آفاق الدولار الأميركي 2026: «أعلى لمدة أطول» يُبقي الدولار مدعوماً لكن صعوده يصبح أكثر انتقائية
دخل الدولار الأميركي النصف الثاني من 2026 بنبرة أكثر صلابة، مدعوماً بتضخم عنيد، وبيانات سوق عمل صامدة، وعوائد خزانة مرتفعة، وطلب متجدد على سيولة الدولار في فترة يسودها عدم اليقين الجيوسياسي وفي سوق الطاقة. والتحرك الأخير ليس مجرد رد فعل ملاذٍ آمن، بل يعكس أيضاً إعادة تسعير لسياسة الاحتياطي الفيدرالي بعدما قلّص المستثمرون توقعات التيسير القريب.
وحتى 19 يونيو 2026، تداول مؤشر الدولار الأميركي قرب 100.79، بارتفاع 1.71٪ خلال الشهر السابق و2.11٪ خلال الاثني عشر شهراً السابقة. وليس هذا قفزة بنيوية حادة، لكنه انعكاس ذو دلالة عن الافتراض السابق بأن الدولار سيضعف مع تراجع أسعار الفائدة الأميركية. ويعكس الدولار الأقوى ميزة فائدة أكثر استمراراً، خصوصاً مقابل اليورو والين اللذين يمثّلان معاً أكثر من 70٪ من سلة المؤشر.
إعادة تسعير الفيدرالي هي المحرّك الرئيسي
أبقى الاحتياطي الفيدرالي نطاق الفائدة المستهدف دون تغيير عند 3.50٪ إلى 3.75٪ في يونيو، تاركاً النقطة الوسطى عند 3.625٪. وكان قرار الفائدة نفسه متوقعاً. أما الإشارة المهمة فجاءت من ملخص التوقعات الاقتصادية المحدّث، الذي أظهر ملمحاً أكثر تشدداً للسياسة مما كان متوقعاً.
ووضعت توقعات يونيو نمو الناتج المحلي الحقيقي لعام 2026 عند 2.2٪، والبطالة عند 4.3٪، وتضخم نفقات الاستهلاك الشخصي عند 3.6٪، والتضخم الأساسي عند 3.3٪. وتهمّ هذه الأرقام لأنها تصف اقتصاداً يتباطأ لكنه ليس ضعيفاً، فيما يظل التضخم أعلى بكثير من هدف الفيدرالي البالغ 2٪.
كما تحرّك سعر الفائدة المتوقع للأعلى. فقد ارتفع الوسيط المتوقع لسعر الفائدة لنهاية 2026 إلى 3.8٪، مقارنةً بالنقطة الوسطى الحالية 3.625٪. ومن بين 18 مشاركاً في توقعات يونيو، توقّع ثمانية أن يكون سعر الفائدة عند 3.625٪، وتوقّع واحد سعراً أدنى، وتوقّع تسعة سعراً أعلى من الوسطى الحالية. وهذا التوزيع لا يضمن رفعاً، لكنه يُظهر بوضوح أن نقاش السياسة ابتعد عن خفضٍ وشيك نحو موقف «أعلى لمدة أطول».
وبالنسبة للدولار، هذا أمر محوري. فقوة العملة تتأثر بقوة بفروق الفائدة المتوقعة. وحين يُتوقَّع بقاء الفائدة الأميركية أعلى لمدة أطول، تصبح الأصول المقوّمة بالدولار أكثر جاذبية، خصوصاً مقابل اقتصادات تبقى فيها الفائدة أدنى.
التضخم يظل الدعامة الأساسية للدولار
تواصل أحدث بيانات التضخم الأميركية دعم آفاق دولار صلب. فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الرئيسي 4.2٪ سنوياً في مايو 2026، صعوداً من 3.8٪ في أبريل. وارتفع التضخم الأساسي، باستثناء الغذاء والطاقة، 2.9٪ سنوياً.
وتركيبة التضخم مهمة. فقد ارتفعت أسعار الطاقة 23.5٪ سنوياً، فيما صعد البنزين 40.5٪. واستحوذت الطاقة أيضاً على أكثر من 60٪ من الزيادة الشهرية في المؤشر العام. ويُظهر ذلك أن ضغط التضخم الأخير مرتبط بشدة بالطاقة والمخاطر الجيوسياسية، لكنه لا يزيل تحدي السياسة لدى الفيدرالي لأن التضخم الأساسي يظل أعلى من الهدف.
وعلى أساس سنوي مبسّط، فإن الزيادة الشهرية في المؤشر الرئيسي في مايو البالغة 0.5٪ تعني وتيرة سنوية نحو 6.2٪. أما الزيادة الشهرية في التضخم الأساسي البالغة 0.2٪ فتعني وتيرة سنوية نحو 2.4٪. وتؤكد الفجوة بين التضخمين الرئيسي والأساسي أن الطاقة هي الصدمة الآنية، لكن التضخم الأساسي ما زال غير منخفض بما يكفي لتبرير تحول واثق نحو سياسة أكثر تيسيراً.
