موازنة مصر الجديدة تدخل حيّز التنفيذ بإيرادات أعلى وزيادة أجور وفاتورة فائدة ثقيلة
دخلت موازنة مصر العامة للسنة المالية 2026/2027 حيّز التنفيذ في الأول من يوليو، مستهدفةً إيرادات إجمالية نحو 4.1 تريليون جنيه بارتفاع يقارب 32 بالمئة، إلى جانب إنفاق إجمالي نحو 5.2 تريليون جنيه وحزمة أجور للقطاع العام تتجاوز 100 مليار جنيه يبدأ سريانها هذا الشهر. وأقرّ البرلمان الموازنة نهائياً في 23 يونيو، مع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
على صعيد المستهدفات الرئيسية، تستهدف الحكومة عجزاً في الموازنة بنسبة 4.9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول يونيو 2027، وفائضاً أولياً نحو 1.2 تريليون جنيه أي قرابة 5 بالمئة من الناتج، ونمواً حقيقياً 5.4 بالمئة، وخفض نسبة الدين إلى الناتج إلى نحو 78 بالمئة بنهاية السنة المالية. ومن المتوقع أن تغطي الإيرادات نحو 79 بالمئة من الإنفاق، وفق حسابنا من رقمي الإيرادات 4.1 تريليون والإنفاق 5.2 تريليون، بما يترك فجوة تمويل إجمالية نحو 1.1 تريليون جنيه للعام.
وتتيح قراءة المستهدفات مجتمعةً استنتاج حجم الاقتصاد الكامن. فوجود فائض أولي نحو 1.2 تريليون جنيه يعادل نحو 5 بالمئة من الناتج يعني ناتجاً محلياً اسمياً نحو 24 تريليون جنيه للعام، وفق حسابنا، وعجز 4.9 بالمئة من هذه القاعدة يتسق مع فجوة التمويل البالغة نحو 1.1 تريليون جنيه. وعلى القاعدة نفسها البالغة 24 تريليوناً، تعادل إيرادات 4.1 تريليون نحو 17 بالمئة من الناتج، وإنفاق 5.2 تريليون نحو 22 بالمئة من الناتج، وفق حساباتنا، بما يوضح حجم ما تجبيه الدولة وتنفقه نسبةً إلى الاقتصاد.
والرقم الأكثر دلالةً ليس في العناوين بل مستنتَج منها. فوجود فائض أولي نحو 1.2 تريليون جنيه إلى جانب عجز إجمالي نحو 1.1 تريليون يعني أن فاتورة الفائدة تبلغ نحو 2.3 تريليون جنيه، وفق حسابنا بوصفها الفارق بين الرصيدين الأولي والإجمالي. وهذا قريب من 45 بالمئة من إجمالي الإنفاق ونحو 9.6 بالمئة من الناتج، وفق حساباتنا، وهو أكبر بند منفرد في الموازنة، يفوق الأجور ويفوق الدعم. ويتسق ذلك مع كلفة فائدة نحو 1.5 تريليون جنيه سُجّلت في الأشهر السبعة الأولى من السنة المالية السابقة وحدها. وهذا هو جوهر التوتر في الموازنة: الدولة تحقق فائضاً أولياً فعلياً، أي تجبي أكثر مما تنفق قبل الفائدة، ومع ذلك تبتلع خدمة الدين نحو نصف الإنفاق.
