كبير اقتصاديي صندوق النقد يحذر: طفرة ثروات الذكاء الاصطناعي قد تزيد ضغوط التضخم
قد تضيف طفرة الذكاء الاصطناعي إلى التضخم عبر قنوات أكثر من كلفة الرقائق المتقدمة، بحسب كبير اقتصاديي صندوق النقد الدولي بيير أوليفييه غورينشا. ففي تصريحات نقلتها بلومبرغ في 26 يونيو، حذّر من أن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تولّد تقييمات سهمية مرتفعة جداً، خصوصاً في الأسواق الأميركية وفي اقتصادات منكشفة على التكنولوجيا مثل كوريا الجنوبية، ما يخلق أثر ثروة قد يشجع الأسر على إنفاق أكبر.
ويوسّع هذا الطرح النقاش الاقتصادي المعتاد حول الذكاء الاصطناعي. فمعظم النقاش الأطول أجلاً يعامل الذكاء الاصطناعي كعامل خافض للتضخم لأنه قد يرفع الإنتاجية ويؤتمت المهام ويخفض كلفة الوحدة. وغورينشا لا يرفض هذا الاحتمال الأطول أجلاً؛ بل يحذّر من أن مرحلة الانتقال قد تكون أكثر تضخمية مما تفترضه الأسواق، عبر قناتين. الأولى مدفوعة بالطلب: فارتفاع القيم السهمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يرفع ثروة الأسر عبر المحافظ وحسابات التقاعد، وتميل الأسر الأكثر ثراءً إلى إنفاق أكبر على الخدمات والسفر والإسكان والسلع المعمّرة، ما يضيف ضغط طلب في اقتصاد لم يعد فيه التضخم إلى الهدف بالكامل. والثانية مدفوعة بالعرض وكلفة المدخلات: فبناء الذكاء الاصطناعي يتطلب إنفاقاً هائلاً على مراكز البيانات وأشباه الموصلات والكهرباء والتبريد ووصلات الشبكة، وسباق الطاقة الحاسوبية هذا قد يرفع الطلب على الرقائق والكهرباء أسرع من تكيّف العرض، ما يجعل الذكاء الاصطناعي تضخمياً في المدى القريب حتى لو أصبح خافضاً للتضخم لاحقاً.
أثر الثروة مقابل أثر الإنتاجية
التمييز التحليلي الأساسي هو التوقيت. فمكاسب الإنتاجية من الذكاء الاصطناعي قد تستغرق سنوات لتنتشر مع إعادة الشركات تصميم سير العمل وتدريب الموظفين وتغيير نماذج الأعمال، فيما يمكن لأثر ثروة الأسهم أن يعمل سريعاً عبر ارتفاع أسعار الأسهم وصافي ثروة الأسر. ويخلق هذا التباين توتراً اقتصادياً: فقد تسعّر الأسواق الإنتاجية المستقبلية فوراً، لكن الاقتصاد الحقيقي قد يشعر بدفعة الطلب قبل أن ينال منفعة الإنتاجية، بحيث يكون الذكاء الاصطناعي تضخمياً في المدى القصير وخافضاً للتضخم في المدى الطويل. ودورة التكنولوجيا في أواخر التسعينيات مقارنة غير مكتملة لكنها مفيدة، حين رفعت طفرة الإنترنت الاستثمار والتقييمات والثروة قبل أن تتجلى منافع الإنتاجية الكاملة.
قناة مراكز البيانات
البنية التحتية المادية وراء الذكاء الاصطناعي محورية في حجة التضخم. فمراكز البيانات تتطلب أرضاً وبناءً ورقائق عالية الأداء وكهرباء وطاقة احتياطية وتبريداً وقدرة شبكية، ومع تسابق كبرى شركات التكنولوجيا لتأمين الطاقة الحاسوبية قد تنشأ اختناقات في إمداد الرقائق وتوافر الكهرباء وبنية الشبكة. فإذا ارتفع الطلب على الكهرباء بحدة في مناطق بعينها، قد ترتفع أسعار الطاقة المحلية وكلفة البنية التحتية؛ وإذا تجاوز الطلب على الرقائق المتقدمة الإنتاج، قد يبقى تسعير أشباه الموصلات مرتفعاً. فالذكاء الاصطناعي تقنية رقمية ببصمة مادية كبيرة جداً، وهذه البصمة قد تولّد ضغطاً تضخمياً في الاقتصاد الحقيقي قبل أن تتسع مكاسب الإنتاجية بما يكفي لتعويضه.
لماذا يهم، والزاوية الإقليمية
يعقّد التحذير السردية البسيطة بأن الذكاء الاصطناعي يرفع الإنتاجية، والإنتاجية تخفض التضخم، ومن ثم يمكن للبنوك المركزية التيسير. ويهم أكثر للاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي يقع في قلب طفرة أسهم الذكاء الاصطناعي وبناء مراكز البيانات ودورة الرقائق المتقدمة: فإذا دعمت آثار الثروة الاستهلاك ودعم استثمار مراكز البيانات إنفاق الشركات، قد يبقى الاقتصاد أكثر مرونة من المتوقع، ما يؤخر تراجع التضخم ويقلّص فرص خفض سريع للفائدة. وبالنسبة لاقتصادات المنطقة، القضية ملموسة على جانب العرض. فالمنطقة تستثمر بكثافة في مراكز البيانات والقدرة السحابية والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما يدعم التنويع والاستثمار الأجنبي لكنه يرفع أيضاً الطلب على الكهرباء والتبريد والأرض والمعدات المستوردة والكفاءات المتخصصة. وبالنسبة لمصدّري الطاقة، يعزز الذكاء الاصطناعي قصة طلب أطول أجلاً على الكهرباء والغاز، إذ تحتاج مراكز البيانات إلى كهرباء موثوقة، غالباً من توليد يعمل بالغاز إلى جانب الطاقة المتجددة. والرابط النقدي يمر عبر الدولار: فإذا أبقى الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي التضخم الأميركي عنيداً والفيدرالي أعلى لفترة أطول، فإن ربط عملات الخليج بالدولار يستورد ذلك التشدد إلى كلفة تمويل البنوك وتمويل العقارات وتقييمات الأسهم، حتى حيث يكون التضخم المحلي محتوى. وبالنسبة للصناديق السيادية، ترفع الطفرة ذاتها أسئلة تركّز المحافظ، إذ عزز الانكشاف الكبير على التكنولوجيا الأميركية العوائد لكنه يزيد الحساسية للأرباح والتنظيم وقيود الطاقة والهوامش.
نظرة مستقبلية
المؤشرات الرئيسية هي تقييمات أسهم الذكاء الاصطناعي والإنفاق الرأسمالي على مراكز البيانات والطلب على الكهرباء وتسعير أشباه الموصلات والاستهلاك الأسري وبيانات الإنتاجية. فإذا واصل استثمار الذكاء الاصطناعي الارتفاع فيما بقيت مكاسب الإنتاجية ضيقة، قد يفوق خطر التضخم ما تتوقعه الأسواق؛ وإذا اتسعت الإنتاجية وانحسرت اختناقات المدخلات، تقوى حجة خفض التضخم. والرسالة المتوازنة أن الذكاء الاصطناعي قد يحوّل الإنتاجية بمرور الوقت، لكن مرحلة الطفرة قد تضيف إلى التضخم قبل وصول مكاسب الكفاءة، وهو توتر يتعين على البنوك المركزية إدارته في المديين القصير والمتوسط حتى مع بقاء العائد طويل الأجل غير مؤكد.
المصدر: صندوق النقد الدولي؛ بلومبرغ.

