مخاطر الفائدة العالمية تتحول صعوداً مع ترقب الاحتياطي الفيدرالي وبنك اليابان بعد رفع المركزي الأوروبي
تدفع صدمة التضخم المتجددة مخاطر أسعار الفائدة إلى الارتفاع في عدد من الاقتصادات المتقدمة الكبرى، لكن التحول الحالي لا يمثل دورة تشديد نقدي متزامنة. فقد رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بالفعل، بينما ترجح الأسواق بقوة أن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الفائدة هذا الأسبوع، ويتوقع معظم الاقتصاديين أن يتجه بنك اليابان إلى التشديد، في حين يُرجح أن يبقي بنك إنجلترا وبنك كندا أسعار الفائدة دون تغيير في الوقت الراهن.
والعامل المشترك أصبح واضحاً بصورة متزايدة، إذ لا تستطيع البنوك المركزية التحكم في أسعار الطاقة العالمية، لكنها تستطيع محاولة منع صدمة طاقة ممتدة من الانتقال إلى الأجور وتوقعات التضخم ومنظومة الأسعار الأوسع. والنتيجة هي تحول صعودي في مخاطر التضخم وأسعار الفائدة، لكن مع اختلاف واضح في استجابات السياسة النقدية من اقتصاد إلى آخر.
مجلس الاحتياطي الفيدرالي هو الاختبار الأقرب
تعقد اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة اجتماعها يومي 15 و16 سبتمبر، بينما لا يزال النطاق المستهدف لسعر الفائدة عند 3.50 في المئة إلى 3.75 في المئة. وكان قرار يوليو بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير منقسماً بالفعل بصورة غير معتادة، إذ جاء التصويت بنتيجة 9 مقابل 3، مع تفضيل بيث هاماك ونيل كاشكاري ولوري لوغان رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس.
ومنذ ذلك الحين تعززت مبررات التشديد النقدي من زاوية التضخم. فقد ارتفعت أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة بنسبة 0.4 في المئة في أغسطس، بينما استقر معدل التضخم السنوي عند 3.4 في المئة. كما ارتفع التضخم الأساسي بنسبة 0.3 في المئة على أساس شهري، بينما تراجع إلى 2.4 في المئة على أساس سنوي. وارتفعت أسعار البنزين بنسبة 3.9 في المئة وأسهمت بأكثر من ثلث الزيادة الشهرية في التضخم العام.
لكن التقرير لم يكن مجرد قصة مرتبطة بالطاقة. فارتفاع التضخم الأساسي الشهري إلى 0.3 في المئة بعد 0.2 في المئة في يوليو عزز الحجة القائلة إن مجلس الاحتياطي الفيدرالي لا يستطيع تجاهل صدمة التضخم العام باعتبارها مؤقتة بالكامل. وكانت ذي إيدج قد تناولت بيانات التضخم الأميركية بصورة منفصلة يوم الجمعة.
وتحول تسعير الأسواق بصورة حادة بعد صدور البيانات. وبحلول يوم الجمعة كانت العقود المرتبطة بأسعار الفائدة تشير إلى احتمال يبلغ نحو 85 في المئة لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع سبتمبر، مقارنة بنحو 70 في المئة قبل صدور تقرير التضخم.
ويضع ذلك القرار مباشرة أمام المعيار الذي حدده رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش في جاكسون هول. فقد قال وارش إن التركيز الرئيسي في المرحلة الحالية يجب أن ينصب على الأسعار، وإن على صانعي السياسة التأكد من أن التضخم الأساسي يتحرك نحو مستوى 2 في المئة بصورة واضحة وبوتيرة كافية، وإلا فإن هناك مزيداً من العمل المطلوب. وبذلك لا تكمن القضية في ما إذا كان المجلس ملزماً بمجاراة احتمال محدد تعكسه العقود الآجلة، وإنما في ما إذا كانت البيانات الجديدة لا تزال تتفق مع دالة رد الفعل التي أعلنها رئيسه.
اليابان هي المرشح الثاني الأكثر وضوحاً للتشديد
يدخل بنك اليابان اجتماعه يومي 17 و18 سبتمبر مع بقاء سعر الفائدة قصير الأجل عند 1.0 في المئة، وهو المستوى الذي جرى اعتماده في يونيو.
وأظهر استطلاع أجرته رويترز بين 1 و8 سبتمبر أن 66 من أصل 68 اقتصادياً، أي نحو 97 في المئة، يتوقعون أن يرفع بنك اليابان سعر الفائدة إلى 1.25 في المئة في 18 سبتمبر، ارتفاعاً حاداً من 57 في المئة في الاستطلاع السابق.
وفي حال تحقق ذلك، ومع صحة توقعات الأسواق بشأن الولايات المتحدة، فستكون اليابان والولايات المتحدة قد انضمتا إلى منطقة اليورو في تشديد السياسة النقدية خلال فترة زمنية متقاربة، وإن كانت الدوافع المحلية مختلفة من اقتصاد إلى آخر. وتجمع الحالة اليابانية بين اتساع ضغوط الأسعار المحلية وضعف الين وبين الخلفية التضخمية العالمية، ما يجعل دالة رد فعل بنك اليابان مختلفة عن نظيرتيها لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي.
