مصر تعمّق مسار الخصخصة: مسودة سياسة ملكية الدولة تستهدف حصة للقطاع الخاص تتجاوز 65٪ ونمواً يفوق 7٪ بحلول 2030
كشفت مصر عن مسودة نسخة ثانية أكثر طموحاً من «وثيقة سياسة ملكية الدولة»، وهي الإطار الذي يحدّد القطاعات التي تبقي فيها الدولة استثماراتها وتلك التي تنسحب منها لإفساح المجال أمام رأس المال الخاص. وقد طرحت الحكومة المسودة في 17 يونيو 2026 تحت عنوان «تعميق الإصلاح وتعظيم الأثر 2026–2030»، وتضع هدفاً رئيسياً يتمثل في رفع مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي إلى ما يتجاوز 65٪ بحلول 2030، ودعم نمو الناتج المحلي الإجمالي بما يفوق 7٪. وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن النسخة النهائية يُتوقَّع إنجازها قبل 30 سبتمبر 2026، عقب فترة من التشاور مع المستثمرين والخبراء.
والمسودة تجديدٌ أكثر منها مساراً جديداً. فقد انتهى سريان النسخة الأولى من الوثيقة التي أُطلقت في 2022، وتأتي خليفتها بعد ما وصفه مسؤولون بأنه تراجع غير مسبوق في الاستثمار الخاص بين 2023 و2025، مدفوعاً إلى حدٍّ كبير بصدمات خارجية. وإعادة ترسيخ القطاع الخاص شريكاً قائداً للنمو — وإيصال هذه النيّة إلى المستثمرين المحليين والأجانب على حدٍّ سواء — هو الغرض المحوري من التحديث.
الأهداف الرئيسية
يبقى هدف الـ65٪ الرقم الأبرز للتداول. فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية تجاوزت حصة القطاع الخاص من إجمالي الاستثمارات 56.5٪، ورأى مدبولي أن عتبة الـ65٪ يمكن بلوغها خلال عامين في ظل الظروف المناسبة، أي قبل أفق 2030. واقتران ذلك بهدف نمو معلن يتجاوز 7٪ يؤطّر الوثيقة صراحةً بوصفها استراتيجية نمو يقودها القطاع الخاص، لا مجرد برنامج لبيع الأصول.
ما الجديد في النسخة الثانية
تمثّل الوثيقة المعدّلة تطوراً واضحاً في المنهج. فبحسب أسامة الجوهري، مساعد رئيس الوزراء ورئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، تتضمن النسخة الجديدة 12 تغييراً رئيسياً، وفصلاً مخصصاً يحدّد دور الدولة الاقتصادي عبر سبع وظائف جوهرية، وتركيزاً أدق على 13 قطاعاً ذا أولوية. والأهم أنه حيث كانت النسخة الأولى تقيّم حضور الدولة قطاعاً بقطاع، تتبنّى الثانية منهج إدارة المحفظة، باتخاذ القرارات على مستوى الشركة مع مراعاة المزيج الكلي للأصول. وتقول المسودة إن ملكية الدولة ينبغي أن تقتصر على الأنشطة ذات المبرّر الاستراتيجي أو السيادي أو الاجتماعي الواضح، فيما تُدار بقية الأصول وفق مبادئ استثمارية.
وللمرة الأولى، تُدخِل السياسة أيضاً الهيئات الاقتصادية في نطاقها — في خطوة مهمة نحو مركزة إدارة أصول الدولة. وستدرس وحدة إدارة شركات قطاع الأعمال إعادة هيكلة كيانات الدولة، بما فيها هذه الهيئات، إلى شركات مساهمة تخضع لقانون الشركات، فيما يمكن نقل الأصول القابلة للتشغيل التجاري إلى كيانات متخصصة، يتصدّرها صندوق مصر السيادي، لتحسين الحوكمة والرقابة. كما اعتمدت الحكومة «منصة الكيانات الاقتصادية» التي تشرف عليها وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، بهدف توحيد وتبسيط خدمات المستثمرين مثل التراخيص والموافقات. وقال الجوهري إن مصر استندت في إعداد التحديث إلى تجارب تسع دول، منها النرويج والسويد وألمانيا وفنلندا وإيطاليا وسويسرا، في مسعى لمواءمة الإطار مع الممارسات الدولية بشأن الفصل بين الملكية والتنظيم، والشفافية، وقياس الأداء.
سجل التنفيذ حتى الآن
تأتي إعادة الضبط في مقابل سجل تنفيذٍ متباين. فبحسب رواية الحكومة نفسها، حقّقت السياسة الأولى نحو 5.9 مليار دولار من 23 صفقة تخارج؛ ومع احتساب صفقتَي أرض رأس الحكمة وعلم الروم، قدّر الجوهري الإجمالي التراكمي بنحو 37 مليار دولار. ووجد التقرير المتابع الثالث لمركز المعلومات أن 48٪ من المراحل الأربع للوثيقة استُكملت في 2025، محقّقةً 5.86 مليار دولار.
