مصر تبيع حصصاً لدائنيها: البنك الأوروبي لإعادة الإعمار ومؤسسة التمويل الدولية يستهدفان 10 في المئة من طرحين حكوميين
يتقارب طرحان حكوميان مصريان في الهيكل نفسه وفي المشترين أنفسهم، والمؤسسات المعنية ليست وافدة جديدة، بل هي الدائن القائم بالفعل.
يعتزم البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية ومؤسسة التمويل الدولية الاستحواذ على 10 في المئة من بنك القاهرة عبر طرحه المرتقب في البورصة المصرية، بحسب ما نقلته “بلومبرغ” في 15 أغسطس عن مصادر طلبت عدم نشر أسمائها. وقال مسؤول في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في رد مسجّل، إن البنك يعتزم المساهمة في رأسمال بنك القاهرة بهدف جذب مزيد من المستثمرين وتعزيز الثقة في قوة مركزه المالي، مضيفاً أن حصة البنك الأوروبي “قد تصل إلى 5 في المئة”، وأن مساهمة المؤسسات الدولية ستبلغ 10 في المئة من إجمالي رأس المال بعد انضمام مؤسسة التمويل الدولية.
وفي اليوم التالي، أفادت المنصة نفسها بأن ست مؤسسات استثمارية دولية وإفريقية وعربية تتفاوض على 10 في المئة من طرح شركة “مصر لتأمينات الحياة”، نقلاً عن مسؤول طلب عدم نشر اسمه. ويضم هذا التجمع، وفق المسؤول، مؤسسة التمويل الدولية والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى جانب أربعة صناديق استثمارية إفريقية وعربية، مع احتمال إتمام الاتفاق والتوقيع النهائي مع مؤسسة التمويل الدولية خلال أيام.
المؤسستان التنمويتان نفساهما، والنسبة نفسها البالغة 10 في المئة، في عمليتي بيع حكوميتين منفصلتين خلال أسبوعين.
ما تكشفه سجلات المؤسستين
يثبت البحث في إفصاحات المشروعات والبيانات الصحفية الخاصة بالبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية ومؤسسة التمويل الدولية أمرين.
الأول أن أياً من المؤسستين لم تفصح علناً عن مساهمة في رأس المال في أي من الطرحين. فقاعدة بيانات مشروعات البنك الأوروبي وبوابة إفصاحات مؤسسة التمويل الدولية لا تتضمنان أي قيد لعام 2026 يتعلق باستثمار في رأسمال بنك القاهرة أو “مصر لتأمينات الحياة”. وبحسب سجلات المؤسستين، فإن هاتين الصفقتين غير قائمتين بعد.
والثاني، وهو الأكثر دلالة، أن كلتيهما مقرض قديم لبنك القاهرة. إذ تُدرج قاعدة بيانات البنك الأوروبي سلسلة من التسهيلات الممنوحة للبنك، تشمل قروضاً ممتازة لإعادة الإقراض للمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وقرضاً مسانداً، وتسهيلاً ضمن برنامج المرأة في الأعمال. كما دخلت مؤسسة التمويل الدولية في شراكة منفصلة مع بنك القاهرة في مجال التمويل المناخي، ومع الشركة القابضة “مصر للتأمين”، الشركة الأم الحكومية لشركة “مصر لتأمينات الحياة”، في تطوير قطاع التأمين.
وهؤلاء ليسوا مستثمرين من الخارج يجري استمالتهم، بل دائنون ومستشارون قائمون يُطلب منهم تحويل علاقاتهم إلى ملكية. ولهذا التمييز أهميته في قراءة الطرحين: فالركيزة تأتي من مؤسسات تحمل بالفعل انكشافاً ائتمانياً على المصارف المصرية وتعرف الدفاتر.
الرقم الذي يفسّر الاستعجال
تباطأ برنامج الطروحات الحكومية في مصر بحدة، وبيانات الحكومة نفسها تُظهر ذلك.
جمعت المرحلة الأولى نحو 3.11 مليار دولار، والثانية نحو ملياري دولار، ولم تتجاوز الثالثة 625 مليون دولار، فيما بلغت الرابعة نحو 142 مليون دولار فقط، أي بتراجع يناهز 95 في المئة بين المرحلتين الأولى والرابعة.
وقياساً بالسجل الإجمالي للبرنامج، جمعت مصر نحو 5.8 مليار دولار بين يونيو 2022 ويونيو 2025، أي نحو 47.5 في المئة من حصيلة مستهدفة تبلغ 12.2 مليار دولار. وبذلك يسير البرنامج عند أقل من نصف هدفه، فيما توقف زخمه من مرحلة إلى أخرى تقريباً.
