مؤسسة البترول الكويتية بعد عنوان الأرباح: الصمود والتعافي والتقدم الاستراتيجي
أعلنت مؤسسة البترول الكويتية في 12 أغسطس أنها حققت أرباحاً صافية بلغت 2.155 مليار دينار، نحو 6.9 مليار دولار، عن السنة المالية المنتهية في 31 مارس 2026، متجاوزة نتيجة كل من السنوات الثلاث السابقة لها. وهو رقم قوي تناقلته وسائل الإعلام على نطاق واسع منذ ذلك الحين. وهو يقيس كذلك، إذا قُرئ إلى جانب ما جرى بعده، الوضع المالي الذي دخلت به المؤسسة أصعب مرحلة يمر بها قطاعها منذ عام 1990.
وتوقيت السنة المالية هو ما يتيح تلك القراءة، وهو تاريخ بعينه.
السنة التي أُغلقت في 31 مارس
أُغلقت السنة المالية المعلنة لمؤسسة البترول الكويتية في 31 مارس 2026. وقد بدأت الاعتداءات على القطاع النفطي داخل تلك السنة واستمرت بعدها، وهو ما يجعل الحسابات المعلنة تغطي بداية الاضطراب لا أشد شهوره.
والتسلسل موثق لدى وكالة الأنباء الكويتية (كونا). ففي 19 مارس، تسبب هجوم بطائرة مسيّرة في اندلاع حريقين في وحدات تشغيلية بمصفاتي ميناء الأحمدي وميناء عبدالله، وكلتاهما تشغّلهما شركة البترول الوطنية الكويتية، مع أضرار وُصفت بأنها محدودة في الوحدات المتأثرة. وبعد خمسة أيام، قال الرئيس التنفيذي للمؤسسة الشيخ نواف سعود الناصر الصباح، في مشاركة مرئية بمؤتمر (سيراويك) في مدينة هيوستن الأميركية، إن المؤسسة اضطرت إلى خفض إنتاج النفط الخام نتيجة استهداف الملاحة الحرة في مضيق هرمز، مؤكداً أنه لا بديل عن هذا الممر الذي يشكل شرياناً رئيسياً للاقتصاد العالمي. وفي 31 مارس، وهو اليوم الأخير من السنة المالية، اندلع حريق في ناقلة المؤسسة (السلمي) إثر اعتداء مباشر عليها أثناء رسوّها في المياه الخارجية قبالة ميناء دبي، وقد أخمده طاقمها في الساعة 4:26 فجراً بتوقيت الكويت وخرج أفراده الأربعة والعشرون جميعاً دون إصابات.
ولم يتوقف الضرر عند نهاية السنة. ففي 5 أبريل، أي بعد خمسة أيام من بدء السنة المالية الجديدة، قال المتحدث الرسمي باسم المؤسسة هشام الرفاعي إن هجوماً بطائرة مسيّرة عند الفجر ألحق أضراراً مادية جسيمة بمبنى مجمع القطاع النفطي في الشويخ، وهو المبنى الذي يضم المؤسسة ووزارة النفط معاً، إلى جانب عدد من المرافق التشغيلية التابعة لشركة البترول الوطنية الكويتية. واندلع حريق ووقعت أضرار واسعة دون تسجيل أي إصابات.
وتسير أرقام الإنتاج على النمط نفسه. فقد بلغ إنتاج الكويت من الخام نحو 573 ألف برميل يومياً في مايو، ثم تعافى إلى 1.452 مليون في يونيو ووصل إلى 1.845 مليون في يوليو، بزيادة قدرها 393 ألف برميل يومياً في ذلك الشهر الأخير وحده وبأكثر من ثلاثة أمثال مستوى مايو، وفق أرقام أوبك لشهر أغسطس كما غطيناها في هذه المنشورة. وكل شهر من تلك الأشهر يقع بعد إغلاق السنة المعلنة.
وعليه فإن الأرباح التي اعتُمدت للتو تخص سنة استوعبت الضربات الأولى. أما التبعات المالية لأعمق انهيار في الإنتاج، وفقدان مجمع الشويخ، ورحلة التعافي الطويلة، فتقع في السنة الجارية.
