الذهب يتعافى من أدنى مستوياته في ستة أشهر مع استقرار الفضة وارتفاع أسعار النفط على وقع مخاوف الإمداد في الخليج
استقرت أسعار الذهب يوم الخميس 11 يونيو 2026، بعد تراجعها إلى أضعف مستوياتها منذ أشهر، إذ غطّى المستثمرون مراكز بيعية قصيرة قرب منطقة الدعم عند 4,000 دولار للأونصة، وفي انتظار بيانات تضخم المنتجين الأمريكية لمزيد من الإشارات حول مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. وقد وضعت بيانات السوق سعر الذهب في النطاق المنخفض من 4,000 دولار للأونصة، عقب تراجع حاد عكس مخاوف تضخمية أقوى، ودولاراً أكثر صلابة، وتوقعات بأن تظل أسعار الفائدة الأمريكية متشددة لفترة أطول.
وجاء التحرك في أعقاب أحدث إصدار لتضخم المستهلكين الأمريكي، الذي عزّز تركيز السوق على آفاق التضخم وأسعار الفائدة. فقد أفاد مكتب إحصاءات العمل الأمريكي بأن مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع 0.5% في مايو و4.2% خلال الاثني عشر شهراً السابقة. وارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي، باستثناء الغذاء والطاقة، 0.2% شهرياً و2.9% على أساس سنوي. وكانت الطاقة المُحرّك الرئيسي لزيادة المؤشر العام، إذ استحوذت على أكثر من ستين بالمئة من الزيادة الشهرية.
وبالنسبة للذهب، يُولّد ذلك تيارات متعاكسة. فارتفاع التضخم يمكن أن يدعم دور السبائك مخزناً للقيمة، خصوصاً خلال فترات عدم اليقين الجيوسياسي وتقلبات أسواق الطاقة. غير أنه عندما يُعزّز التضخم توقعات تشديد السياسة النقدية، يرفع ارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، الذي لا يُدرّ دخلاً.
وقد تحوّل التركيز الفوري للسوق إلى إصدار مؤشر أسعار المنتجين لشهر مايو، المقرر يوم 11 يونيو في الساعة 8:30 صباحاً بالتوقيت الشرقي الأمريكي. ومن شأن قراءة أكثر اعتدالاً أن تُخفّف بعض الضغط على الذهب من خلال تقليص المخاوف من امتداد التضخم إلى ما هو أبعد من الطاقة. أما القراءة الأقوى فستُعزّز توقعات بقاء السياسة النقدية متشددة، ما يحدّ من أي تعافٍ قريب للسبائك.
الذهب يحوم قرب منطقة الدعم عند 4,000 دولار
أصبحت منطقة 4,000 دولار للأونصة منطقة الدعم النفسية والفنية الرئيسية للذهب. ويُشير التعافي الأخير إلى تغطية جزئية للمراكز البيعية القصيرة مع اقتراب الأسعار من ذلك المستوى. غير أن التحرك يظل مبدئياً ولا يُمثّل انعكاساً مؤكداً للاتجاه. فالسوق يستقر بعد تصحيح حاد، لكنه لم يُظهر بعد عودة حاسمة لزخم تصاعدي.
ويبقى الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية المحركين الأهم في الأمد القصير. فقوة الدولار تجعل الذهب أكثر تكلفة لحامليه بعملات أخرى، فيما يُقلّص ارتفاع العوائد الجاذبية النسبية للسبائك. وما لم تنحسر هذه الضغوط، فقد تظل عمليات الصعود عرضة لموجات بيع متجددة.
الفضة تستقر بعد خسائر حادة
أظهرت الفضة أيضاً علامات استقرار بعد خسائر كبيرة في الجلسات الأخيرة. ووضعت بيانات السوق سعر الفضة قرب نطاق 63 إلى 64 دولاراً للأونصة في 11 يونيو، عقب تراجع حاد في الجلسة السابقة. وعلى غرار الذهب، تظل الفضة تحت الضغط من توقعات السياسة النقدية الأمريكية المتشددة، التي تثقل كاهل المعادن غير المدرة للعائد.
ويُقدّم الطابع الصناعي للفضة دعماً جزئياً، لكنه لا يحميها بالكامل من الخلفية الاقتصادية الكلية. فالطلب المرتبط بمراكز البيانات والتقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وقطاع السيارات يظل داعماً، فيما يبقى الطلب على الخلايا الكهروضوئية أكثر تبايناً بسبب التقشف في الاستخدام والاستبدال. ويترك ذلك الفضة عرضة لقوتين في آن واحد: ضغط نقدي من ارتفاع توقعات الفائدة، وطلب صناعي متوسط الأمد من الكهرباء والبنية التحتية الرقمية.
برنت وغرب تكساس الوسيط يرتفعان مع استمرار مخاطر الإمداد في الخليج
ارتفعت أسعار النفط في 11 يونيو مع استمرار مخاطر الشحن في الخليج في دعم مجمّع الطاقة. فقد تداول خام برنت في النطاق المتوسط من 94 دولاراً للبرميل، فيما تداول خام غرب تكساس الوسيط قرب النطاق المنخفض من 92 دولاراً للبرميل، ليُعكس ذلك جزءاً من الضعف السابق الذي دفع الخامين إلى أدنى مستوياتهما في سبعة أسابيع.
