109.8 مليار يورو في 2027 من نحو 82 مليار يورو في 2026، بزيادة نحو 27.8 مليار يورو أو 33.9 بالمئة. وبإضافة 11.6 مليار يورو لدعم أوكرانيا وإنفاق أمني آخر مثل الحماية المدنية والاستخبارات وحماية تقنية المعلومات، يصل إجمالي الدفاع والأمن الأوسع إلى 130.1 مليار يورو. وتعادل تلك القيمة الأوسع نحو 23.4 بالمئة من إجمالي الإنفاق الاتحادي، بينما يعادل الدفاع الأساسي وحده نحو 19.8 بالمئة من الموازنة.
والاستثمار هو الركيزة الثانية. إذ يُخطط لإجمالي الاستثمار عند 117.5 مليار يورو في 2027، مقابل 78.9 مليار يورو في 2025. وذلك بزيادة 38.6 مليار يورو أو نحو 49 بالمئة خلال عامين. وسيمثل الاستثمار نحو 21.2 بالمئة من الموازنة الاتحادية لعام 2027، وهو مستوى يؤكد مسعى برلين لتحويل التوسع المالي إلى قدرة إنتاجية لا إلى إنفاق جارٍ فحسب.
ويحظى دفع الاستثمار بدعم صندوق البنية التحتية الألماني البالغ 500 مليار يورو وبقواعد اقتراض أكثر مرونة للدفاع. والمنطق السياسي واضح: ألمانيا تحاول إصلاح شبكات النقل، وتسريع الرقمنة، وتوسيع بنية الطاقة، وتعزيز المرونة الصناعية مع الوفاء بالتزامات أمنية جديدة. وبالنسبة لاقتصاد عانى من ضعف الإنتاجية وارتفاع تكاليف الطاقة وبطء تنفيذ الاستثمار العام، فإن السؤال الرئيسي ليس فقط كم تخصص برلين، بل كم بسرعة يتحول المال إلى مشاريع مكتملة.
وتكلفة هذا التحول المالي باتت ظاهرة بالفعل في فاتورة الفائدة. فقد ذكرت رويترز أن مدفوعات الفائدة يُتوقع أن ترتفع من 41.9 مليار يورو في 2027 إلى 80.7 مليار يورو بحلول 2030. وذلك بزيادة 38.8 مليار يورو أو نحو 92.6 بالمئة. وفي 2027 وحده، ستعادل تكاليف الفائدة نحو 7.5 بالمئة من إجمالي الإنفاق الاتحادي ونحو 35.3 بالمئة من صافي الاقتراض الأساسي. وبحلول 2030، ستستوعب خدمة الدين حصة أكبر بكثير من الحيز المالي، مما يرفع خطر مواجهة الاستثمار والأولويات الاجتماعية مفاضلات أضيق لاحقاً في العقد.
والنطاق متعدد السنوات أكبر بعد. إذ يُتوقع أن تقترض ألمانيا نحو 838.2 مليار يورو من 2027 إلى 2030، أي بمتوسط نحو 209.6 مليار يورو سنوياً. وتمثل خطة اقتراض 2027 وحدها نحو 24.3 بالمئة من إجمالي السنوات الأربع. وهذا يجعل مشروع الموازنة أقرب إلى إعادة ضبط هيكلي للسياسة المالية الألمانية منه إلى استجابة لعام واحد.
والخلفية الكلية تفسر الإلحاح. فافتراضات الموازنة تُوضع في ظل توقعات نمو ضعيفة، إذ تشير التوقعات الربيعية للحكومة الألمانية إلى نمو 0.5 بالمئة في 2026 و 0.9 بالمئة في 2027، وفقاً لرويترز. ويعني ذلك أن موجة الإنفاق تُنشر قبل ظهور تعافٍ قوي، لا بعده. وإذا كان تنفيذ الاستثمار سريعاً وفعالاً، فقد يرفع النمو الكامن. وإذا كان التنفيذ بطيئاً، فقد تبقى ألمانيا مع خدمة دين أعلى قبل جني الفائدة الكاملة للنمو.
ويتضمن المشروع أيضاً إجراءات ضبط مالي. وتقول وزارة المالية إن فجوة أصلية بقيمة 34 مليار يورو في موازنة 2027 تم إغلاقها بالكامل، بينما طبّقت الوزارات هدف توفير بنسبة 1 بالمئة. وتشمل الإجراءات المذكورة خفض دعم مختار، وتحويلات أقل في بعض المجالات، وضرائب أعلى مرتبطة بالكحول والتبغ، وتغييرات في ضريبة الأصول المشفرة، ووفورات إدارية أوسع.
لماذا يهم
ألمانيا هي اقتصاد المرساة المالية في منطقة اليورو. والتحول من ضبط الإنفاق نحو إنفاق دفاعي وبنية تحتية ممول بالدين يمكن أن يؤثر في إصدار السندات الأوروبية، وعوائد السندات الألمانية، ومعنويات اليورو، وتوزيع رأس المال عبر المنطقة. وبالنسبة لمستثمري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والبنوك والمحافظ السيادية، تهم الموازنة لأن إصداراً ألمانياً أثقل يمكن أن يؤثر في تسعير الدخل الثابت الأوروبي، بينما يمكن أن يدعم الطلب الأقوى على البنية التحتية والدفاع سلاسل توريد صناعية وهندسية وطاقية وتقنية مختارة.
التوقعات
تنتقل الموازنة الآن إلى العملية البرلمانية، مع مناقشات متوقعة في سبتمبر وموافقة نهائية مستهدفة بحلول نهاية العام. وأبرز المؤشرات التي يجب مراقبتها هي رقم الاقتراض النهائي، ووتيرة صرف البنية التحتية، وتنفيذ مشتريات الدفاع، وفاتورة الفائدة في ألمانيا، ورد فعل سوق السندات الألمانية، وما إذا كان دفع الاستثمار كبيراً بما يكفي لرفع النمو فوق المسار الحالي دون 1 بالمئة.
المصادر: الوزارة الاتحادية للمالية، رويترز، فاينانشال تايمز.

