فاتورة فوائد الدين في مصر ترتفع إلى 2.02 تريليون جنيه خلال عشرة أشهر رغم تراجع العجز الكلي
واصلت فاتورة فوائد الدين في مصر ارتفاعها خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2025/2026، ما يعكس التكلفة المرتفعة لخدمة الدين العام رغم التحسّن الواضح في العجز الكلي للموازنة.
ووفقاً لبيانات وزارة المالية المصرية للفترة من يوليو 2025 إلى أبريل 2026، ارتفعت مدفوعات الفوائد بنحو 22% على أساس سنوي إلى ما يقارب 2.020 تريليون جنيه مصري، مقابل نحو 1.657 تريليون جنيه خلال الفترة المماثلة من السنة المالية السابقة. ويعني ذلك أن فاتورة الفوائد في مصر زادت بنحو 363 مليار جنيه خلال عشرة أشهر.
ويُبرز حجم هذه الزيادة الضغط الذي تُولّده أسعار الفائدة المرتفعة واحتياجات إعادة التمويل على الموازنة العامة. وفي المتوسط، دفعت الحكومة نحو 202 مليار جنيه شهرياً كفوائد خلال الفترة، أي ما يعادل نحو 6.6 مليار جنيه يومياً تقريباً، بافتراض توزع الفاتورة الإجمالية على الفترة من يوليو إلى أبريل.
واستحوذت مدفوعات الفوائد على نحو 54% من إجمالي الإنفاق الحكومي البالغ نحو 3.733 تريليون جنيه خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية. ويعني ذلك أن أكثر من نصف الإنفاق الحكومي وُجّه إلى خدمة الدين، فيما شكّل الإنفاق غير المتعلق بالفوائد النسبة المتبقية البالغة 46%، أي نحو 1.713 تريليون جنيه.
كما مثّل عبء الفوائد نحو 75.9% من إجمالي الإيرادات البالغة نحو 2.663 تريليون جنيه. ومن الناحية العملية، فإن ما يقارب ثلاثة أرباع كل جنيه تجمعه الدولة خلال الفترة جرى استيعابه عبر خدمة الدين.
الإيرادات تتحسن بوتيرة أسرع من الإنفاق
على الرغم من الارتفاع الحاد في مدفوعات الفوائد، أظهر الأداء المالي لمصر تحسناً على جانب الإيرادات. إذ ارتفع إجمالي الإيرادات إلى نحو 2.663 تريليون جنيه خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2025/2026، بزيادة قدرها نحو 686.7 مليار جنيه مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، بما يعني نمواً للإيرادات قارب 35%.
وارتفع إجمالي المصروفات بوتيرة أبطأ بنسبة نحو 21% إلى 3.733 تريليون جنيه، مقابل نحو 3.080 تريليون جنيه خلال الفترة المقابلة من السنة المالية السابقة. وبالقيم المطلقة، زاد الإنفاق بنحو 653 مليار جنيه.
وهذا يعني أن نمو الإيرادات تجاوز نمو الإنفاق، ما ساعد على تقليص العجز الكلي رغم ارتفاع مدفوعات الفوائد. ويعكس هذا التحسّن أداءً أقوى للإيرادات وجهوداً مستمرة لإدارة نمو الإنفاق، إلا أن الفائدة المالية تظل مقيّدة بوزن خدمة الدين.
تراجع العجز الكلي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
تراجع العجز الكلي إلى نحو 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2025/2026، مقارنة بـ 6.2% خلال الفترة المماثلة من السنة المالية السابقة. ومن حيث القيمة، انخفض العجز إلى نحو 1.124 تريليون جنيه، مقابل نحو 1.22 تريليون جنيه قبل عام.
ويمثل ذلك تحسناً بنحو 96 مليار جنيه، أو ما يعادل نحو 7.9%، على الرغم من ارتفاع فاتورة الفوائد. واستناداً إلى قيمة العجز المُعلنة ونسبته إلى الناتج المحلي، يُقدّر الناتج المحلي الإجمالي الاسمي الضمني للفترة بنحو 21.2 تريليون جنيه.
ويُظهر تراجع العجز أن مسار الانضباط المالي يسير قدماً. غير أن هذا التحسّن يحدث في ظل عبء ضخم لخدمة الدين، يبقى القيد الأبرز على مرونة الموازنة.
الرصيد الأولي يكشف الانقسام المالي الجوهري
تظهر أوضح إشارات التحسّن في الرصيد الأولي، الذي يستثني مدفوعات الفوائد. وباستخدام العجز الكلي المُعلن البالغ نحو 1.124 تريليون جنيه ومدفوعات الفوائد البالغة 2.020 تريليون جنيه، سجّلت مصر فائضاً أولياً ضمنياً يقارب 896 مليار جنيه خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية.