أما شِق أسواق المال فقد تحرّك أبطأ. إذ استهدف برنامج الطروحات الحكومية، الذي أُطلق في 2023، إدراج 35 شركة حكومية في البورصة المصرية، مع خطط لإضافة نحو عشر شركات أخرى وأربع شركات تابعة للقوات المسلحة، بهدف جمع نحو 5 مليارات دولار. وعملياً، ورغم الإدراج الفني لعدد من شركات الدولة وتقدّم عدد من صفقات بيع الحصص لمستثمرين استراتيجيين، لم تتحقق الطروحات العامة الكاملة بعد — بما يعكس قدرة استيعاب البورصة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة وتقلّب السوق، ويذكّر بأن بيع الحصص لمستثمرين استراتيجيين كثيراً ما حقّق قيمة أعلى من الطروحات العامة. ويجري الآن تجهيز بنك القاهرة للإدراج في البورصة بحلول نوفمبر 2026، فيما سيكون اختباراً لافتاً لشهية المستثمرين.
البُعد المتعلق بصندوق النقد
التوقيت مقصود. فالإطلاق يأتي فيما تنتظر مصر قرارات صندوق النقد الدولي بشأن المراجعة السابعة لتسهيل الصندوق الممدّد البالغ 8 مليارات دولار، والمراجعة الثانية في إطار تسهيل الصلابة والاستدامة. وقد زارت بعثة من خبراء الصندوق القاهرة في مايو لمناقشة المراجعتين، ويُنتظر نظر المجلس التنفيذي فيهما خلال الصيف؛ ونتيجة ناجحة قد تتيح نحو 1.6 مليار دولار من التمويل. ومن المقرر أن ينتهي برنامج مصر مع الصندوق في منتصف ديسمبر 2026، فيما تمتد سياسة الملكية الجديدة حتى 2030 — وهي فجوة استند إليها مدبولي في تأكيده أن الإطار «محلي المنشأ» وغير مفروض من الصندوق. ومع ذلك، استرشدت التعديلات بملاحظات «فيتش سوليوشنز» ومجموعة البنك الدولي وصندوق النقد، التي رأت جميعها أن النسخة الأولى مالت إلى الاحتفاظ بحصص أقلية بدلاً من التخارج الكامل.
والتخارج ذو أثر مالي أيضاً. فقد أشارت أحدث مراجعة منشورة لصندوق النقد إلى أن الفائض الأولي في مصر جاء دون المستهدف في غياب حصيلة التخارج المبرمجة — بما يؤكد أن بيع الأصول ليس التزاماً بالإصلاح الهيكلي فحسب، بل بند موازنة تعوّل عليه السلطات. ومع استحواذ خدمة الدين على ما يقارب ثلاثة أرباع إجمالي الإيرادات في الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2025/2026 وفق الأرقام الرسمية (وتقدّر فيتش مدفوعات الفائدة بنحو 61٪ من الإيرادات للعام)، تبدو الحجة المالية لتسريع مشاركة القطاع الخاص ملحّة.
لماذا يهمّ ذلك
بالنسبة لمصر، تُعدّ النسخة الثانية إشارة نيّة في لحظة دقيقة. فالاقتصاد يتنقّل في أعقاب اضطراب إقليمي أثقل إيرادات قناة السويس والتدفقات الخارجية، حتى مع تراجع التضخم وتعافي الجنيه إلى ما دون 50 جنيهاً للدولار بقليل. ومن شأن انسحاب موثوق وحسن التسلسل للدولة من القطاعات التنافسية أن يوسّع المجال أمام الاستثمار الخاص والأجنبي، ويخفّف العبء المالي، ويدعم النمو متوسط الأجل الذي تستهدفه الحكومة. وبالنسبة للمنطقة الأوسع وللمستثمرين الدوليين، تظل مصر واحدة من أكبر قصص الإصلاح في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومصداقية أجندة الخصخصة لديها تنعكس مباشرة على تصوّرات المخاطر السيادية وتدفقات رأس المال عبر الأسواق الناشئة.
والتحدّي، كما في السابق، هو التنفيذ. فقد رسمت النسخ السابقة خرائط انسحاب طموحة اصطدمت بظروف السوق ومخاوف التقييم وصعوبة طرح أصول حكومية كبيرة في بورصة محدودة العمق نسبياً. وقد صُمِّم منهج المحفظة، وإدراج الهيئات الاقتصادية، ومركزة الأصول تحت صندوق مصر السيادي، لمعالجة بعض هذه العوائق. وما إذا كانت ستترجَم إلى طروحات مكتملة — لا مجرد نوايا معلنة — هو ما سيحدّد إن كان هدف الـ65٪ وجهة 2030 واقعية أم عنواناً طموحاً آخر.
الآفاق
المحطة التالية هي النسخة النهائية من الوثيقة، المتوقّعة قبل نهاية سبتمبر. وبعد ذلك ستراقب السوق وتيرة الصفقات الفعلية، وعملية إدراج بنك القاهرة لاحقاً في 2026، وقرارات صندوق النقد المرتقبة، تأكيداً على استمرار زخم الإصلاح في مصر. المسودة تشحذ الطموح؛ والتنفيذ خلال العام المقبل هو ما سيقرّر مدى تغييرها لشكل الاقتصاد.
المصادر: مجلس الوزراء المصري / مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، عبر «الأهرام أونلاين»؛ صندوق النقد الدولي؛ فيتش؛ مجموعة البنك الدولي.

