نمو الاقتصاد الأميركي في الربع الأول يُرفع إلى 2.1% مع تسارع التضخم في مايو وتباطؤ طلبيات المصانع ومبيعات المنازل
قدّم أكبر اقتصاد في العالم صورة متباينة هذا الأسبوع، إذ جرى رفع نمو الربع الأول بوضوح مع تسارع مقياس التضخم المفضّل لديه في مايو، حتى مع إشارة بيانات حديثة إلى ضعف الطلب على السلع المعمّرة باهظة الثمن والمنازل الجديدة. وفي مجملها، تشير البيانات إلى اقتصاد نما في مطلع العام بصلابة أكبر مما قُدّر أولاً، مع عودة التضخم إلى التسارع وصمود الإنفاق الاستهلاكي، لكن مع تباطؤ أجزاء منه مع انتقال هذا الزخم إلى الربع الثاني بصورة غير متوازنة.
رفع النمو لكن التضخم يبقى عنيداً
نما الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بمعدل سنوي بلغ 2.1% في الربع الأول، وفق التقدير الثالث الصادر عن مكتب التحليل الاقتصادي في 25 يونيو. ويمثّل ذلك مراجعة صعودية بمقدار نصف نقطة مئوية عن التقدير الثاني البالغ 1.6%، كما تجاوز القراءة الأولية البالغة 2.0%، ليصبح مسار نمو الربع 2.0% ثم 1.6% ثم 2.1% عبر التقديرات الثلاثة. ويصف المكتب هذا بأنه التقدير الثالث وليس رقماً نهائياً، إذ قد تعدّله المراجعات السنوية اللاحقة.
نجمت الزيادة أساساً عن مراجعة هبوطية للواردات التي تُطرح من الناتج ومن ثم رفعت الرقم الإجمالي حين خُفّضت، قابلها جزئياً تراجع الإنفاق الاستهلاكي، حيث خُفّض الإنفاق على الخدمات المالية والتأمين والسفر الدولي. أما المقياس الأنقى للطلب المحلي الأساسي، أي صافي المبيعات النهائية للمشترين المحليين من القطاع الخاص، فقد خُفّض إلى 1.7% من 2.4% في التقدير السابق، في تذكير بأن قوة الرقم الإجمالي عائدة جزئياً إلى حسابات التجارة لا إلى طلب أقوى من الأسر. وعلى صعيد التضخم ضمن تقرير الناتج، بقي مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي الشخصي الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة وهو المقياس المفضّل لدى الفيدرالي، عند 4.4% للربع، فيما بلغ المؤشر الأوسع 4.6%، وكلاهما أعلى بكثير من هدف الـ2% ويفسّر حذر البنك المركزي في خفض الفائدة.
التضخم يعاود التسارع في مايو مع صمود الإنفاق
أكدت بيانات شهرية أحدث أن ضغوط الأسعار تتصاعد من جديد. ففي تقرير الدخل والإنفاق الشخصي الصادر عن مكتب التحليل الاقتصادي، ارتفع مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي الشخصي 0.4% في مايو عن أبريل و4.1% عن العام السابق، وهو أسرع وتيرة سنوية منذ نحو ثلاث سنوات. وارتفع المؤشر الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، 0.3% شهرياً و3.4% سنوياً. وهذه القراءات الشهرية، خلافاً للرقم الأساسي الفصلي البالغ 4.4% المضمّن في تقرير ناتج الربع الأول، تعكس أحدث اتجاه، ويشير ارتفاعها السنوي إلى زخم متجدد في الأسعار بدلاً من استمرار تراجع التضخم.
والأهم أن التسارع جاء مصحوباً بطلب أقوى لا أضعف. فقد ارتفع الدخل الشخصي 0.7% في مايو، كما زاد الإنفاق الاستهلاكي بالقيمة الجارية 0.7%، بقيادة ارتفاع بقيمة 94.3 مليار دولار في الإنفاق على الخدمات و61.8 مليار دولار على السلع، فيما ارتفع الإنفاق الحقيقي المعدّل بحسب الأسعار 0.3%. وبقي معدل الادخار الشخصي عند 3.0%. ويجعل اجتماع تسارع الأسعار وصمود الإنفاق تبرير خفض الفائدة قريباً أصعب، وإن أشار رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أنه يتوقع تراجع ضغوط الأسعار بمرور الوقت.
