العجز الأميركي يتراجع ظاهرياً في مايو لكن آثار التقويم تخفي فجوة مالية مستمرة
كان العجز في الموازنة الفيدرالية للولايات المتحدة أصغر في مايو 2026 منه قبل عام، وتراجع خلال السنة المالية حتى تاريخه، لكن التحسن الظاهري يعود في معظمه إلى تشوه ناجم عن التقويم لا إلى تحول واضح نحو التشديد المالي. وصدرت الأرقام عن وزارة الخزانة الأميركية في بيانها الشهري للخزانة في 10 يونيو 2026، مع تحليل ذي صلة من مكتب الميزانية في الكونغرس.
سجّلت الحكومة الفيدرالية عجزاً يبلغ نحو 293 مليار دولار في مايو، نزولاً من نحو 316 مليار دولار في الشهر نفسه قبل عام. وبلغت الإيرادات نحو 336 مليار دولار والنفقات نحو 628 مليار دولار. وخلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة المالية 2026، من أكتوبر حتى مايو، بلغ العجز التراكمي نحو 1.2 تريليون دولار، أي أقل بنحو 116 مليار دولار، أو نحو 9%، من الفترة نفسها من السنة المالية السابقة.
مفارقة تقويمية تجمّل المقارنة
هذا التحسن في العنوان هو إلى حد كبير نتاج التوقيت. فلأن الأول من يونيو 2025 صادف عطلة نهاية أسبوع، جرى تقديم مدفوعات فيدرالية معينة كانت ستُصرف عادةً في يونيو إلى مايو 2025، ما ضخّم قاعدة العام السابق. وبعد التعديل وفق تلك التحولات، يصبح عجز الأشهر الثمانية أقل بنحو 19 مليار دولار فقط عن العام السابق، بدلاً من 116 ملياراً، وترتفع النفقات نحو 3% بدلاً من نحو 1%. وبعبارة أخرى، فإن الفجوة المالية الأساسية مستقرة إلى حد كبير وليست في تقلّص فعلي.
ويظهر التشوه نفسه في المقارنة الشهرية. فعلى أساس غير معدّل، كان عجز مايو أقل بنحو 21 مليار دولار عن العام السابق، لكن بعد احتساب المدفوعات المقدَّمة، كان عجز مايو 2026 أكبر بوضوح من نظيره في مايو 2025.
الإيرادات والإنفاق يتجهان في اتجاهين متعاكسين
تحت العنوان، يبدو التركيب متبايناً. فقد ارتفعت الإيرادات التراكمية نحو 5% خلال الأشهر الثمانية الأولى، بقيادة ضرائب الدخل الفردية التي صعدت إلى نحو 1.91 تريليون دولار، مع ارتفاع إيرادات ضرائب الرواتب أيضاً على وقع ارتفاع الأجور والاقتطاعات. وأكثر من تضاعفت الرسوم الجمركية إلى نحو 189 مليار دولار مع رفع إجراءات التعرفة للتحصيلات خلال العام حتى تاريخه، وإن تراجع صافي تحصيلات التعرفة بحدة في مايو مع بدء سداد مبالغ مستردة مرتبطة بحكم للمحكمة العليا. وتحركت ضرائب دخل الشركات في الاتجاه المعاكس، متراجعةً نحو 30% إلى نحو 210 مليارات دولار، مع خفض الاستقطاعات الاستثمارية الأكبر بموجب تشريع ضريبي صدر في 2025 للمدفوعات.
وعلى جانب الإنفاق، يبقى الضغط الأبرز هو خدمة الدين. فقد بلغ صافي مدفوعات الفائدة نحو 742 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى، بارتفاع نحو 10% عن العام السابق، بما يعكس كلاً من تضخّم حجم الدين وارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل. كما واصلت نفقات الضمان الاجتماعي وميديكير وميديكيد صعودها، مدفوعةً بارتفاع مستويات المنافع وأعداد المستفيدين وتكاليف البرامج.
عبء دين متصاعد
تأتي البيانات المالية على خلفية عبء دين يتصاعد باطّراد. فالدين الفيدرالي الإجمالي نحو 39 تريليون دولار، فيما يتجاوز الدين المملوك للجمهور 31 تريليون دولار. ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن يبلغ الدين المملوك للجمهور نحو 101% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مع ارتفاع إضافي خلال العقد المقبل. ويشير سيناريو المكتب الأساسي إلى عجز سنوي كامل يقارب 1.9 تريليون دولار للسنة المالية 2026، أي نحو 5.8% من الناتج، مع توقع تجاوز صافي تكاليف الفائدة تريليون دولار للمرة الأولى. وقد بات مسار تكاليف الفائدة، الذي يتوقف على حجم الدين ومستوى عوائد سندات الخزانة، ديناميكية محورية في الحسابات الفيدرالية.
الأهمية الإقليمية والعالمية
يمتد مسار المالية العامة الأميركية إلى ما هو أبعد بكثير من واشنطن. فسندات الخزانة الأميركية تبقى الأصل الآمن المرجعي في العالم، ويبقى الدولار العملة الاحتياطية المهيمنة عالمياً، ولذلك يؤثر حجم الاقتراض الفيدرالي وكلفة خدمته في أسعار الفائدة العالمية وتدفقات رؤوس الأموال وقرارات إدارة الاحتياطيات. ومن شأن عجز كبير ومثقل بالفائدة على نحو متزايد أن يُبقي عوائد سندات الخزانة مرتفعة، ما يرفع كلفة الاقتراض على الحكومات والشركات حول العالم، ويؤثر في قيمة وعائد احتياطيات الدولار التي تحتفظ بها البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية والمستثمرون المؤسسيون. وبالنسبة للمستثمرين الدوليين، فإن الإشارة الأهم ليست عجز شهر واحد، بل استمرار فجوة مالية أساسية واسعة، وفاتورة فائدة متصاعدة، ومسار دين يبقى قريباً من حجم الاقتصاد أو يتجاوزه.
نظرة مستقبلية
تترك بيانات مايو الولايات المتحدة أمام صورة مالية مألوفة: الإيرادات تنمو، لكن النفقات وتكاليف الفائدة ترتفع بالوتيرة نفسها على الأقل، ما يُبقي العجز الأساسي واسعاً بعد تجريد آثار التوقيت. والمتغيرات القريبة التي يجب مراقبتها هي مسار العوائد طويلة الأجل، ومعالجة إيرادات التعرفة والمبالغ المستردة، ومسار برامج الإنفاق الإلزامية الكبرى. ومع توقّع مكتب الميزانية في الكونغرس عجزاً للسنة المالية 2026 قرب 1.9 تريليون دولار وصافي فائدة يتجاوز تريليون دولار، تصبح القصة المالية لبقية العام أقل تعلقاً بما إذا كانت الفجوة في العنوان ستضيق وأكثر تعلقاً بمدى ثقل خدمة الدين على الموازنة الفيدرالية.
المصادر: وزارة الخزانة الأميركية، البيان الشهري للخزانة لشهر مايو 2026، الصادر في 10 يونيو 2026؛ مكتب الميزانية في الكونغرس، مراجعة الموازنة الشهرية لمايو 2026؛ مكتب الميزانية في الكونغرس، آفاق الموازنة والاقتصاد 2026–2036؛ وفق ما نقلته رويترز.