متانة مالية عند دخول المرحلة المقبلة
وصفت المؤسسة السنة بأنها استثنائية بكل المقاييس، وقالت إنها انتهت في ظل أكبر صدمة واجهها القطاع النفطي منذ الغزو عام 1990. وكون النتيجة قد تجاوزت مع ذلك كلاً من السنوات الثلاث السابقة، مع انخفاض الأسعار وتراجع الكميات، هو إنجاز يستحق الفهم.
وتقدّم المؤسسة عنصراً واحداً من ذلك التفسير. فقد قال الرئيس التنفيذي إن القطاع أنجز الخطوة الأولى من برنامج إعادة الهيكلة خلال السنة، بإنشاء قطاعات متكاملة داخل المؤسسة وتدشين محطات (Q8) داخل الكويت، وكلاهما يستهدف تعزيز التكامل ورفع القيمة المضافة للأعمال. كما أشار إلى تقدم في أعمال الاستكشاف البحري وإلى توسع الحضور في قطاع البتروكيماويات العالمي.
والبند الوحيد الذي يكتمل به المشهد هو الإيرادات، والسنة السابقة تبيّن لماذا يهم ذلك أكثر مما قد يبدو. ففي السنة المالية المنتهية في مارس 2025، أعلنت المؤسسة إيرادات قدرها 30.064 مليار دينار مقابل مصروفات بلغت 28.698 مليار، لتبقى أرباح صافية قدرها 1.366 مليار. وهذا هامش ربح صافٍ نسبته 4.5 بالمئة، وفق حسابنا. وقياساً على تلك القاعدة، فإن كامل الزيادة في الأرباح هذه السنة، البالغة 789.1 مليون دينار، تعادل نحو 2.6 بالمئة من إيرادات السنة السابقة، وفق حسابنا.
وتحدد هذه المقارنة أيضاً حدود ما يمكن قوله عن السبب. ففي نشاط تبلغ دورته نحو 30 مليار دينار ليُبقي نحو 1.4 مليار، يكفي تحرك يعادل نحو 2.6 بالمئة من قاعدة إيرادات السنة السابقة لتفسير كامل الزيادة، ومن ثم يتعذر فصل محركات الأرباح المنفردة انطلاقاً من الإعلان العام الذي يقدّم الربح المجمع دون بندي الإيرادات والمصروفات المقابلين. أما الثابت فهو أن المؤسسة حققت نتيجة مجمعة أقوى بكثير خلال سنة بالغة الصعوبة.
التعافي التشغيلي والتوسع الاستراتيجي
تقوم المؤسسة بأمرين في الوقت نفسه، وثانيهما هو الالتزام الأكبر.
ففي 25 يوليو، وقّعت شركتها التابعة شركة نفط الكويت اتفاقية تأجير وإعادة تأجير بقيمة 16 مليار دولار تشمل كامل شبكة خطوط أنابيب النفط الخام المحلية والتصديرية. وبموجبها يستأجر مشروع مشترك كويتي حديث التأسيس حقوق استخدام خطوط الأنابيب الثلاثة عشر جميعها، بطول نحو 320 كيلومتراً من الشبكة، ثم يمنح شركة نفط الكويت حقوق الاستخدام والتشغيل الحصرية لمدة 20.5 سنة مقابل تعرفة قائمة على الكميات. ويملك تحالف يضم بلاكستون وبروكفيلد وكيه كيه آر حصة 49 بالمئة بينهم بالتساوي أثلاثاً، فيما تحتفظ شركة نفط الكويت بحصة 51 بالمئة وبالملكية والسيطرة التشغيلية الكاملتين على الشبكة. وتتوقع شركة نفط الكويت عائدات مقدمة قدرها 7.85 مليار دولار عند الإقفال، دعماً لخطط الإنفاق الرأسمالي للمؤسسة، وتؤكد المؤسسة أن المشروع المشترك لا يفرض أي قيد على معدلات التكرير أو مستويات الإنتاج في الكويت، وهي قرارات تبقى بيد الدولة. ووصف الرئيس التنفيذي هذه الصفقة بأنها أكبر استثمار أجنبي مباشر في تاريخ الكويت. وهي تُنجز مشروعاً كان سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد عبدالله الأحمد الصباح قد أشار إليه في فبراير حين قال أمام مؤتمر (معرض الكويت للنفط والغاز) إن الكويت تحولت إلى شريك دولي موثوق في الطاقة، وذكر مشروع الشاهين للنفط الخام بوصفه مشروعاً يَعِد بأن يكون أكبر استثمار أجنبي في تاريخ الصناعة النفطية الوطنية. وما يؤمّنه هذا الهيكل هو الجمع الذي كانت الكويت تسعى إليه: 16 مليار دولار من رأس المال المؤسسي الدولي موجهة إلى بنية تحتية استراتيجية، مع بقاء الملكية والسيطرة التشغيلية وكل قرار يتعلق بمستويات الإنتاج والتكرير بيد شركة نفط الكويت والدولة.
