الصراع الإقليمي يضع شريان تحويلات الخليج البالغ 124 مليار دولار تحت الضغط
يضغط الصراع الإقليمي على واحدة من أهم القنوات المالية في الخليج وإن كانت كثيراً ما تُغفل: الأموال التي يرسلها العمال الأجانب إلى أوطانهم. فقد ذكرت بلومبرغ أن العمال المهاجرين في دول مجلس التعاون الخليجي الست أرسلوا ما يقدّر بنحو 124 مليار دولار إلى بلدانهم في 2024، دعماً لأسر في آسيا والشرق الأوسط الأوسع وإفريقيا. والضغط الآن ليس إنسانياً أو عمالياً فحسب، بل اقتصادي كلي أيضاً، لأن التحويلات تساعد على تمويل الاستهلاك الأسري والتعليم والرعاية الصحية والواردات واستقرار سعر الصرف في عدة اقتصادات نامية.
والحجم كبير. فقد قدّر البنك الدولي أن التحويلات المسجّلة رسمياً إلى الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل بلغت 685 مليار دولار في 2024، فيما بلغت تدفقات التحويلات العالمية نحو 905 مليارات دولار. وعلى هذا الأساس، تعادل قناة تحويلات الخليج البالغة 124 مليار دولار نحو 18% من إجمالي التحويلات التي تتلقاها الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل ونحو 14% من تدفقات التحويلات العالمية. وهذا يجعل قناة دخل العمالة الخليجية مصدراً منهجياً للتمويل الخارجي لكثير من الاقتصادات المتلقية، لا مجرد تحويل خاص بين العمال وأسرهم.
وتشير البيانات المبكرة إلى نمط متباين. فقد ذكرت بلومبرغ أن ويسترن يونيون شهدت تسارعاً في التحويلات الصادرة من الشرق الأوسط في المرحلة المبكرة من الصراع، وهو ما قد يعكس تحويلات احترازية مع تسارع العمال إلى نقل الأموال إلى حسابات أسرهم طلباً للأمان والسيولة. وفي الهند، حيث تستأثر الإمارات وحدها بنحو خُمس التحويلات الواردة، ارتفعت الأموال التي أرسلها العمال في الخارج بأكثر من 28% في الأشهر الثلاثة المنتهية في مارس. كما سجّلت بنغلاديش تدفقات قوية، إذ أظهرت بيانات بنك بنغلاديش رقماً قياسياً بلغ 3.75 مليار دولار من التحويلات في مارس 2026.
لكن هذه الزيادة الأولية لا ينبغي قراءتها كعلامة قوة. فقد تمثّل بدلاً من ذلك تحويلات مُقدَّمة وسحباً من المدخرات. ونقلت بلومبرغ عن مسؤولين في قطاع المدفوعات عبر الحدود قولهم إن أحجام المعاملات ارتفعت فيما تراجع متوسط قيمة المعاملة، وهو نمط يتسق مع الضغط لا مع نمو الدخل. ففي الفلبين، نمت التحويلات النقدية 2% فقط في أبريل إلى 2.72 مليار دولار، أبطأ وتيرة منذ نحو أربع سنوات، فيما بلغت تحويلات المغتربين في كينيا مستوى قياسياً في مارس قبل أن تتراجع نحو 6% في أبريل، وكان الممر المرتبط بالخليج من بين القنوات التي تراجعت.
ويبيّن اختبار حساسية بسيط لماذا يهم الأمر. فإذا تراجعت تدفقات تحويلات الخليج بنسبة 5%، فإن الأثر السنوي على الأسر المتلقية سيكون نحو 6.2 مليار دولار. وتراجع بنسبة 10% سيزيل 12.4 مليار دولار من تدفقات دخل الأسر، فيما يعني تراجع بنسبة 15% صدمة قدرها 18.6 مليار دولار. وهذه الأرقام مهمة خصوصاً للاقتصادات التي تمثّل فيها التحويلات حصة عالية من دخل الأسر أو تمويل الحساب الجاري أو سيولة العملة الأجنبية.