طلبيات المصانع تهبط بفعل الطائرات لكن الإنفاق الرأسمالي الأساسي يصمد
هبطت طلبيات السلع المعمّرة الأميركية 4.5% في مايو إلى نحو 332.1 مليار دولار، وفق التقرير الأولي لمكتب الإحصاء، في تحول حاد بعد أبريل قوي جرى رفعه إلى زيادة 8.5%. وتركّز الهبوط الإجمالي في قطاع النقل، حيث انخفضت الطلبيات 14.0% مع تخلّي حجوزات الطائرات التجارية عن قفزة الشهر السابق، وهي فئة شديدة التقلب. وباستبعاد النقل، ارتفعت الطلبيات فعلياً 1.3%، كما زادت طلبيات السلع الرأسمالية الأساسية باستثناء الدفاع والطائرات، وهي مؤشر متابَع عن كثب لاستثمار الشركات، بنسبة 1.6%. وتشير التفاصيل بذلك إلى نوايا استثمارية أساسية أقوى مما يوحي به الهبوط الإجمالي.
مبيعات المنازل الجديدة تتراجع مع تراكم المعروض
هبطت مبيعات المنازل الجديدة لأسرة واحدة 7.3% في مايو إلى معدل سنوي معدّل موسمياً بلغ 580 ألف وحدة، نزولاً من 626 ألفاً معدّلة في أبريل و6.8% دون مستوى العام السابق، مع ارتفاع المعروض من المنازل الجديدة في السوق إلى 10.3 أشهر من 9.3 أشهر في أبريل. وقراءة المعروض التي تتجاوز عشرة أشهر تشير إلى سوق متباطئة يتراكم فيها المخزون أسرع مما يستوعبه المشترون، بما يتسق مع ضغط معدلات الرهن العقاري المرتفعة على الطلب السكني. وبلغ متوسط سعر البيع 424,900 دولار، بارتفاع 2.0% عن أبريل ودون تغيّر يُذكر عن العام السابق، بما يشير إلى ثبات الأسعار حتى مع تباطؤ أحجام المبيعات.
سوق العمل لا يزال صامداً
بقي سوق العمل صامداً. فقد تراجعت طلبات إعانة البطالة الأولية 12 ألفاً إلى 215 ألفاً في الأسبوع المنتهي في 20 يونيو، وبقي المتوسط المتحرك لأربعة أسابيع، الذي يخفّف التذبذب الأسبوعي، شبه ثابت عند نحو 224,250. وارتفعت الطلبات المستمرة إلى نحو 1.82 مليون، في إشارة إلى أنه رغم بقاء التسريحات منخفضة، يستغرق بعض العاطلين وقتاً أطول للعثور على عمل جديد. ويدل المستوى المنخفض للطلبات الجديدة على أن أرباب العمل ما زالوا يتمسكون بموظفيهم، وهو دعم رئيسي للإنفاق الاستهلاكي حتى مع تباطؤ مؤشرات أخرى.
لماذا يهم
بالنسبة للأسواق في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وعالمياً، يتجلى الأثر الأكبر عبر الاحتياطي الفيدرالي والدولار. فنمو الربع الأول الأقوى، إلى جانب تضخم مايو الأساسي عند 3.4% ومؤشر الإنفاق الاستهلاكي الإجمالي عند أعلى مستوى في نحو ثلاث سنوات بلغ 4.1%، مع استمرار ارتفاع الإنفاق، يمنح الفيدرالي سبباً ضئيلاً للتسرع في خفض الفائدة، ما ينزع إلى دعم الدولار والعوائد الأميركية، وهي ديناميكية تنتقل مباشرة إلى ربط عملات المنطقة وفواتير الاستيراد وتكاليف التمويل الخارجي. وفي الوقت ذاته، تلمّح قراءات مايو الأضعف لطلبيات المصانع والإسكان إلى تباطؤ في الزخم قد يدعو، إذا اتسع، إلى سياسة أكثر تيسيراً لاحقاً. وبالنسبة لمصدّري الطاقة في الخليج، يمثّل صمود الطلب الأميركي إشارة داعمة لاستهلاك النفط، فيما يبقى مسار الدولار والفائدة الأميركية القناة الأقرب أثراً على الاقتصادات المستوردة في المنطقة.
نظرة مستقبلية
ينتقل التركيز الآن إلى ما إذا كانت بيانات مايو الأضعف تمثّل بداية تباطؤ في الربع الثاني أم تعثراً لشهر واحد، وإلى قراءات الإنفاق الاستهلاكي الأساسي ووظائف الرواتب المقبلة لمسار التضخم وسوق العمل، وإلى كيفية موازنة الاحتياطي الفيدرالي بين التضخم العنيد والإشارات المبكرة على تباطؤ الطلب في اجتماعه المقبل.
المصدر: مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي؛ مكتب الإحصاء الأميركي؛ وزارة الإسكان والتنمية الحضرية الأميركية؛ وزارة العمل الأميركية.