وتُوجَّه العائدات إلى برنامج رأسمالي مبني على استراتيجية المؤسسة 2040 وهدفها بلوغ طاقة إنتاجية مستدامة للنفط الخام في دولة الكويت، شاملةً المنطقة المقسومة، تصل إلى 4 ملايين برميل يومياً في عام 2035 والحفاظ عليها حتى عام 2040. كما أعلنت المؤسسة عن الخطوات الأولى لمشروع (السيف) خلال السنة.
وتمضي المؤسسة إذاً في التعافي والتوسع في وقت واحد. فالارتداد في الإنتاج دليل على زخم تشغيلي، وشراكة خطوط الأنابيب تعزز رأس المال المتاح لبرنامج الاستثمار، واستراتيجية 2040 ترسم الاتجاه بعدهما معاً. وهي تدخل هذا العمل وقد أمّنت عائدات قدرها 7.85 مليار دولار، واحتفظت بالسيطرة التشغيلية على الشبكة، وعاد إنتاجها إلى ما يتجاوز 1.8 مليون برميل يومياً بعد أدنى مستوياته في مايو، بينما تبقى إعادة تأهيل المرافق التكريرية والإدارية المتضررة وأمن مسارات التصدير عبر المضيق القيدين العمليين على وتيرة التقدم.
جدول – النتائج المجمعة لمؤسسة البترول الكويتية:
| السنة المالية | الإيرادات، مليون دينار | المصروفات، مليون دينار | صافي الربح، مليون دينار |
| 2025/2026 | لم تُنشر | لم تُنشر | 2,155.0 |
| 2024/2025 | 30,063.7 | 28,697.8 | 1,365.9 |
| التغير في صافي الربح | – | – | +789.1 |
أرقام السنتين من وكالة الأنباء الكويتية (كونا). وبلغ صافي الربح نحو 6.9 مليار دولار في 2025/2026 مقابل نحو 4.4 مليار في 2024/2025، بزيادة تقارب 2.5 مليار. والتغير وفق حسابنا، بزيادة نسبتها 57.8 بالمئة. وبلغ هامش الربح الصافي في 2024/2025 نسبة 4.5 بالمئة، وفق حسابنا. ولم تُنشر أي أرقام للإيرادات أو المصروفات عن 2025/2026.
جدول – التسلسل الزمني وموضع نهاية السنة المالية:
| التاريخ | الحدث | ضمن السنة المعلنة |
| 19 مارس 2026 | هجوم بطائرة مسيّرة يشعل حريقين في مصفاتي ميناء الأحمدي وميناء عبدالله | نعم |
| 24 مارس 2026 | الرئيس التنفيذي يعلن خفض الإنتاج نتيجة استهداف الملاحة في مضيق هرمز | نعم |
| 31 مارس 2026 | الاعتداء على الناقلة (السلمي) قبالة دبي وإشعال حريق فيها، و24 من الطاقم دون إصابات | نعم، في اليوم الأخير |
| 31 مارس 2026 | إغلاق السنة المالية 2025/2026 | – |
| 5 أبريل 2026 | أضرار في مجمع القطاع النفطي بالشويخ ومرافق شركة البترول الوطنية الكويتية | لا |
| مايو 2026 | الإنتاج نحو 573 ألف برميل يومياً | لا |
| يونيو 2026 | الإنتاج 1.452 مليون برميل يومياً | لا |
| يوليو 2026 | الإنتاج 1.845 مليون برميل يومياً | لا |
الأحداث من وكالة الأنباء الكويتية (كونا)، والإنتاج من المصادر الثانوية لمنظمة أوبك كما غطيناه في هذه المنشورة.
