ظاهرة “إل نينيو” فائقة القوة قد تعيد تسعير الأسواق في الغذاء والطاقة والمعادن والتأمين
يدفع ارتفاع احتمالات حدوث ظاهرة “إل نينيو” قوية للغاية المستثمرين إلى إعادة تقييم انكشافهم على قطاعات تمتد من الزراعة إلى التأمين، إذ يهدد هذا النمط المناخي إنتاجية المحاصيل ويرفع الطلب على الكهرباء وينذر بإعادة إشعال التضخم.
ووفقاً لـ”بلومبرغ”، نقلاً عن المركز الأميركي للتنبؤات المناخية، هناك احتمال بنحو 63% أن تتطور الظاهرة إلى حدث شديد القوة، يُعرف في الأسواق بشكل غير رسمي باسم “إل نينيو فائقة القوة”، بحلول عام 2027. وتبقى القوة والتوقيت والآثار الإقليمية غير مؤكدة. و”إل نينيو” نمط مناخي ناتج عن ارتفاع مستمر في درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي، ويمكن أن يجلب أمطاراً غزيرة لبعض المناطق وجفافاً لأخرى. وبدأت آثاره تظهر بالفعل، من تأخر بدء موسم الرياح الموسمية في الهند إلى توقف مؤقت لموسم الصيد في بيرو. وارتبط آخر حدث بهذه القوة بخسائر في الإنتاجية تجاوزت 7.8 تريليون دولار خلال السنوات اللاحقة، وفقاً لـ”بلومبرغ” نقلاً عن دراسة لكلية دارتموث.
وقال أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك: “تأتي ظاهرة إل نينيو في توقيت بالغ الحساسية”، مشيراً إلى أن سلاسل الإمداد لا تزال عرضة للمخاطر بعد أشهر من الاضطرابات. ويمكن لحدث أقوى أن يرفع درجات الحرارة في أجزاء من العالم ويزيد الطلب على الكهرباء ويضر بإنتاجية المحاصيل ويعقّد مهمة البنوك المركزية.
الزراعة والاستزراع المائي
يُرجّح أن يتحمل منتجو المحاصيل العبء الأكبر، وإن تفاوت التأثير بحسب المنطقة والسلعة. ففي إندونيسيا، أكبر منتج لزيت النخيل في العالم، تؤدي الأحوال الأكثر حرارة وجفافاً عادةً إلى تراجع الإنتاجية. ووفقاً لـ”يو بي إس”، قد يتأثر إنتاج الذرة والقمح عالمياً، وكذلك إنتاج السكر في آسيا؛ وقد حظرت الهند، ثاني أكبر منتج للسكر، الصادرات حتى نهاية سبتمبر، ما يضغط على شركات السكر مثل “شري رينوكا شوغرز” و”باجاج هندوستان شوغر”.
وقد يستفيد بعض المنتجين في أميركا اللاتينية من تحسّن الأمطار في الأرجنتين وارتفاع أسعار السكر، ومنهم “ساو مارتينيو” و”أديكواغرو”، وفقاً لمورغان ستانلي، بينما وجد إنتاج فول الصويا في الولايات المتحدة وجنوب البرازيل دعماً تاريخياً. كما قد تستفيد الشركات المرتبطة بالري وإدارة المياه مع تكيّف المزارعين مع الظروف الأكثر جفافاً، ومنها الهندية “في إيه تك واباغ” و”جاين إريغيشن سيستمز” و”أسترال” و”شاكتي بامبس إنديا”. وقد يكون منتجو زيت السمك بين المستفيدين أيضاً، بحسب سيباستيان براي من “بيرينبرغ”، مع بلوغ أسعار زيت السمك البيروفي مستويات قياسية بما يفيد منتجي زيوت أوميغا-3 من الطحالب مثل “كوربيون” الأوروبية.
الأسمدة
قد تكون شركات الأسمدة بين أبرز المستفيدين إذا قلّصت الأحوال الجوية إمدادات المحاصيل عالمياً ودعمت الطلب على المغذيات الرئيسية مثل النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم. وقال بن إيزاكسون من “سكوشا كابيتال” إنه يفضّل أسهم الأسمدة النيتروجينية قصيرة الدورة الأكثر استجابةً لتحركات الأسعار، مشيراً إلى شركات مثل “سي إف إندستريز” و”نيوترين”. لكن الجفاف بدأ يبطئ الطلب على البوتاس، وفقاً لأندرو وونغ من “آر بي سي كابيتال ماركتس”، ما يضغط على الشركات الأكثر انكشافاً على البوتاس مثل “موزاييك”. وقد يشهد مورّدو حماية المحاصيل، ومنهم “كورتيفا”، طلباً أقوى مع سعي المزارعين للحد من الخسائر.
