لاغارد: صدمة التضخم ستستمر لفترة أطول مع بقاء انتقالها إلى الأجور محدوداً
قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن صدمة التضخم التي تواجه منطقة اليورو يُرجح أن تستمر لفترة أطول مما كان متوقعاً في السابق، بما يعزز مخاطر استمرار الضغوط السعرية التي وقفت خلف قرار رفع أسعار الفائدة الأسبوع الماضي، في وقت لا تزال فيه الأجور ومؤشرات التضخم الأساسي تظهر أدلة محدودة على انتقال صدمة الطاقة بصورة واسعة إلى الأسعار المحلية.
وفي مقابلة مع صحيفة أويست فرانس يوم السبت، قالت لاغارد إن التضخم في منطقة اليورو لا يزال أعلى بكثير من هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المئة، وإن الاقتصاد تعرض لصدمة كبيرة يُرجح أن تستمر لفترة أطول مما كان متوقعاً في البداية. ولا يغير هذا التصريح من مبررات السياسة النقدية التي عرضها مجلس المحافظين قبل يومين بقدر ما يؤكدها، بعدما رفع البنك أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة بمقدار 25 نقطة أساس.
ويكمن الفارق الأساسي بين مدة الصدمة ومدى انتقالها إلى بقية الاقتصاد. فصدمة الطاقة تستمر لفترة أطول، لكن الأدلة على انتقالها بصورة حاسمة إلى الأجور وإلى نطاق أوسع من الأسعار لا تزال محدودة بدرجة كبيرة.
الطاقة تبقي التضخم العام مرتفعاً
ارتفع معدل التضخم في منطقة اليورو إلى 3.3 في المئة في أغسطس من 2.9 في المئة في يوليو، مع تسارع تضخم الطاقة إلى 14.3 في المئة من 10.3 في المئة. وفي المقابل، تراجع التضخم باستثناء الطاقة والغذاء إلى 2.4 في المئة من 2.5 في المئة، كما تباطأ تضخم الخدمات إلى 3.0 في المئة من 3.3 في المئة.
ويمثل هذا التباين أهمية خاصة للسياسة النقدية. فارتفاع تكاليف الطاقة يمكن أن يدفع التضخم العام إلى الصعود بصورة مباشرة، لكن الخطر الأكبر بالنسبة إلى البنك المركزي الأوروبي يتمثل في أن يؤدي استمرار الصدمة إلى تغيير مطالب الأجور وسياسات التسعير لدى الشركات وتوقعات التضخم.
وحتى الآن، لا تظهر هذه الآثار بصورة كاملة. وقال البنك المركزي الأوروبي إن الأجور لا تظهر في هذه المرحلة استجابة جوهرية لصدمة الطاقة. فقد ارتفع التعويض لكل موظف بنسبة 3.3 في المئة على أساس سنوي في الربع الثاني، مقابل 3.5 في المئة في الربع الأول، بينما تباطأ نمو تكلفة وحدة العمل إلى 2.6 في المئة من 3.5 في المئة.
كما يشير متتبع الأجور لدى البنك إلى ارتفاع محدود فقط في نمو الأجور المتفاوض عليها، ليصل إلى 2.7 في المئة خلال النصف الأول من 2027، بينما لا تزال معظم مقاييس توقعات التضخم طويلة الأجل تدور حول 2 في المئة. وبذلك يواجه البنك في الوقت الراهن خطر ظهور آثار تضخمية من الجولة الثانية، وليس دورة راسخة من ارتفاع الأجور والأسعار.
كلما طال أمد الصدمة زادت مخاطر انتقالها
تغير مدة الصدمة معادلة السياسة النقدية. فقد حذر البنك المركزي الأوروبي من أن استمرار أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول يزيد احتمال انتقالها إلى نطاق أوسع من التضخم عبر الآثار غير المباشرة وآثار الجولة الثانية.
وتُبقي التوقعات الأساسية للبنك التضخم العام أعلى بكثير من المستوى المستهدف خلال النصف الأول من 2027، مع توقع عودته إلى نحو 2 في المئة فقط قرب نهاية ذلك العام. كما يتوقع أن تنتقل تكاليف الطاقة المرتفعة تدريجياً إلى التضخم الأساسي وأسعار الغذاء، حتى مع تراجع المساهمة المباشرة للطاقة لاحقاً.
وتشير توقعات خبراء البنك لشهر سبتمبر إلى أن يبلغ متوسط التضخم العام 3.0 في المئة في 2026، ثم 2.5 في المئة في 2027 و2.1 في المئة في 2028. ولم يتغير توقع 2026 مقارنة بتقديرات يونيو، بينما جرى رفع توقعات 2027 و2028. أما التضخم باستثناء الطاقة والغذاء فمن المتوقع أن يبلغ 2.5 في المئة هذا العام و2.6 في المئة في العام المقبل و2.3 في المئة في 2028.
وهكذا تظهر مشكلة استمرار التضخم بوضوح في التوقعات حتى من دون وجود دوامة حالية بين الأجور والأسعار.
