بريتش بتروليوم وهاربر إنرجي تُعزّزان التنقيب عن الغاز في مصر مع استهداف القاهرة استعادة الإنتاج والعودة إلى التصدير
تستعد شركة بريتش بتروليوم (BP) وشركة هاربر إنرجي لتوسيع أنشطة التنقيب البحري في قطاع شرق البحر الأبيض المتوسط قبالة السواحل المصرية، في وقتٍ تسعى فيه الحكومة المصرية إلى عكس مسار التراجع في إنتاج الغاز الطبيعي وتعزيز موقع البلاد بوصفها مركزاً إقليمياً للطاقة.
ووفقاً لتقارير الأسواق والتصريحات المنسوبة إلى مسؤولين في الحكومة المصرية، يُتوقع أن تستثمر الشركتان نحو 150 مليون دولار في حفر بئر استكشافي يستهدف منطقة “غراب” البحرية في البحر الأبيض المتوسط. ومن المُقرر أن تبدأ أعمال الحفر في سبتمبر 2026، علماً بأن المشروع لا يزال خاضعاً للتقييم الفني والجيولوجي.
وتُمثّل عملية الحفر المرتقبة جزءاً من استراتيجية مصر الأوسع للإسراع في أنشطة التنقيب البحري، وزيادة إنتاج الغاز المحلي، ودعم هدف الحكومة بالعودة إلى التصدير الصافي للغاز الطبيعي بحلول عام 2027.
اكتشاف محتمل بأبعاد استراتيجية
تُشير التقديرات الأولية المُستشهد بها من قِبل المسؤولين إلى أن تركيب “غراب” قد يحتوي على نحو 975 مليار قدم مكعبة (bcf) من الغاز الطبيعي القابل للاستخراج، مع بقاء هذا الرقم خاضعاً للتأكيد عبر أعمال الحفر والتقييم اللاحقة.
وفي حال تأكيد التقديرات، فإن المورد يُعادل نحو 27.6 مليار متر مكعب (bcm) من الغاز الطبيعي. وللتوضيح، تُنتج مصر حالياً نحو 4 مليارات قدم مكعبة من الغاز يومياً، أي أن المورد المُقدّر يُعادل ما يقارب 244 يوماً من الإنتاج الوطني الحالي.
ويكتسب حجم الفرصة أهمية خاصة في ضوء أهداف مصر لاستعادة الإنتاج. إذ تستهدف الحكومة رفع إنتاج الغاز الوطني من نحو 4 مليارات قدم مكعبة يومياً اليوم إلى قرابة 6.6 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول 2030، أي بزيادة قدرها نحو 65% خلال السنوات المقبلة.
ورغم أن مشاريع التنقيب تحمل بطبيعتها مخاطر جيولوجية، فإن مستوى الاستثمار المُعلَن يكشف عن اقتصاديات المشروع. فاستناداً إلى التقدير الأولي للموارد، فإن إنفاقاً استكشافياً قدره 150 مليون دولار يُمثّل نحو 0.15 دولار لكل ألف قدم مكعبة من الموارد الغازية المحتملة، وهي نسبة جذابة نسبياً مقارنةً بكثير من مشاريع التنقيب البحري في المناطق الحدودية.
ميزة البنية التحتية قد تُحسّن الاقتصاديات
من أهم العوامل الداعمة للجدوى التجارية للمشروع قربه من البنية التحتية القائمة في منطقة تطوير دلتا غرب النيل في مصر.
وتُشغّل شركة بريتش بتروليوم حالياً مشروع دلتا غرب النيل بحصة قدرها 82.75%، فيما تمتلك شركة هاربر إنرجي الحصة المتبقية البالغة 17.25%. ويمكن أن تُسهم البنية التحتية البحرية ومرافق المعالجة وشبكات النقل القائمة في خفض كلفة التطوير بشكل ملموس، وتسريع الوصول إلى السوق في حال تأكيد وجود كميات تجارية من الغاز.
وقد بات هذا النهج التطويري المستند إلى البنية التحتية القائمة أكثر أهمية في قطاع الاستكشاف والإنتاج عالمياً. فبدلاً من تشييد منشآت جديدة بالكامل، يُركّز المُشغّلون بشكل متزايد على الاكتشافات التي يمكن ربطها بأنظمة الإنتاج القائمة، مما يُحسّن كفاءة رأس المال ويُقلّل من مخاطر المشروع.