الطاقة
قد تؤدي درجات الحرارة الأعلى إلى خفض الطلب على التدفئة في أميركا الشمالية، ما يشكل ضغطاً على شركات الغاز الطبيعي مثل “إيه بي إيه” و”إي كيو تي” و”رينج ريسورسز” و”إي أو جي ريسورسز”، إذ يصف غيب داود من “ترويست سيكيوريتيز” صيفاً معتدلاً وشتاءً أكثر دفئاً بأنه خلفية سلبية للطلب على الغاز. وفي آسيا، يُتوقع أن ترفع الحرارة الأعلى من المعتاد استخدام أجهزة التكييف وتضغط على شبكات الكهرباء؛ وقد ارتفعت أسهم شركات الكهرباء الصينية ومنها “غوانغدونغ إلكتريك باور” و”جينينغ هولدينغ شانشي إلكتريك باور” هذا العام، وفي الهند ترى “جيفريز” أن “جيه إس دبليو إنرجي” و”أداني إنرجي سولوشنز” قد تكونان من المستفيدين من زيادة الطلب على الكهرباء.
التعدين
قد تؤدي الأمطار الغزيرة في أجزاء من أميركا الجنوبية إلى تعطيل شبكات النقل وعمليات النحاس في تشيلي وبيرو، ما يشكل خطراً على أسهم المعادن والتصنيع المرتبطة بتلك السلاسل، ومنها “فريبورت-ماكموران” و”أنغلو أميركان”. وقد تضغط قيود الطاقة أيضاً على صهر الألمنيوم المعتمد على الطاقة الكهرومائية في مناطق مثل الصين. وفي إندونيسيا، قدّرت “يو بي إس” أن النمو الاقتصادي قد يتباطأ نحو 1% بعد أربعة فصول من الحدث، نتيجة الضغط على الزراعة والتعدين من الجفاف، ما يضع شركات مثل “بي تي أمان مينرال” و”بي تي ميرديكا كوبر غولد” في دائرة الاهتمام.
التأمين والخدمات المالية
قد يكون موسم الأعاصير الأضعف، الذي يمكن أن تجلبه ظاهرة إل نينيو، إيجابياً لشركات التأمين على الممتلكات في نصف الكرة الشمالي. وقال ماثيو بالازولا من “بلومبرغ إنتليجنس” إن ذلك قد يفيد شركات التأمين في المناطق المعرضة للأعاصير مثل فلوريدا، بينما أشار بول نيوسوم من “بايبر ساندلر” إلى أن معظم شركات التأمين الأميركية تستفيد من انخفاض تكاليف التعويضات، مسمياً “أولستيت” و”بروغريسيف” و”ترافيلرز” بين المستفيدين المحتملين. أما صورة القطاع المالي الأوسع فأقل وضوحاً: إذ يرى محللو “جيه بي مورغان تشيس” أن الظاهرة سلبية لبنوك بيرو نظراً لقدرتها على تعطيل نشاطي الصيد والزراعة، وفي الهند قد تتأثر مؤسسات التمويل الأصغر مثل “باندان بنك” بضعف موسم الأمطار.
لماذا يهم ذلك للمنطقة
بالنسبة لمنطقة الخليج والشرق الأوسط وشمال إفريقيا الأوسع، التي تستورد معظم غذائها، فإن أي ارتفاع تدفعه ظاهرة إل نينيو في أسعار الحبوب والسكر والزيوت الغذائية سينتقل مباشرة إلى فواتير الاستيراد وتضخم المستهلكين، وهو متغير رئيسي للبنوك المركزية التي لا تزال تحرس تباطؤاً تضخمياً تحقق بصعوبة. كما سترفع فصول الصيف الأكثر حرارة الطلب على الكهرباء وتحلية المياه في الخليج. وبالنسبة لمستثمري المنطقة السياديين والمؤسسيين، الذين يملكون محافظ أسهم عالمية كبيرة، تعيد هذه الظاهرة تشكيل التموضع عبر الزراعة والأسمدة والطاقة والتعدين والتأمين.
النظرة المستقبلية
يعتمد المسار من هنا على ما إذا كانت الظاهرة ستشتد خلال 2026 وصولاً إلى 2027. وسيتابع المستثمرون تحديثات المركز الأميركي للتنبؤات المناخية وانعكاساتها على أسعار السلع اللينة، بما يشكّل النظرة التضخمية والأداء النسبي للقطاعات الأكثر تعرضاً للطقس.
المصدر: بلومبرغ.

