صندوق النقد الدولي: الاقتصاد العالمي يصمد حتى الآن رغم التوترات الإقليمية مع توقع نمو نحو 3.1% في 2026
يمتص الاقتصاد العالمي صدمة تصاعد التوترات الإقليمية دون أن ينزلق إلى تباطؤ واسع حتى الآن، بحسب صندوق النقد الدولي، وإن حذّر الصندوق من أن الصورة الكلية المرنة تخفي تباينات حادة بين الدول وأن المخاطر لا تزال مائلة نحو الجانب السلبي. وجاء هذا التقييم في مقال نشرته المديرة العامة كريستالينا غورغييفا في 15 يونيو، إذ كتبت أن الاقتصاد العالمي لا يزال يتحمل الصدمة بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الصراع، مع تأثر أسعار السلع والتضخم والأوضاع المالية دون أن تبلغ بعد مرحلة الخطر.
ويضع توقع الصندوق المرجعي، الوارد في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي لأبريل 2026 والمعاد تأكيده في مقال يونيو، النمو العالمي عند 3.1% في 2026 و3.2% في 2027، في خفض عن توقعات يناير، مع ارتفاع التضخم الكلي إلى 4.4% في 2026 قبل أن يتراجع مجدداً في 2027. وتستند هذه التوقعات إلى افتراض صراع قصير الأمد نسبياً وارتفاع معتدل في أسعار سلع الطاقة بنحو 19%. وأشار الصندوق إلى أن أسعار النفط كانت في منتصف يونيو أعلى بنحو 30% من المستويات التي سبقت تصاعد التوترات، وإن تراجعت عن الذرى التي بلغتها في وقت سابق من الأزمة.
صورة كلية مرنة تخفي فجوات واسعة
الرسالة المحورية للصندوق هي تفاوت درجات التعرّض. فبينما تصمد الصورة الإجمالية، نبّه الصندوق إلى أن الاقتصادات المستوردة للطاقة، والدول ذات الحيّز المالي أو النقدي المحدود للاستجابة، وأجزاء من إفريقيا تتحمل أثقل الأعباء، في حين تحصل الدول المصدّرة للطاقة على بعض التعويض عبر ارتفاع إيرادات الهيدروكربونات. وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يقع هذا الانقسام في صلب القصة: إذ تضم المنطقة مصدّرين كباراً للطاقة يستفيدون من ارتفاع الأسعار، واقتصادات مستوردة تواجه فاتورة خارجية أثقل ودعماً أغلى للوقود وضغوطاً على التضخم والاحتياطيات.
ماذا يعني ذلك للمنطقة ولبرنامج مصر
بالنسبة لصنّاع السياسات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يعزز إطار الصندوق انضباطاً مألوفاً: الإبقاء على مرونة أسعار الصرف، وإبقاء السياسة النقدية متشددة بما يكفي لخفض التضخم، ومواصلة ضبط أوضاع المالية العامة لحماية استدامة الدين. وهذه تحديداً هي الشروط التي يتابعها الصندوق في مصر، أكبر اقتصادات المنطقة سكاناً وأحد أكبر الدول المستفيدة من برامج الصندوق.
زارت بعثة من خبراء الصندوق القاهرة في مايو لإجراء المراجعة السابعة في إطار تسهيل الصندوق الممدّد والمراجعة الثانية في إطار تسهيل الصلابة والاستدامة. وقالت مديرة الاتصالات في الصندوق جولي كوزاك في 4 يونيو إن المناقشات تركزت على استجابة السلطات للأوضاع الإقليمية إلى جانب التقدم في الإصلاحات الهيكلية، وإن المحادثات مستمرة افتراضياً نحو التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء. ووصفت حزمة سياسات مصر بأنها تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي وصون الهوامش وتقليص مواطن الضعف عبر نظام مرن لسعر الصرف وسياسة نقدية متشددة بالقدر المناسب لخفض التضخم ومواصلة ضبط المالية العامة لتعزيز استدامة الدين، إلى جانب إصلاحات هيكلية لتقليص البصمة الاقتصادية للدولة وتعزيز الحوكمة والشفافية. وأطّرت كوزاك الصرف المقبل بأنه مشروط: ففي حال التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء، يُتوقع إتمام المراجعة خلال الصيف، وبعد موافقة المجلس التنفيذي للصندوق، سيؤدي ذلك إلى صرف نحو 1.6 مليار دولار.
وسيُبنى ذلك على المراجعتين الخامسة والسادسة اللتين أتمهما المجلس التنفيذي في 25 فبراير وأتاحتا لمصر سحب نحو 2.3 مليار دولار، منها نحو 2.0 مليار في إطار تسهيل الصندوق الممدّد ونحو 273 مليوناً في إطار تسهيل الصلابة والاستدامة. وقد جرى تمديد ترتيب تسهيل الصندوق الممدّد البالغ 8 مليارات دولار، المتفق عليه في 2024، حتى 15 ديسمبر 2026. وحتى اليوم لم ينشر الصندوق اتفاقاً على مستوى الخبراء أو إشعاراً بإتمام المراجعة السابعة، لذا تبقى شريحة الـ1.6 مليار دولار مرتقبة لا مؤكدة.
لماذا يهم
قراءة الصندوق مقياس لواقع المنطقة المزدوج السرعة. فبالنسبة لمصر وغيرها من الاقتصادات المستوردة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الرسالة هي أن التمويل الخارجي ومسار الإصلاح الموثوق وخفض التضخم تظل الحاجز في وجه بيئة خارجية أكثر كلفة، في حين تخفف الأسعار الأعلى الصدمة ذاتها عن الدول المصدّرة للطاقة في الخليج. وتحذير الصندوق من هيمنة المخاطر السلبية ومن أن الدول ذات الحيّز المحدود هي الأكثر تعرضاً يبقي الضوء مسلطاً على تنفيذ الإصلاحات وعلى ما إذا كانت مصر ستؤمّن اتفاقها على مستوى الخبراء والـ1.6 مليار دولار المرتبطة به خلال الصيف، وهو إنجاز من شأنه تعزيز الثقة في مسار تمويلها مع دخول 2027.
نظرة مستقبلية
يتجه الاهتمام الآن إلى ما إذا كان الصندوق والقاهرة سيعلنان اتفاقاً على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة في الأسابيع المقبلة، وإلى التحديث المقبل لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي لأي تعديل على توقعات النمو العالمي البالغة 3.1% والتضخم البالغ 4.4%، وإلى أسعار الطاقة التي تبقى القناة الرئيسية التي تنتقل عبرها التوترات الإقليمية إلى التضخم العالمي وإلى تباين حظوظ المنطقة.
المصدر: صندوق النقد الدولي.