وأهمية تحرك النفط بالنسبة للذهب تأتي من كون أسعار الطاقة تنتقل مباشرةً إلى توقعات التضخم. فارتفاع أسعار الخام يمكن أن يُبقي التضخم العام مرتفعاً، ما يزيد من احتمال أن يُحافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي على سياسته المتشددة. ويُولّد ذلك إشارة سوقية مركّبة: قد تدعم المخاطر الجيوسياسية ومخاطر الإمداد جاذبية الذهب الدفاعية، لكن المخاطر نفسها قد ترفع أسعار الطاقة، وتُعزّز التضخم، وتُبقي العوائد مرتفعة، ما قد يحدّ من إمكانات صعود الذهب.
الطلب من القطاع الرسمي يُقدّم دعماً هيكلياً
رغم الضغط في الأمد القريب من توقعات أسعار الفائدة، يستمر الذهب في تلقّي دعم متوسط الأمد من الطلب من القطاع الرسمي. فبيانات المجلس العالمي للذهب تُظهر أن البنوك المركزية استأنفت صافي مشتريات الذهب في أبريل، إذ اشترت 17 طناً بعد صافي مبيعات في مارس. ولا يُلغي ذلك أثر ارتفاع العوائد، لكنه يُعزّز دور الذهب الأوسع كأصل احتياطي خلال فترات عدم اليقين السياسي وتقلبات التضخم والمخاطر الجيوسياسية.
ويُكتسي هذا التمييز أهميته. فالمتداولون في الأمد القصير يتركّزون على إصدارات التضخم، ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، وعوائد سندات الخزانة الأمريكية، والدولار. أما البنوك المركزية فتُركّز على تنويع الاحتياطيات وإدارة المخاطر على المدى الطويل. ويُمكن لهذا المزيج أن يُنتج تصحيحات حادة في الأمد القصير حتى مع بقاء الأساس متوسط الأمد متماسكاً.
آفاق السياسة النقدية تظل المحرك الرئيسي
من المقرر عقد اجتماع السياسة النقدية المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي يومَي 16 و17 يونيو. وتُركّز الأسواق على الرسالة السياسية المرفقة أكثر من التركيز على القرار الفوري. وأي إشارة إلى احتمال بقاء أسعار الفائدة أعلى لفترة أطول من شأنها أن تُبقي الضغط على الذهب والفضة، فيما من شأن أدلة على تراجع التضخم أن تساعد المعادن الثمينة على إعادة بناء الدعم.
وعليه، يعكس تحرك الأسعار الأخير سوقاً عالقاً بين قوى متنافسة. فالتضخم والمخاطر الجيوسياسية يواصلان دعم جاذبية الذهب الدفاعية، لكن توقعات أسعار الفائدة الأعلى وارتفاع العوائد وقوة الدولار تحدّ من زخم الصعود. وتبقى الفضة مرتبطة بالضغط النقدي ذاته، فيما يُغذّي خاما برنت وغرب تكساس الوسيط سردية التضخم عبر قناة الطاقة.
الخلاصة والآفاق المقبلة
سيعتمد اتجاه الذهب في الأمد القريب على ثلاثة متغيرات: إصدار مؤشر أسعار المنتجين لشهر مايو، ونبرة اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي يومَي 16 و17 يونيو، ومدى استمرار صمود منطقة الدعم عند 4,000 دولار للأونصة. ومن شأن قراءة أسعار منتجين أكثر اعتدالاً وعوائد مستقرة أن تُمدّد التعافي من المستويات الأخيرة. أما قراءة تضخم أسخن أو دولار أقوى أو ارتفاع متجدد للعوائد فقد تدفع الذهب نحو منطقة الدعم عند 4,000 دولار مرة أخرى.
ومن المرجّح أن تظل الفضة شديدة الحساسية لآفاق الفائدة ذاتها، فيما سيظل خاما برنت وغرب تكساس الوسيط مدخلَين مهمّين للتضخم طالما استمرت مخاطر الإمداد في الخليج. وفي الوقت الراهن، يستقر الذهب أكثر مما يعكس مساره بالكامل. ويظل المعدن مدعوماً بالطلب من القطاع الرسمي والمخاطر الجيوسياسية، إلا أن المحرك الفوري هو آفاق أسعار الفائدة الأمريكية. وتُحافظ Edge على موقف محايد قائم على البيانات بانتظار إصدار التضخم المقبل وقرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
المصادر: مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، مجلس الاحتياطي الفيدرالي، المجلس العالمي للذهب، جمعية سوق سبائك الذهب في لندن (LBMA) وإدارة معايير ICE، مجموعة CME، بيانات السوق من ICE، والتقارير السوقية الموثّقة حتى 11 يونيو 2026.