وبالنسبة لاقتصادات الخليج، الخطر مباشر أيضاً. فالعمال الأجانب بنوا جزءاً كبيراً من البنية التحتية الحديثة في المنطقة ويبقون محوريين لنشاط القطاع الخاص في البناء والضيافة والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية والنقل والخدمات المنزلية. وإذا استمر اضطراب الدخل أو تأخر الأجور أو قيود التنقل أو انعدام الأمن الوظيفي، فقد ينعكس ذلك على تنفيذ المشاريع وتقديم الخدمات والطلب الاستهلاكي. وقد حذّرت منظمة العمل الدولية من أن العمال المهاجرين يميلون إلى تحمّل حصة غير متناسبة من تعديلات سوق العمل في فترات الأزمات، ما يترك العمال الأقل دخلاً معرّضين بوجه خاص لفقدان الدخل وارتفاع التكاليف.
وتضيف الخلفية الاقتصادية الكلية الأوسع إلى الضغط. فقد ذكر تحديث البنك الدولي الإقليمي لأبريل 2026 أن اضطرابات طرق إمداد الطاقة الرئيسية والبنية التحتية أضعفت توقعات النمو لعام 2026 لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان. وباستثناء إيران، توقّع البنك الدولي تباطؤ النمو الإقليمي من 4.0% في 2025 إلى 1.8% في 2026، أي أدنى بكثير من توقعاته السابقة. ومن شأن تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الاستيراد وتراجع النشاط في القطاعات كثيفة العمالة أن تضعف جميعها قاعدة الدخل التي يرسل منها العمال المهاجرون أموالهم.
والمضمون السياساتي واضح. فالطريقة الأكثر فعالية لحماية استقرار التحويلات ليست تقييد التدفقات، بل صون دخل العمال وقنوات الدفع. وهذا يعني ضمان دفع الأجور في موعدها واحترام العقود وبقاء شبكات التحويل عاملة وعدم استبعاد العمال الأقل دخلاً من تدابير الدعم المؤقتة. وقد أشارت توقعات ويسترن يونيون لعام 2026 إلى أن افتراضاتها لم تتضمن أي أثر مطوّل أو تصعيد لصراعات الشرق الأوسط، ما يبرز مدى حساسية نشاط التحويلات للاضطراب الممتد.
وبالنسبة للدول المتلقية، الأولوية هي مراقبة ليس فقط إجمالي التحويلات الواردة، بل أيضاً حجم المعاملة وتركّز دول المصدر وتدفقات عودة العمالة وآثار سعر الصرف. ويقدّر الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) أن أكثر من 200 مليون عامل مهاجر وفرد من الشتات يرسلون أموالاً إلى أوطانهم كل عام، دعماً لنحو 800 مليون فرد من أسرهم، وأن التحويلات إلى الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل تجاوزت 5 تريليونات دولار خلال العقد الماضي. وهذا يجعل قناة تحويلات الخليج شريان حياة للأسر ومثبّتاً اقتصادياً كلياً في آن واحد.
لذا فإن الخطر القريب ليس انهياراً مفاجئاً، بل تآكلاً تدريجياً للمرونة. فإذا خفّ الصراع وعادت أسواق العمل إلى طبيعتها، قد تستقر تدفقات التحويلات بعد الموجة الاحترازية الأولية. أما إذا استمر الاضطراب حتى النصف الثاني من 2026، فإن مزيج تراجع الأرباح ونضوب المدخرات وضعف الأمن الوظيفي قد يحوّل استجابة سيولة مؤقتة إلى صدمة دخل أعمق لملايين الأسر في آسيا وإفريقيا والمنطقة الأوسع.
المصادر: بلومبرغ؛ البنك الدولي؛ الصندوق الدولي للتنمية الزراعية؛ منظمة العمل الدولية؛ ويسترن يونيون؛ بنك الاحتياطي الهندي؛ بنك بنغلاديش؛ البنك المركزي الفلبيني؛ البنك المركزي الكيني.

