الغيص يردّ توقعات وكالة الطاقة الدولية بفائض نفطي ويصفها بـ«السابقة لأوانها» في خلاف علني نادر
اصطدمت منظمة أوبك ووكالة الطاقة الدولية علناً حول اتجاه سوق النفط، إذ ردّ الأمين العام لأوبك هيثم الغيص توقعات الوكالة بفائض وشيك في المعروض، واصفاً إياها بالسابقة لأوانها وغير المستندة إلى «حقائق وأرقام»، في خلاف صريح غير معتاد بين أكثر صوتين تأثيراً في الطاقة العالمية.
وفي حديثه إلى «سي إن بي سي» في 18 يونيو 2026، وجّه الغيص انتقاداً مباشراً إلى أحدث توقعات الوكالة، قائلاً: «أحياناً يكون من الأفضل عدم وضع مثل هذه الافتراضات حين لا تستند فعلاً إلى حقائق وأرقام»، مضيفاً متسائلاً: «ماذا ترى وكالة الطاقة الدولية ولا تراه أوبك وبقية الأطراف؟». وأكد أن أوبك تركّز «على الأساسيات من دون إقحام الكثير من الافتراضات والاحتمالات في توقعاتها»، واعتبر أن إعلان الوكالة عن فائض سابق لأوانه نظراً لتعدّد المتغيّرات في السوق بعد انتهاء النزاع.
التوقع في صلب الخلاف
يتمحور الخلاف حول تقرير سوق النفط الصادر عن الوكالة في يونيو. فعلى جانب الطلب، تتوقّع الوكالة تراجع الاستهلاك العالمي للنفط بمقدار 1.1 مليون برميل يومياً في 2026 قبل أن يتعافى بنحو 2 مليون برميل يومياً في 2027. وعلى جانب المعروض، توقّعت انخفاض الإنتاج بمقدار 3.9 مليون برميل يومياً إلى 102.4 مليون برميل يومياً في 2026، قبل أن يرتدّ بنحو 8 ملايين برميل يومياً إلى 110.3 مليون برميل يومياً في 2027 مع عودة الإنتاج الخليجي المتعطّل عقب إعادة فتح مضيق هرمز. ومع ارتفاع المعروض بوتيرة أسرع بكثير من الطلب في 2027، فإن المؤدّى هو تكوّن فائض كبير العام المقبل. وهذا السرد القائل بالانتقال «من النقص إلى الفائض» هو ما يعترض عليه الغيص.
وطالما كانت أوبك أكثر تفاؤلاً من الوكالة بشأن دور النفط على المدى الطويل. فقبل يوم واحد فقط، توقّع تقرير «آفاق النفط العالمية» الصادر عن أوبك ارتفاع الطلب على النفط إلى 124.1 مليون برميل يومياً بحلول 2050 مع «عدم وجود ذروة للطلب في الأفق»، ودعا إلى استثمارات بقيمة 17.7 تريليون دولار لتلبيته — وهي رؤية تتعارض جوهرياً مع السيناريوهات الأكثر ميلاً إلى التحوّل والفائض التي تنشرها الوكالة.
إعادة فتح مضيق هرمز
تشكّل إعادة فتح مضيق هرمز عقب الاتفاق الأميركي–الإيراني خلفية هذا الخلاف، إذ تتيح تدفّق البراميل الخليجية مجدداً. وقد رصدت الوكالة تعافي الكميات المارّة عبر المضيق من أدنى مستوى في مايو بلغ نحو 9.6 مليون برميل يومياً نحو ما يقارب 12 مليون برميل يومياً في مطلع يونيو. وسرعة هذا التعافي ومدى استدامته هما تحديداً عنصر عدم اليقين الذي استند إليه الغيص في تأكيده أن من السابق لأوانه الإعلان عن فائض.
وفي اليوم نفسه، شدّد المدير التنفيذي للوكالة فاتح بيرول على ضرورة «إعادة فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون شروط»، معتبراً ذلك أهمّ خطوة منفردة لتهدئة أسواق الطاقة، ومحذّراً من أن الثقة قد تضرّرت — «فالإناء قد انكسر». وهكذا تتفق المنظمتان على أهمية هرمز، حتى وإن اختلفتا بحدّة على ما يعنيه عودة المعروض لتوازن السوق.
لماذا يهمّ ذلك
الخلاف بين أوبك والوكالة أكبر من مجرّد مناوشة مؤسسية: فتوقعات المنظمتين تُوجّه قرارات الاستثمار وتخطيط الحكومات ومزاج الأسواق حول العالم. وحين يتباعدان بهذا الوضوح، فإن ذلك يشير إلى عدم يقين حقيقي بشأن مسار المعروض والطلب والأسعار بعد النزاع — ويترك المنتجين والمستهلكين والمستثمرين أمام إشارات متضاربة.
وبالنسبة لمنتجي الخليج، فالمصالح مباشرة. فإذا صحّت رؤية الوكالة بشأن الفائض، فإن تراجع الأسعار سيضغط على عائدات النفط التي تستند إليها الموازنات الإقليمية، بما يعزّز الحجّة الداعية إلى الانضباط المالي. أما إذا صحّت قراءة أوبك الأكثر حذراً وكان تعافي المعروض أبطأ أو الطلب أقوى مما تتوقّعه الوكالة، فقد تبقى السوق أكثر إحكاماً لفترة أطول. وسيتوقف الواقع على سرعة عودة الصادرات الخليجية إلى طبيعتها وعلى مدى صمود الطلب العالمي.
الآفاق
من غير المرجّح أن يُحسَم الجدل قريباً. فالكثير يتوقف على وتيرة عودة الإنتاج والشحن الخليجي المتعطّل إلى طبيعته، وعلى قوة الطلب في آسيا وما بعدها، وعلى ما إذا كان منتجون آخرون سيضيفون براميل إلى السوق. وفي الوقت الراهن، يبرز هذا الخلاف العلني النادر مدى عدم اليقين غير المعتاد الذي بات يكتنف سوق النفط في أعقاب النزاع — ومدى اختلاف قراءة أبرز سلطتين للطاقة في العالم لما ينتظر السوق.
المصادر: سي إن بي سي، وكالة الطاقة الدولية (تقرير سوق النفط، يونيو 2026)، أوبك.