صمود الاقتصاد يمنح البنك مساحة أكبر
يتمثل الجانب الآخر من قرار سبتمبر في أن اقتصاد منطقة اليورو تمكن من امتصاص الصدمة بصورة أفضل مما كان متوقعاً سابقاً.
ورفع خبراء البنك توقعاتهم للنمو إلى 0.9 في المئة في 2026 من 0.8 في المئة سابقاً، وإلى 1.4 في المئة في 2027 من 1.2 في المئة، بينما أبقوا توقع 2028 عند 1.5 في المئة. وتشير التقديرات إلى أن نمو الربع الثاني جاء أفضل من المتوقع، وأن الاقتصاد أظهر قدرة أكبر على الصمود أمام صدمات الطاقة وعدم اليقين.
أما مفاجأة التضخم فجاءت بشكل مختلف. فقد كانت التطورات الأخيرة في أسعار الغذاء وبعض المكونات غير المرتبطة بالطاقة أضعف مما كان متوقعاً، إلا أن البنك خلص في الوقت نفسه إلى أن صدمة التضخم في مجملها قد تستمر لفترة أطول نتيجة بقاء تكاليف الطاقة مرتفعة. وهذا التمييز مهم، إذ لم يفاجئ التضخم بالارتفاع على نطاق واسع فحسب، بل تغير أيضاً تركيبه والمدة المتوقعة لاستمراره.
وكان من شأن اقتصاد أضعف أن يرفع تكلفة تشديد السياسة النقدية في مواجهة صدمة تضخم ناتجة عن جانب العرض. أما صمود النشاط الاقتصادي بصورة أكبر فيمنح البنك مساحة أوسع للتحرك لمنع التضخم المستورد عبر الطاقة من التحول إلى تضخم محلي مستمر.
وكان البنك قد رفع سعر الفائدة على تسهيلات الإيداع إلى 2.50 في المئة، وسعر عمليات إعادة التمويل الرئيسية إلى 2.65 في المئة، وسعر تسهيل الإقراض الهامشي إلى 2.90 في المئة، على أن تدخل الأسعار الجديدة حيز التنفيذ في 16 سبتمبر. ولا يزال البنك يؤكد أن قراراته ستعتمد على البيانات الواردة، من دون التزام مسبق برفع إضافي لأسعار الفائدة.
السؤال التالي يتجاوز الأثر الأولي للطاقة
أصبحت الآثار الأولية لصدمة الطاقة واضحة بالفعل في بيانات التضخم في منطقة اليورو. والسؤال أمام البنك المركزي الأوروبي الآن هو ما إذا كان استمرارها سيبدأ في تغيير سلوك الأسر والعاملين والشركات.
وفي الوقت الراهن، فإن تراجع التضخم الأساسي وتباطؤ تضخم الخدمات ومحدودية انتقال الضغوط إلى الأجور واستقرار توقعات التضخم طويلة الأجل، كلها عوامل لا تدعم وصف الوضع بأنه موجة تضخم عامة ثانية. لكن كلما طال بقاء أسعار الطاقة مرتفعة، ضاقت المساحة التي تسمح باستمرار هذا التقييم.
ومن هنا تأتي أهمية التحذير الأخير. فالصدمة لم تنتقل بعد إلى جميع مكونات منظومة الأسعار المحلية، لكنها تستمر لفترة تكفي لأن تصبح احتمالات هذا الانتقال عنصراً أساسياً في دالة رد فعل البنك.
لماذا يهم: رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في مواجهة صدمة يتوقع الآن أن تدوم أطول مما كان يفترض، وفعل ذلك بينما تقول أدلته هو إن الصدمة لم تصل بعد إلى الأجور. وهذا موقف أصعب في الدفاع عنه من دورة تشديد تقليدية، لأن الحجة تقوم على احتمال الانتقال لا على انتقال جرى رصده فعلاً. والنتيجة العملية لمنطقة اليورو أن رفع سبتمبر لن يحسم النقاش على الأرجح، إذ إن البيانات القادرة على حسمه، أي الأجور المتفاوض عليها وتضخم الخدمات وتوقعات التضخم، لن تتوافر قبل أشهر. ولأن التوقعات تُبقي التضخم العام أعلى من المستهدف حتى النصف الأول من 2027، فقد انتقل عبء الإثبات إلى من يرى أن الصدمة لا تزال قابلة للتجاوز.
النظرة المستقبلية: لن تكون أسعار الطاقة وحدها المؤشر الأهم خلال الفترة المقبلة، بل أيضاً التضخم الأساسي وتضخم الخدمات والأجور المتفاوض عليها وتوقعات التضخم. وإذا بدأت هذه المؤشرات في الارتفاع معاً، فسيحصل البنك المركزي الأوروبي على دليل أوضح على تحول صدمة خارجية ممتدة إلى تضخم محلي. أما إذا ظلت تحت السيطرة، فسيحتفظ صانعو السياسة النقدية بمساحة أكبر للتوقف بعد رفع سبتمبر.
المصادر: البنك المركزي الأوروبي، صحيفة أويست فرانس.