وبذلك يستفيد بئر “غراب” المقترح ليس فقط من إمكاناته الموردية، بل أيضاً من موقعه ضمن منطقة منتجة مكتملة البنية.
دعم استراتيجية الطاقة في مصر
يندرج برنامج التنقيب ضمن جهود أوسع تبذلها السلطات المصرية لإحياء إنتاج الغاز المحلي بعد تراجع المخرجات في السنوات الأخيرة، الذي أدى إلى زيادة الاعتماد على واردات الغاز الطبيعي المسال (LNG) والإمدادات المستوردة.
وقد طرحت الحكومة خططاً لحفر نحو 14 بئراً استكشافياً عبر البحر الأبيض المتوسط، وتقييم ما يصل إلى 12 تريليون قدم مكعبة من الموارد الغازية المحتملة. وفي الوقت ذاته، عجّلت السلطات جهودها لتحسين البيئة الاستثمارية أمام شركات الطاقة الدولية.
وقد ساعد التقدّم الأخير في تقليص متأخرات المدفوعات المستحقة للمُشغّلين الأجانب في استعادة ثقة المستثمرين وتشجيع التزامات إنفاق رأسمالي مُتجدّدة من كبرى شركات الطاقة الدولية العاملة في مصر.
وتمتد أهمية هذه المبادرات إلى ما هو أبعد من أمن الطاقة المحلي. فبعد تطوير حقل ظهر العملاق، برزت مصر بوصفها مصدّراً إقليمياً مهماً للغاز الطبيعي المسال. غير أن ارتفاع الطلب المحلي وتراجع الإنتاج من الحقول الناضجة قلّلا من توافر الفائض التصديري في السنوات الأخيرة.
ومن ثَمّ، قد يُسهم نجاح “غراب” في كلٍّ من أمن الإمدادات المحلية وطموح الحكومة المصرية لاستعادة موقع مصر كمصدّر صافٍ للغاز.
التطوير التجاري لا يزال مرهوناً بالدراسات الفنية
على الرغم من التقديرات الأولية المشجّعة، لا يزال المشروع في مرحلة مبكرة.
ووفقاً للتصريحات المنسوبة إلى المسؤولين، تُجري شركتا بريتش بتروليوم وهاربر إنرجي حالياً دراسات فنية وجيولوجية قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن التطوير. ويتطلب الإنتاج التجاري نتائج حفر ناجحة، وأعمال تقييم، وتحليل اقتصادي، والموافقة على خطة تطوير.
ونتيجةً لذلك، ينبغي النظر إلى تقدير 975 مليار قدم مكعبة باعتباره مؤشراً أولياً على الموارد، لا رقم احتياطي مؤكد.
غير أن المشروع يُبرز الزخم المتنامي في قطاع التنقيب البحري في مصر، ويُعزز الأهمية الاستراتيجية المستمرة لموارد غاز البحر الأبيض المتوسط بالنسبة لمصر وشركات الطاقة الدولية على حدٍّ سواء.
الخلاصة
يُمثّل بئر “غراب” الاستكشافي المقترح أكثر من مجرد استثمار في قطاع التنقيب والإنتاج. فهو يعكس جهد مصر الأوسع لاستعادة نمو الإنتاج، وتعزيز أمن الطاقة، وإعادة موقعها بوصفها مركزاً إقليمياً لتصدير الغاز.
وفي حال تأكيد الحفر للإمكانات الموردية المُقدّرة، يمكن للاكتشاف أن يُقدّم مساهمة ذات معنى في آفاق الإنتاج طويل الأجل في مصر، مع تعزيز دور البحر الأبيض المتوسط بوصفه من أهم أحواض الغاز الطبيعي في المنطقة.
وبينما يظل النجاح التجاري مرهوناً بنتائج الحفر والدراسات الفنية اللاحقة، يُجسّد المشروع تجدد ثقة المُشغّلين الدوليين في قطاع الاستكشاف والإنتاج المصري، وعزم الدولة على تسريع استراتيجيتها للتعافي في مجال الطاقة.
المصادر: تقارير الأسواق ومصادر القطاع، إفصاحات شركة بريتش بتروليوم، والتصريحات المنسوبة إلى مسؤولين في الحكومة المصرية.

