القطاع الخاص غير النفطي في مصر يواصل الانكماش في يونيو مع هبوط مؤشر المشتريات إلى 46.0 لكن ضغوط الكلفة تخفّ
ضعف القطاع الخاص غير النفطي في مصر مجدداً في يونيو، مع هبوط مؤشر مديري المشتريات الرئيسي الصادر عن ستاندرد آند بورز غلوبال إلى 46.0 من 47.1 في مايو، وهو أدنى مستوى منذ يناير 2023 والشهر السادس على التوالي دون علامة 50.0 التي تفصل النمو عن الانكماش. وأشار المسح إلى تراجع واسع في الطلب والإنتاج، وإن حمل أيضاً نقطة مضيئة واضحة: ضغوط الكلفة التي أرهقت الشركات طوال الربيع خفّت بوضوح.
قراءة المؤشر دون 50 تشير إلى انكماش، و46.0 في يونيو هو الأضعف في نحو ثلاث سنوات ونصف. وتمدّد القراءة سلسلة متواصلة من الأشهر دون 50 بدأت في يناير، وقد تعمّقت بدل أن تستقر، بهبوط 1.1 نقطة عن مايو. واتسع بُعد المؤشر عن علامة 50.0 المحايدة من 2.9 نقطة في مايو إلى 4.0 نقاط في يونيو، وفق حسابنا، انكماشٌ أعمق لا تسوية. وكانت الطلبات الجديدة العبء الأكبر، متراجعةً بأسرع وتيرة منذ نوفمبر 2022 مع إبلاغ الشركات عن طلب محلي أضعف، إذ أشار نحو 27 بالمئة من الشركات المستطلَعة إلى مبيعات أضعف مقابل نحو 11 بالمئة فقط أبلغوا عن طلبات أقوى. وتراجع الإنتاج للشهر الخامس على التوالي، وواصلت الشركات تقليص العمالة، وإن كان معظمه عبر التناقص الطبيعي لا التسريح النشط، وبوتيرة أبطأ قليلاً من مايو.
القيمة في التفاصيل هي ما تقوله عن المسار. فبمتوسط الأشهر الستة دون 50 في 2026، جرى المؤشر الرئيسي عند نحو 47.7، وفق حسابنا، انكماش ضحل لكن مستمر لا انهيار حاد، و46.0 في يونيو يقع دون ذلك المتوسط، ما يُظهر زخماً لا يزال يميل للهبوط. وعلى أساس سنوي، المؤشر أضعف بنحو 2.8 نقطة من 48.8 المسجّلة في يونيو 2025، مؤكداً أن الاقتصاد غير النفطي خسر أرضاً خلال الأشهر الاثني عشر الماضية. وترجم نموذج ستاندرد آند بورز غلوبال مسح يونيو إلى تباطؤ نمو الناتج المحلي السنوي نحو 3.8 بالمئة بنهاية الربع الثاني، نزولاً من وتيرة أقرب إلى 5 بالمئة قبل عام.
الإشارة الأوضح إيجابيةً كانت في الأسعار. فقد خفّ تضخم كلفة المدخلات بشكل ملحوظ عن مستويات مايو القريبة من القياسية، ومرّرت الشركات زيادات أصغر، مع تبريد تضخم أسعار المخرجات بالتوازي. وهذا مهم لأن كلفة المدخلات العنيدة كانت من أكثر سمات المسح استمراراً طوال الربيع. والمكوّن السعري الوحيد الذي بقي ساخناً هو الأجور، التي ارتفعت قرب أسرع وتيرة منذ مطلع 2018، تذكيراً بأن كلفة العمالة تبقى مصدر ضغط حتى مع تراجع كلفة المستوردات والمواد.
يتماشى تخفّف مقاييس الكلفة في المسح مع مسار خفض التضخم الأوسع في مصر. فقد بلغ التضخم الحضري الرئيسي 14.6 بالمئة في مايو، وفق جهاز الإحصاء الرسمي كابماس، نزولاً من 14.9 بالمئة في أبريل وبعيداً عن ذروة مارس، مع تلاشي آثار أسعار الوقود السابقة. وأبقى البنك المركزي المصري سعري الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند 19.00 و20.00 بالمئة منذ اجتماع مايو، بعد سلسلة كبيرة من الخفض خلال العام السابق، وأشار إلى الحذر بينما ينتظر انقشاع تقلبات الوقود وسعر الصرف. وعند 19.00 بالمئة، يقع سعر الإيداع لليلة واحدة نحو 4.4 نقطة مئوية فوق تضخم مايو الرئيسي البالغ 14.6 بالمئة، وفق حسابنا، فتبقى أسعار الفائدة الحقيقية موجبة بقوة والسياسة تقييدية حتى بعد التيسير السابق. وتصدر قراءة تضخم يونيو في 9 يوليو وستُظهر ما إذا كان تبريد الكلفة على مستوى الشركات ينتقل إلى أسعار المستهلكين.
وربط ديفيد أوين، الاقتصادي في ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس، الضعف بالظروف الإقليمية، مشيراً إلى أن المسح أظهر أشد تراجع في الأعمال الجديدة في أكثر من ثلاث سنوات ونصف وأن المؤشر عند 46.0 يمنح ثقة أكبر بتوقعات نمو أضعف للناتج في الربع الثاني. كما وصف اعتدال الأسعار بأنه إغاثة حقيقية للشركات، مضيفاً أن مزيداً من التخفّف ممكن إذا تراجعت أسعار الطاقة العالمية وهدأت التوترات الإقليمية، ما يدعم التحسّن في توقعات الإنتاج المقبل الذي أبلغت عنه الشركات في الأشهر الأخيرة.
لماذا يهم: شهر سادس من الانكماش يُظهر أن الاقتصاد غير النفطي في مصر لا يزال يمتص عبء الطلب الأضعف والاضطراب الإقليمي، وتدهور الطلبات الجديدة يشير إلى نشاط هادئ حتى الربع الثالث. لكن التخفّف الحاد في أسعار المدخلات والمخرجات هو الإشارة الأكثر تطلعاً: فهو يعزّز اتجاه خفض التضخم الذي دفع التضخم الرئيسي إلى منتصف العشرات ويمنح البنك المركزي مجالاً أكبر للتفكير في التيسير لاحقاً هذا العام، ما يدعم بدوره الائتمان والاستثمار. وبالنسبة لمصر، التقرير تذكير بأن صورة النمو القريبة ضعيفة فيما صورة التضخم تتحسّن، توليفة ستشكّل توقيت المرحلة التالية من التيسير النقدي.
الآفاق: المؤشرات الفورية هي إصدار تضخم يونيو في 9 يوليو وقرار الفائدة المقبل للبنك المركزي، حيث يقوّي استمرار هبوط التضخم مبرّر استئناف الخفض. وبالنسبة للقطاع الخاص، الأسئلة الأساسية هي ما إذا كانت الطلبات الجديدة ستستقر مع تلاشي ضغوط الأسعار وما إذا كان تخفّف التوترات الإقليمية وكلفة الطاقة سيتيح لتوقعات الشركات المحسّنة أن تتحول إلى تعافٍ في الإنتاج.
المصادر: ستاندرد آند بورز غلوبال؛ البنك المركزي المصري؛ كابماس.