وعلى خلفية هذا السجل، لا تُعد مشاركة بنوك التنمية أمراً عرضياً. فترسيخ طرحين متتاليين يوفّر ما افتقرت إليه المرحلتان الثالثة والرابعة بوضوح: مشترٍ مؤسسي ذو مصداقية مستعد للتسعير والالتزام قبل أن يُطلب من أموال التجزئة والمحافظ أن تحذو حذوه. والمبرر الذي ذكره مسؤول البنك الأوروبي، أي جذب مزيد من المستثمرين وتعزيز الثقة، يصف هذه الوظيفة بالضبط.
تفاصيل كل صفقة
تستهدف مصر بيع حصة تتراوح بين 30 و40 في المئة من بنك القاهرة، ثالث أكبر بنك مملوك للدولة، بهدف جمع ما بين 23 و32 مليار جنيه، أي نحو 460 إلى 650 مليون دولار، وفق مسؤول حكومي تحدث إلى “بلومبرغ” في مارس. وتبلغ القيمة العادلة التقديرية للبنك نحو 78 مليار جنيه، أي قرابة 1.5 مليار دولار. وعُيّنت “إي إف جي القابضة” و”سي آي كابيتال” لإدارة الطرح، إلى جانب “بيكر تيلي” مستشاراً مالياً مستقلاً. وقال وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد في أبريل إن الطرح سيتم خلال النصف الثاني من 2026، فيما أشار الرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة إلى نوفمبر، مع تغطية الحصة المطروحة خلال أسبوع واحد.
أما “مصر لتأمينات الحياة” فهي الأكبر طموحاً. إذ تستهدف مصر جمع 14 مليار جنيه، نحو 270.6 مليون دولار، من طرح عام أولي لحصة 20 في المئة، وهو ما وصفه وزير الاستثمار في أبريل بأنه أكبر طرح في تاريخ البورصة المصرية. ويتوزع الهيكل بالتساوي: 10 في المئة للطرح الخاص المخصص للمؤسسات الدولية ومستثمري القطاع الخاص، و10 في المئة للطرح العام. وتؤول الحصيلة بالكامل إلى الدولة وتُوجّه إلى خفض الدين العام. وتتبع الشركة الشركة القابضة “مصر للتأمين” المملوكة للصندوق السيادي، وهي أكبر شركة تأمين على الحياة في مصر. ويستهدف التنفيذ الربع الأخير من العام الجاري.
مشكلة التقييم لم تختفِ
قُيّدت أسهم بنك القاهرة في البورصة المصرية منذ 2017، لكن الطرح تأجل مراراً بسبب تقلبات الأسواق والخلافات حول التقييم. وفي يونيو 2025 تعثرت مفاوضات استحواذ بنك الإمارات دبي الوطني على البنك بسبب السعر، إذ رفع البنك الإماراتي عرضه إلى 1.5 مليار دولار بينما تمسكت الحكومة بتقييم 1.8 مليار دولار لكامل الأسهم، قبل أن تتجه إلى خيار الطرح في البورصة.
والقيمة العادلة التقديرية الحالية البالغة نحو 1.5 مليار دولار هي المستوى نفسه الذي عرضه بنك الإمارات دبي الوطني ورفضته الحكومة. فبعد أكثر من عام من التأجيل، أصبح التقييم الذي رفضته الدولة بوصفه منخفضاً هو التقييم الذي تعمل على أساسه. وتشير “بلومبرغ” إلى أن هذه التقديرات قد تتغير في ظل تحركات أسعار الصرف الناجمة عن الصراع الإقليمي.
وتبقى حيازات الدولة ضخمة: نحو 561 شركة تعمل في 18 نشاطاً اقتصادياً موزعة على 45 جهة حكومية، مع عمل الحكومة على إعداد حصر محدّث وخطة تفصيلية للتخارج.
ما الذي يجب مراقبته
الاختبار في هذين الطرحين ليس ما إذا كانا سيتمّان. فمع ترسيخ مؤسسات التنمية لخُمس كل منهما، من المرجح جداً أن يتمّا. الاختبار هو ما إذا كانا سيعيدان تشغيل برنامج جمعت مرحلته الأخيرة أقل من 5 في المئة مما جمعته مرحلته الأولى، وما إذا كان البنك الأوروبي لإعادة الإعمار ومؤسسة التمويل الدولية سيوثّقان هاتين الحصتين في سجلات إفصاحهما، بما يحوّل ما ورد أعلاه إلى صفقات مؤكدة.
المصادر
“بلومبرغ”، 15 و16 أغسطس 2026، بما في ذلك تصريح مسجّل لمسؤول في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية · قاعدة بيانات مشروعات البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية · إفصاحات مشروعات مؤسسة التمويل الدولية وبياناتها الصحفية · بيانات حكومية مصرية وفق ما نُقل. تحليل فريق أبحاث “ذي إيدج”.