ولهذا يبقى الدولار مدعوماً. فالعملة تميل إلى الاستفادة حين يمنع التضخم بنكها المركزي من خفض الفائدة، خصوصاً حين يكون الاقتصاد لا يزال ينمو وسوق العمل لا يتدهور بحدة.
النمو أبطأ لكنه ليس ضعيفاً بما يقوّض الدولار
تباطأ النمو الأميركي، لكن البيانات الحالية لا تشير إلى ركود. فقد ارتفع الناتج المحلي الحقيقي بوتيرة سنوية 1.6٪ في الربع الأول من 2026، بمراجعة هبوطية من التقدير الأولي البالغ 2.0٪. ومع ذلك، ارتفعت المبيعات النهائية الحقيقية للمشترين المحليين من القطاع الخاص 2.4٪، بما يشير إلى أن الطلب الخاص الكامن كان أكثر صموداً مما يوحي به الناتج الإجمالي وحده.
كما تعزّز بيانات الأسعار داخل تقرير الناتج تحدي التضخم. فقد ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي 4.5٪ في الربع الأول، فيما ارتفع الأساسي 4.4٪. وهذا المزيج من نمو أبطأ وتضخم مرتفع يخلق توليفة سياسية صعبة، لكنه ليس بعد إشارة سلبية واضحة للدولار. فالدولار يضعف عادةً حين يتباطأ النمو بما يكفي لفرض تيسير السياسة. والبيانات الحالية لا تدعم هذا الاستنتاج بعد.
وسوق العمل يظل صلباً أيضاً. فقد زادت الوظائف غير الزراعية 172 ألف وظيفة في مايو، فيما ثبتت البطالة عند 4.3٪. وارتفع متوسط الأجر بالساعة 0.3٪ شهرياً و3.4٪ سنوياً. ومقارنةً بالمؤشر الرئيسي عند 4.2٪، يجري نمو الأجور نحو 0.8 نقطة مئوية دون التضخم، بما يشير إلى ضغط على القوة الشرائية الحقيقية للأسر. لكن من منظور السياسة النقدية، يظل خلق الوظائف قوياً بما يكفي لمنع الفيدرالي من إعلان النصر على التضخم.
عوائد الخزانة تواصل دعم الطلب على الدولار
تظل عوائد الخزانة قناة مهمة لانتقال قوة الدولار. ففي 18 يونيو 2026، بلغ عائد الخزانة لأجل سنتين نحو 4.19٪، وعائد العشر سنوات نحو 4.46٪، وعائد الثلاثين سنة نحو 4.90٪.
ومقارنةً بالنقطة الوسطى للفيدرالي البالغة 3.625٪، كان عائد السنتين أعلى بنحو 56.5 نقطة أساس، فيما كان عائد العشر سنوات أعلى بنحو 83.5 نقطة أساس. ويشير ذلك إلى أن الأسواق تطلب علاوة عائد ذات دلالة على امتداد المنحنى، بما يعكس مخاطر التضخم، والمخاطر المالية، وعلاوة الأجل، وعدم اليقين بشأن المسار المستقبلي للسياسة.
وبلغ الفارق بين عائد العشر سنوات وعائد السنتين نحو زائد 27 نقطة أساس. ويوحي ذلك بأن منحنى العائد لم يعد مقلوباً بعمق عند هذه النقطة. وبالنسبة للدولار، يمكن لبنية عائد موجبة أن تجذب رأس المال العالمي إلى الدخل الثابت الأميركي، خصوصاً حين تبقى الاقتصادات النظيرة الكبرى تعرض فائدة أدنى.
لا يزال للدولار ميزة فائدة على نظرائه الكبار
تظل الجاذبية النسبية للدولار واضحة مقارنةً بأكبر مكوّنين في سلة المؤشر، أي اليورو والين.
رفع البنك المركزي الأوروبي أسعاره الرئيسية 25 نقطة أساس في يونيو، ليصل سعر الإيداع إلى 2.25٪، وسعر إعادة التمويل الرئيسي إلى 2.40٪، وسعر الإقراض الهامشي إلى 2.65٪. وحتى بعد هذه الخطوة، تظل النقطة الوسطى للفيدرالي 3.625٪ أعلى بنحو 137.5 نقطة أساس من سعر الإيداع الأوروبي.
كما رفع بنك اليابان إعداده، إذ تحرّك توجيه سعر النداء الفوري إلى نحو 1.0٪. ويمثّل ذلك تحولاً مهماً لليابان، لكن النقطة الوسطى للسياسة الأميركية تظل أعلى بنحو 262.5 نقطة أساس من توجيه السياسة الفوري الياباني.
ولأن اليورو والين يمثّلان أكثر من 70٪ من سلة المؤشر، تبقى فروق الفائدة هذه شديدة الأهمية. وهي تساعد على تفسير كيف يمكن للدولار أن يبقى صلباً حتى حين تشدّد بنوك مركزية كبرى أخرى سياستها أيضاً.
