تضخم منظمة التعاون يرتفع إلى 4.6 بالمئة في مايو مع صعود كلفة الطاقة وتقرير وظائف جديد يحذّر من اتساع الفوارق الإقليمية
ارتفع تضخم أسعار المستهلكين في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى 4.6 بالمئة في العام حتى مايو، صعوداً من 4.4 بالمئة في أبريل، مع تعويض صعود متجدد في كلفة الطاقة تراجعَ أسعار الغذاء، وفق ما أفادت المنظمة. وجاء الارتفاع فيما أطلقت المنظمة تقرير التوظيف السنوي، الذي حذّر من أن أسواق العمل داخل الدول تتباعد، مع توزّع مكاسب وخسائر التجارة والتكنولوجيا، بما فيها الذكاء الاصطناعي، بشكل غير متساوٍ عبر المناطق.
كانت الطاقة محرّك تحرّك التضخم. فقد ارتفعت أسعار الطاقة في المنظمة 15.8 بالمئة سنوياً في مايو، تسارعاً حاداً من 13.2 بالمئة في أبريل، واستحوذت على معظم ارتفاع المعدّل الرئيسي. في المقابل، خفّ تضخم الغذاء إلى 3.6 بالمئة وتراجع في غالبية كبيرة من الدول الأعضاء، فيما ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، إلى 3.8 بالمئة من 3.6 بالمئة. واللافت أن الرئيسي والأساسي ارتفعا معاً، كلٌّ 0.2 نقطة مئوية، فبقيت الفجوة بين الرئيسي 4.6 بالمئة والأساسي 3.8 بالمئة ثابتة عند نحو 0.8 نقطة مئوية، وفق حسابنا. وهذا الثبات هو النقطة الأساسية: الطاقة تُبقي التضخم الرئيسي فوق التضخم الأساسي، لا أن تسارعاً واسعاً في الأسعار الأساسية يترسّخ. وجرى تضخم الطاقة نحو 12.2 نقطة مئوية فوق تضخم الغذاء، وفق حسابنا، وتسارع 2.6 نقطة في شهر واحد.
وتباينت الصورة كثيراً بين الدول. فسجّلت تركيا مجدداً أعلى معدل رئيسي بين الأعضاء، فوق 30 بالمئة، فيما كان لدى اليابان الأدنى في مجموعة السبع عند 1.5 بالمئة، مكبوحاً بدعم الوقود والمرافق. وجرى تضخم الطاقة فوق 20 بالمئة في كندا وليتوانيا والولايات المتحدة، وارتفع التضخم الرئيسي في كندا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، فيما تراجع معدل ألمانيا بعد إجراء لدعم الطاقة. وارتفع التضخم في مجموعة السبع إلى 3.5 بالمئة من 3.1 بالمئة، وفي مجموعة العشرين الأوسع إلى 4.5 بالمئة من 4.3 بالمئة، وبقي التضخم المنسّق في منطقة اليورو مستقراً بوجه عام عند 3.2 بالمئة.
وفي اليوم نفسه، نشرت المنظمة تقرير التوظيف 2026، ورسالته المركزية أن المتوسطات الوطنية تُخفي على نحو متزايد فوارق كبيرة ومستمرة داخل الدول. ويوثّق التقرير اختلافات واسعة في التوظيف والبطالة والدخل المتاح عبر مناطق البلد الواحد، ويقول إن المكان الذي يعيش فيه الناس يشكّل بشكل متزايد فرصهم في إيجاد عمل جيد والصعود في سلّم الدخل. ويربط تلك الفوارق بصدمات التجارة والتكنولوجيا، بما فيها الذكاء الاصطناعي، التي تعيد تشكيل أسواق العمل المحلية بشكل غير متساوٍ، مع خسارة بعض المناطق وظائف تصنيع فيما تضيف أخرى وظائف خدمية وغير روتينية. وتحذّر المنظمة من أن التكيّف يحدث غالباً عبر فترات من البطالة تترك ندوباً دائمة للعمّال المسرّحين، وتدعو إلى سياسات متكاملة قائمة على المكان بدل تدابير وطنية موحّدة.
وبشأن الذكاء الاصطناعي تحديداً، تبقى خلاصة المنظمة متزنة لا مثيرة للقلق: فهي تفيد بعدم وجود مؤشرات على إزاحة واسعة للوظائف من تبنّي الشركات للذكاء الاصطناعي على مستوى القطاع حتى الآن، مع الإشارة إلى أن الشواغر الوظيفية في القطاعات الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي ارتفعت أسرع من غيرها. وللسياق، بلغ معدل البطالة في منطقة المنظمة 5.0 بالمئة مطلع 2026، قريباً من الأدنى القياسي المسجّل في 2023، ما يؤطّر حجة الفوارق الإقليمية: فحتى مع بطالة إجمالية قرب أدنى مستوياتها التاريخية، بات توزّع الفرص عبر المناطق أكثر تفاوتاً.
وبالنسبة للخليج والمنطقة الأوسع، يحمل الإصداران دلالات. فإعادة تسارع تضخم الطاقة في المنظمة ذات صلة بمصدّري الهيدروكربونات في الخليج، إذ تعكس كلفة الطاقة الأمتن في الاقتصادات المتقدمة الظروف السوقية نفسها التي تشكّل الطلب والتسعير لأهم صادرات المنطقة، حتى مع إضافتها إلى التضخم المستورد للاقتصادات المستوردة للطاقة مثل مصر والأردن. وتتحدث نتائج سوق العمل إلى أجندة هيكلية يتشاركها الخليج: فمع دفع دول الخليج للتنويع الاقتصادي واستثمارها الكثيف في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أدلة المنظمة على التكيّف الإقليمي غير المتساوي تذكير بأن منافع الأتمتة والتجارة تميل للتركّز، وأن سياسات فاعلة في المهارات والحراك والمكان لازمة لنشرها.
لماذا يهم: تُظهر بيانات التضخم أن المرحلة الأخيرة من خفض التضخم في الاقتصادات المتقدمة تتعقّد بفعل الطاقة، ما يُبقي المصارف المركزية حذرة من خفض الفائدة بسرعة، موقف يتسرّب إلى الدولار والعوائد العالمية وسيولة الخليج عبر ربط العملات. ويعيد تقرير الوظائف تأطير نقاش العمل بعيداً عن البطالة الرئيسية، التي تبقى منخفضة، نحو سؤال من يستفيد من التجارة والتكنولوجيا، أجندة ذات صلة مباشرة باقتصادات الخليج التي تبني قدرات الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة ضمن التنويع.
الآفاق: الإشارات القريبة هي ما إذا كانت الطاقة ستواصل دفع التضخم الرئيسي صعوداً فيما يواصل الأساسي التخفّف، ما يطمئن صنّاع السياسة إلى أن الضغط الكامن محتوى، وقراءات التضخم الأولية من الاقتصادات الكبرى في الأسابيع المقبلة. وعلى جانب العمل، من المرجح أن يغذّي تأطير المنظمة القائم على المكان نقاشات السياسة حول المهارات والاستثمار الإقليمي عبر الاقتصادات المتقدمة والمنوّعة على حد سواء.
المصادر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