وهذا هو الانقسام المالي المركزي؛ فقبل احتساب الفوائد، كان وضع الموازنة إيجابياً بقوة. غير أن فاتورة الفوائد البالغة 2.020 تريليون جنيه ابتلعت ذلك الفائض ودفعت الرصيد الكلي مجدداً إلى منطقة العجز.
ويكتسب هذا التمييز أهميته من كونه يُبيّن أن الوضع المالي الأولي لمصر آخذ في التحسّن، فيما تظل تكلفة خدمة الدين المتراكم مصدر الضغط الرئيسي. فالحكومة تُحصّل إيرادات أكبر مما تُنفقه على البنود غير المتعلقة بالفوائد، إلا أن خدمة الدين تستمر في استيعاب المكاسب.
مدفوعات الفوائد تتجاوز الإنفاق غير المتعلق بالفوائد
كما يُظهر هيكل الإنفاق عمق الضغط؛ إذ تجاوزت مدفوعات الفوائد البالغة 2.020 تريليون جنيه الإنفاق غير المتعلق بالفوائد البالغ نحو 1.713 تريليون جنيه بنحو 307 مليارات جنيه.
ويعني ذلك أن الحكومة أنفقت على خدمة الدين أكثر مما أنفقت على جميع بنود الموازنة الأخرى مجتمعةً باستثناء الفوائد، بما يشمل الأجور والدعم والاستثمار العام ومشتريات السلع والخدمات والإنفاق الاجتماعي.
وهذا انعكاس مالي بالغ الأهمية؛ إذ إن كل جنيه إضافي يُوجّه إلى مدفوعات الفوائد يُقلّص المساحة المتاحة للاستثمار العام والبنية التحتية والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية المُستهدفة. ولهذا فإن عبء خدمة الدين ليس مسألة تمويلية فحسب، بل قيد فعلي على الإنفاق التنموي.
أثر السياسة النقدية المتأخر يُبقي الضغوط مرتفعة
يعكس ارتفاع مدفوعات الفوائد أثر أسعار الفائدة المحلية المرتفعة، واحتياجات إعادة التمويل الضخمة، وبنية رصيد الدين المصري. وحتى مع استمرار اعتدال التضخم وبدء انخفاض أسعار الفائدة، قد يستغرق ظهور الفائدة المالية بعض الوقت.
ويعود ذلك إلى ضرورة استمرار الحكومة في تجديد الدين المُستحق، خاصة الأدوات قصيرة الأجل، وفق العوائد السوقية السائدة. ونتيجة لذلك، يمكن أن تظل فاتورة الفوائد مرتفعة لعدة أرباع حتى بعد أن تبدأ الأوضاع النقدية في التخفيف.
ومن شأن انخفاض أسعار الفائدة أن يُساعد على تقليل تكلفة الاقتراض الجديد بمرور الوقت، إلا أن الانتقال ليس فورياً. وستعتمد سرعة هذا الانفراج على هيكل آجال الدين العام، ووتيرة إعادة التمويل، وطلب المستثمرين، ومدى انعكاس انخفاض الأسعار في عطاءات الأوراق المالية الحكومية.
الخلاصة
تُظهر أحدث الأرقام صورة مالية متباينة؛ فمن جهة، تنمو إيرادات مصر بقوة، وتراجع العجز الكلي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ويظل الرصيد الأولي إيجابياً، وهي مؤشرات مهمة على المرونة المالية.
ومن جهة أخرى، بلغت فاتورة الفوائد 2.020 تريليون جنيه خلال عشرة أشهر فقط، مستحوذةً على أكثر من نصف الإنفاق الإجمالي ونحو ثلاثة أرباع الإيرادات، وهو ما يظل التحدّي الرئيسي للمستقبل المالي لمصر.
ويعتمد المسار المستقبلي على استدامة نمو الإيرادات، وضبط الإنفاق غير المتعلق بالفوائد، وتمديد آجال الدين، وخفض تكاليف الاقتراض تدريجياً. وقد تدعم الفوائض الأولية القوية الانضباط المالي، إلا أن التحسّن المستدام سيتطلب تخفيف عبء خدمة الدين مع الوقت.
والخلاصة الرئيسية هي أن الوضع المالي لمصر يتحسّن قبل احتساب الفوائد، إلا أن تكلفة الدين تظل نقطة الضغط الأبرز. فالبلاد تُحقّق تقدماً على صعيد الإيرادات وتقليص العجز، غير أن ارتفاع مدفوعات الفوائد لا يزال يُقيّد المساحة المالية ويُؤخر تجلّي الفوائد الكاملة للانضباط المالي.
ملاحظة المصدر: تحليل يستند إلى التقارير المالية الشهرية لوزارة المالية المصرية للسنة المالية 2025/2026، بما في ذلك نتائج الفترة من يوليو إلى أبريل، وحسابات مُتحقّق منها استناداً إلى الأرقام المُعلنة للإيرادات والمصروفات ومدفوعات الفوائد ومؤشرات العجز واتجاهات الرصيد المالي.