الآفاق صلبة لكنها ليست أحادية الاتجاه
السيناريو الأساسي هو بقاء الدولار مدعوماً في الأجل القريب، خصوصاً ما دامت ثلاثة شروط قائمة.
أولاً، يظل التضخم مرتفعاً. فالمؤشر الرئيسي عند 4.2٪ لا يزال أكثر من ضعف هدف الفيدرالي.
ثانياً، الفيدرالي ليس في موضع التيسير القريب. فنطاق فائدة من 3.50٪ إلى 3.75٪، مقترناً بتوقعات تضخم 2026 أعلى من 3٪، يُبقي الدولار مدعوماً عبر فروق الفائدة.
ثالثاً، تواصل المخاطر الجيوسياسية وفي سوق الطاقة زيادة الطلب على أصول الدولار السائلة. فتقلّب أسعار الطاقة، ومخاطر الشحن، وعدم اليقين بشأن طرق إمداد الشرق الأوسط تظل محركات مهمة للسوق.
ومع ذلك، فإن صعود الدولار ليس بلا حدود. فالقوة الحالية قد تتلاشى إذا تراجعت أسعار الطاقة، أو بردت بيانات التضخم، أو أعادت الأسواق بناء توقعات بخفض الفيدرالي مستقبلاً. كما سيصبح الدولار أكثر هشاشة إذا ضعف النمو الأميركي بشكل ملموس فيما يتراجع التضخم، لأن المستثمرين سيحوّلون عندئذٍ انتباههم من الحماية من التضخم إلى مخاطر الركود.
التداعيات على الكويت ودول الخليج
بالنسبة للكويت ودول الخليج، تهمّ آفاق الدولار عبر الأوضاع النقدية، وتدفقات رأس المال، وأسعار الاستيراد، وعائدات الطاقة، وسيولة الأسواق المالية.
وتتبع الكويت سياسة سعر صرف قائمة على سلة عملات مصممة للحفاظ على استقرار نسبي للدينار الكويتي مقابل العملات الرئيسية. أما معظم عملات الخليج الأخرى فمرتبطة بشكل أكثر مباشرة بالدولار الأميركي. ونتيجةً لذلك، تؤثر قوة الدولار في المنطقة عبر قنوات مختلفة بحسب إطار سعر الصرف لكل دولة.
ويمكن لدولار أقوى أن يساعد على صون استقرار العملة الخارجي للاقتصادات المرتبطة بالدولار، لكنه قد يشدّد الأوضاع المالية أيضاً بإبقاء الفائدة الإقليمية مرتفعة. فالعوائد الأميركية الأعلى قد ترفع تكاليف التمويل، وتؤثر في سيولة البنوك، وتحوّل تخصيص المستثمرين بين الأصول الإقليمية والدخل الثابت الأميركي.
وبالنسبة لمصدّري النفط، الأثر مختلط. فإذا كانت قوة الدولار مرتبطة بمخاطر جيوسياسية وأسعار نفط أعلى، فقد تستفيد العائدات المالية. أما إذا بدأت قوة الدولار تضغط على الطلب العالمي أو تقلّص القوة الشرائية بغير الدولار في اقتصادات مستوردة كبرى، فيصبح الأثر متوسط الأجل أقل دعماً.
الخلاصة
يظل ميل الدولار في الأجل القريب صلباً، لكن ينبغي النظر إلى الصعود بوصفه دورياً لا مفتوحاً. فالدولار مدعوم بتضخم مرتفع، وفيدرالي متشدد، وتوظيف صامد، وفروق عائد موجبة. وفي الوقت نفسه، فالعملة معرّضة للانعكاس إذا اعتدل التضخم، أو هبطت أسعار الطاقة، أو تباطأ النمو الأميركي بحدة أكبر.
والمؤشرات الرئيسية الواجب مراقبتها خلال الربع المقبل هي مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي، والتضخم الأساسي لنفقات الاستهلاك الشخصي، ونمو الوظائف، وعائد الخزانة لأجل سنتين، وأسعار النفط، وخطاب سياسة الفيدرالي في يوليو. فإذا بقي التضخم أعلى من الهدف وظل سوق العمل مستقراً، يمكن للدولار أن يبقى قوياً قرب مستوياته الحالية. وإذا برد التضخم وضعف النمو، فستقوى الحجة لدولار أكثر ليونة مع دخول 2027.
وإجمالاً، لا يزال الدولار مدعوماً بالأساسيات، لكن توازن المخاطر بات أكثر ازدواجية. وعلى المستثمرين أن يتعاملوا مع قوة الدولار الحالية بوصفها دالة على إعادة تسعير السياسة والتضخم، لا اتجاهاً صعودياً بنيوياً مضموناً.
المصادر: الاحتياطي الفيدرالي، مكتب إحصاءات العمل، مكتب التحليل الاقتصادي، الخزانة الأميركية، البنك المركزي الأوروبي، بنك اليابان، بنك الكويت المركزي، ICE، وبيانات سوقية موثّقة حتى 21 يونيو 2026.