بريطانيا وكندا توضحان غياب دورة تشديد متزامنة
يقدم بنك إنجلترا أوضح مثال مضاد لوصف المرحلة الحالية بأنها موجة عامة من رفع أسعار الفائدة. فسعر الفائدة لديه يبلغ 3.75 في المئة، وفي اجتماع يوليو صوت 6 أعضاء في لجنة السياسة النقدية لصالح الإبقاء على الفائدة دون تغيير، بينما فضل 3 أعضاء رفعها إلى 4.00 في المئة. وقال البنك إن الموقف المناسب للسياسة النقدية سيعتمد على حجم صدمة الطاقة ومدتها ومدى انتقالها إلى بقية الاقتصاد.
وتوقع جميع الاقتصاديين الـ65 المشاركين في استطلاع أجرته رويترز بين 4 و8 سبتمبر أن يبقي بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير في 17 سبتمبر، كما توقع معظمهم بقاءها مستقرة حتى نهاية 2026. وهذا التمييز مهم، فقد دفعت صدمة التضخم توزيع المخاطر إلى الاتجاه الصعودي لكنها لم تجعل رفع الفائدة الفوري الاستجابة المفضلة في جميع الاقتصادات.
وتتبع كندا التمييز نفسه. فقد أبقى بنك كندا سعر الفائدة عند 2.25 في المئة في 2 سبتمبر، وقال إن التضخم ظل يدور حول 3 في المئة بصورة رئيسية بسبب استمرار ارتفاع أسعار البنزين، في حين بلغ التضخم باستثناء البنزين 2.2 في المئة وظلت مقاييس التضخم الأساسي قريبة من 2 في المئة في يوليو.
ومع ذلك قال البنك إن المخاطر الصعودية للتضخم ارتفعت، وحذر من أن استمرار أسعار النفط المرتفعة وهوامش التكرير عند مستويات عالية لفترة أطول يزيد احتمال انتقال تكاليف الطاقة إلى أسعار سلع وخدمات أخرى. وفي الوقت الراهن قال إن الأدلة على حدوث هذا الانتقال على نطاق واسع لا تزال محدودة.
وتكاد هذه أن تكون المشكلة نفسها التي تواجه البنك المركزي الأوروبي ومجلس الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا، وهي هل ينبغي الاستجابة أساساً للأثر الأولي لصدمة الطاقة أم لاحتمال أن يؤدي استمرارها في النهاية إلى تضخم محلي أوسع نطاقاً. وتختلف الإجابات لأن الظروف الاقتصادية المحلية تختلف.
التحول العالمي يكمن في ميزان المخاطر
يمثل رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في 10 سبتمبر أوضح خطوة مكتملة حتى الآن. وسيرتفع سعر الفائدة على تسهيلات الإيداع إلى 2.50 في المئة اعتباراً من 16 سبتمبر، بينما يتوقع البنك أن يظل التضخم أعلى بكثير من هدفه البالغ 2 في المئة لفترة ممتدة.
وقد يضيف مجلس الاحتياطي الفيدرالي وبنك اليابان زيادتين جديدتين هذا الأسبوع. أما بنك إنجلترا فيُتوقع أن ينتظر، في حين اختار بنك كندا بالفعل الانتظار مع إبقاء الباب مفتوحاً للتحرك إذا تفاقمت مخاطر التضخم.
ولا يمثل ذلك تشديداً نقدياً متزامناً بالمعنى الدقيق، لكنه يعكس تحولاً في البيئة النقدية العالمية. ففي مرحلة سابقة من الدورة كان السؤال الرئيسي هو مدى سرعة قدرة البنوك المركزية على تخفيف السياسة النقدية المقيدة مع تراجع التضخم. أما صدمة الطاقة فقد دفعت السؤال في الاتجاه المعاكس، أي ما مقدار التشديد الإضافي، إن لزم، لمنع التضخم المستورد والمؤقت من التحول إلى تضخم محلي مستمر.
لماذا يهم: الأهمية ليست في أن عدة بنوك مركزية تتحرك في الاتجاه نفسه، فهي لا تفعل. بل في أن الصدمة ذاتها تنتج قرارات متعاكسة في اقتصادات تواجه الحساب نفسه، وأن الانقسام يقوم على التقدير لا على البيانات. فمجلس الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا وبنك كندا ينظرون جميعاً إلى تضخم عام مدفوع بالطاقة مع مؤشرات أساسية محتواة تحته، ويصلون إلى استنتاجات مختلفة بشأن التحرك الآن أو انتظار أدلة على الانتقال. وبالنسبة إلى المقترضين وإلى الأسواق التي تسعّر أسعار الفائدة النهائية، فإن ذلك يعني أن عدم اليقين انتقل من مسار التضخم إلى درجة تحمل كل لجنة، وهو أمر أصعب كثيراً في التنبؤ به من البيانات وحدها.
النظرة المستقبلية: يمثل قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في 16 سبتمبر نقطة الارتكاز الأقرب، لا سيما أن الاجتماع سيصاحبه إصدار جديد لملخص التوقعات الاقتصادية. ويأتي قرار بنك إنجلترا في 17 سبتمبر قبل أن يختتم بنك اليابان اجتماعه في 18 سبتمبر. لكن الإشارة الأهم ستكون أوسع من القرارات نفسها، وهي ما إذا كانت البنوك المركزية ستستمر في اعتبار صدمة التضخم الحالية تطوراً يمكن تجاوزه، أم أن طول مدتها أصبح يتطلب قدراً إضافياً من التشديد النقدي.
المصادر: مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مكتب إحصاءات العمل الأميركي، بنك اليابان، بنك إنجلترا، بنك كندا، البنك المركزي الأوروبي، رويترز.