وفي مقابل ذلك تأتي الإجراءات الاجتماعية كبيرة. فترفع حزمة الأجور فاتورة رواتب الدولة إلى نحو 821 مليار جنيه بزيادة قرابة 21 بالمئة، أي نحو 15.8 بالمئة من إجمالي الإنفاق وفق حسابنا. وترفع الحد الأدنى للدخل الشهري لموظفي الدولة إلى 8,000 جنيه، أي 96,000 جنيه سنوياً، وتجمع علاوة أساسية بين 12 و15 بالمئة مع حافز شهري ثابت وبدلات محددة للعاملين في التعليم والصحة، تُصرف جميعها من رواتب يوليو. ويُخصَّص للدعم والحماية الاجتماعية نحو 832 مليار جنيه بارتفاع قرابة 12 بالمئة ونحو 16 بالمئة من الإنفاق، منها 175 مليار جنيه لدعم الغذاء، و55 مليار جنيه لبرنامجَي تكافل وكرامة للتحويلات النقدية، ونحو 120 مليار جنيه لدعم الطاقة والدعم بين القطاعات. ومجتمعةً، تستوعب الأجور والدعم الاجتماعي نحو 1.65 تريليون جنيه، أي قرابة ثلث الإنفاق كله، وفق حسابنا، وهو الثقل الموازن الذي تضعه الحكومة في مواجهة عبء الفائدة.
ويقع العبء الأكبر على جانب الإيرادات. فرفع الإيرادات 32 بالمئة يعني زيادة نحو 1 تريليون جنيه عن العام السابق، من نحو 3.1 تريليون، وفق حسابنا من معدل النمو المعلن. ويعتمد تحقيق ذلك على الإدارة الضريبية، ووتيرة النمو الاسمي مع تراجع التضخم، والإيرادات غير الضريبية بما فيها بيع الأصول، وهو ما يصنع الفرق بين هبوط نسبة الدين نحو مستهدف 78 بالمئة أو تعثّرها.
كما يلزم قراءة إجراءات الأجور في مقابل التضخم لقياس أثرها الحقيقي. فرفع الحد الأدنى للدخل العام إلى 8,000 جنيه شهرياً وتطبيق علاوات بين 12 و15 بالمئة مع حوافز شهرية ثابتة يرفع الأجر الاسمي، لكن المكسب في القوة الشرائية يتوقف على سرعة ارتفاع الأسعار خلال العام. ومع علاوات في نطاق منتصف العشرة بالمئة، صُمِّمت الحزمة لإبقاء رواتب القطاع العام متقدمةً عموماً على مستوى أسعار متراجع التضخم، لا لتحقيق قفزة حقيقية كبيرة، بما يتسق مع الهدف المزدوج لحماية الأسر مع الحفاظ على مسار الضبط المالي.
لماذا يهم: تحاول الموازنة الجمع بين هدفين معاً، الضبط المالي والحماية الاجتماعية، عند نقطة تبتلع فيها خدمة الدين وحدها نحو نصف الإنفاق وقرابة عُشر الناتج. واستهداف فائض أولي أوسع ونسبة دين أدنى مع تمويل زيادة كبيرة في الأجور والدعم يشير إلى أن الحكومة تريد حماية الأسر عبر كلفة معيشة مرتفعة دون التخلي عن مسار الضبط المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي. وبالنسبة لمصر والمنطقة الأوسع، تُشكّل مصداقية مستهدفات العجز والفائض الأولي كلفة التمويل الخارجي وثقة المستثمرين والجنيه. وموازنة تحقق فائضاً أولياً فعلياً مع خفض نسبة الدين نحو 78 بالمئة ستعزّز سردية خفض التضخم والإصلاح التي يتابعها المستثمرون الخليجيون والمقرضون متعددو الأطراف عن كثب.
نظرة مستقبلية: التنفيذ هو الاختبار، والعامل المرجّح هو فاتورة الفائدة. ويتوقف الأداء على حشد الإيرادات، ومسار أسعار الفائدة مع تراجع التضخم، ووتيرة خفض التضخم، واستمرار التقدم في برنامج صندوق النقد وحصيلة بيع الأصول. وتحقيق مستهدفَي الفائض الأولي والدين سيتيح تراجع خدمة الدين كنسبة من الإنفاق ويعزّز موقع مصر الخارجي المتحسّن، بينما يظل تعثّر الإيرادات أو استمرار كلفة التمويل مرتفعة أبرز المخاطر.
المصادر: وزارة المالية المصرية؛ الهيئة العامة للاستعلامات.