لماذا يهم: تقع المؤسسة في قلب قطاع الطاقة المتكامل في الكويت، وينعكس أداؤها مباشرة على الإيرادات الخارجية للدولة وماليتها العامة، فهذه نتيجة مالية عامة بقدر ما هي نتيجة مؤسسية. وتبرز ثلاثة أمور من السنة ومن الأشهر الأربعة التي تلتها. فقد دخلت المؤسسة أشد مراحل الاضطراب وقد حققت لتوّها أقوى ربح مجمع لها في أربع سنوات، وهو موقع انطلاق أفضل بوضوح مما كانت الصدمة نفسها ستجده قبل عام. وكان التعافي التشغيلي سريعاً، إذ تضاعف الإنتاج أكثر من ثلاث مرات بين مايو ويوليو، وحافظ القطاع على استمرارية أعماله خلال حوادث لم تُسجَّل فيها إصابات. كما جلبت شراكة خطوط الأنابيب الموقّعة في يوليو 16 مليار دولار من رأس المال الدولي إلى البنية التحتية الاستراتيجية في الكويت دون أن تنتقل الملكية أو السيطرة خارج الأيدي الكويتية، وهذا هو النصف الأصعب في ترتيب مثل هذه الصفقة والجانب الأجدر بالتنويه. ويبقى تحديد ما تقيسه الحسابات نفسها جديراً بالذكر، لأن أعمق تراجع في الإنتاج والأضرار في البنية التحتية يقعان أساساً في السنة الجارية، ومن ثم فإن الأرقام المعلنة تصف حال المؤسسة عند دخولها تلك المرحلة لا أداءها خلالها.
التوقعات: تدخل المؤسسة السنة المالية الجارية بزخم إنتاجي وببرنامج استراتيجي كبير قيد التنفيذ. وأقرب المؤشرات القابلة للقياس هي استدامة تعافي الخام من أدنى مستوياته في مايو، وإعادة تأهيل البنية التحتية التكريرية والإدارية المتضررة، وإتمام صفقة خطوط الأنابيب وتوظيف عائداتها البالغة 7.85 مليار دولار، ووتيرة أعمال التكامل ورفع الكفاءة ضمن إعادة الهيكلة التي بدأت بالفعل. وعلى مدى أبعد ترسم استراتيجية 2040 الإطار: طاقة إنتاجية مستدامة للنفط الخام في دولة الكويت، شاملةً المنطقة المقسومة، تصل إلى 4 ملايين برميل يومياً في عام 2035 ويُحافظ عليها حتى 2040، إلى جانب الغاز والتكرير والبتروكيماويات والذراع الدولية. أما من ناحية الأسعار فتأخذ المؤسسة ما يمنحه السوق، والمتنبئون غير متفقين، إذ نشرت وكالة الطاقة الدولية ومنظمة أوبك تصورين متباينين جوهرياً للطلب هذا العام، وقد غطيناهما معاً في هذه المنشورة. وستبيّن مجموعة الحسابات المقبلة، ولا سيما إذا رافقها بندا الإيرادات والمصروفات، مقدار ما يستمر من تحسن هذه السنة، ويبقى المبلغ المحوّل إلى الدولة عقب اعتماد المجلس هو الرقم الذي يترجم ذلك إلى الموازنة.
المصادر: مؤسسة البترول الكويتية؛ وكالة الأنباء الكويتية (كونا)؛ منظمة أوبك.

