صندوق النرويج السيادي بقيمة 2.3 تريليون دولار يعيد النظر في سنداته ويحذّر من التركّز بعد نصف عام قياسي
افتتح صندوق التقاعد الحكومي العالمي النرويجي، أكبر مستثمر سيادي يعلن قيمة أصوله، شهر سبتمبر بحزمة من التوصيات الاستراتيجية تعيد فتح طريقة استثماره. فقد بعث البنك المركزي النرويجي إلى وزارة المالية رسالتين نُشرتا على موقع الصندوق هذا الأسبوع تعيدان معاً النظر في استراتيجية الاستثمار: الأولى تقترح مؤشراً مرجعياً أصغر للسندات الحكومية مرجّحاً بالقيمة السوقية، والثانية تحذّر من أن اضطراباً جيوسياسياً قد يقلّص قيمة الصندوق بنسبة 30 إلى 40 في المئة، ومن أن اختبارَي ضغط منفصلين في 2024 و2025 افترضا إخفاق الذكاء الاصطناعي في تلبية توقعات السوق أظهرا تراجعات مقدّرة بـ18 في المئة و35 في المئة. وأعلن الصندوق أيضاً مغادرة مسؤولة الحوكمة والامتثال فيه. وتأتي التوصيات بعد 3 أسابيع من تقرير نصف سنوي أظهر عائداً قدره 9.4 في المئة ومكسباً محاسبياً قياسياً بلغ 1,753 مليار كرونة، مع بلوغ قيمة الصندوق 22,683 مليار كرونة في نهاية يونيو، أي نحو 2.3 تريليون دولار بحسب رويترز. وسجّل العدّاد المباشر على موقع الصندوق 21,833 مليار كرونة في 7 سبتمبر.
نصف عام قياسي وتحذير من أنه لن يتكرر
جاء عائد النصف الأول البالغ 9.4 في المئة من الأسهم التي حققت 13.0 في المئة بقيادة أسهم التكنولوجيا الآسيوية، على ما قال الرئيس التنفيذي نيكولاي تانغن؛ فيما حقق الدخل الثابت 0.9 في المئة والعقارات غير المدرجة 3.0 في المئة، وخسرت البنية التحتية للطاقة المتجددة غير المدرجة 0.2 في المئة، وتفوّق الصندوق على مؤشره المرجعي بـ0.22 نقطة مئوية. ومن أصل زيادة قدرها 1,416 مليار كرونة في قيمة الصندوق خلال النصف، أسهم العائد المحاسبي بـ1,753 مليار كرونة، وأضافت التدفقات الواردة بعد خصم التكاليف 89 مليار كرونة، بينما خفّضت الكرونة الأقوى القيمة بـ427 مليار كرونة. وفي نهاية يونيو كان 72.1 في المئة من الصندوق في الأسهم المدرجة و25.8 في المئة في الدخل الثابت، وكله خارج النرويج. وتضيف رسالة المخاطر سياقاً لم يرد في بيان النتائج: فقد حققت محفظة الأسهم عائداً يتجاوز 70 في المئة على مدى 3 سنوات، وهو “تطور لا يمكننا أن نتوقع استمراره” بعبارة البنك.
مقترح السندات: دين حكومي أقل وترجيح بالقيمة السوقية بدل الناتج
توصي رسالة السندات بخفض حصة السندات الحكومية في المؤشر المرجعي للسندات من 70 في المئة إلى 50 في المئة، وترجيح تلك الحصة بالقيمة السوقية بدلاً من الناتج المحلي الإجمالي، وتوسيع النصف الآخر عبر سندات الشركات والسندات المورّقة والسندات المرتبطة بالحكومات بحيث يقترب المؤشر بمجمله من مؤشر بلومبرغ العالمي المجمّع مع استمرار استبعاد الأسواق الناشئة. ويُدخل ذلك سندات الرهن العقاري المضمونة من الوكالات الأميركية بنحو 13 في المئة من المؤشر الموصى به مقابل صفر اليوم، ويرفع السندات المرتبطة بالحكومات من نحو 4 في المئة إلى نحو 11 في المئة. وتُظهر محاكاة قاعدة إعادة التوازن في الصندوق على مدى 1973 إلى 2025 أنه يحتاج إلى بيع سندات تعادل نحو 5.5 في المئة من قيمته في الحلقة المتوسطة وحتى 11 في المئة في أشد 5 في المئة من الحلقات، فتكفي حصة حكومية قدرها 40 في المئة لتغطية السيولة؛ وأُوصي بـ50 في المئة لتوفير هامش. أما أكبر تغيير على مستوى الدول فيقع في السندات الحكومية الأميركية التي يتراجع وزنها المرجعي من 34.1 في المئة إلى 21.9 في المئة؛ وتحسب رويترز أن تطبيق البنية المقترحة على حيازات الصندوق من سندات الخزانة الأميركية البالغة نحو 215 مليار دولار في نهاية يونيو يعني خفضاً يقارب 80 مليار دولار. وليس ذلك تراجعاً عن الدولار: فالبنك يقول إن انخفاض السندات الحكومية الأميركية يقابله ارتفاع مماثل تقريباً في السندات الأميركية الأخرى، فلا يكاد وزن الدولار في المؤشر يتحرك، من 52.9 في المئة إلى 52.5 في المئة. والأهم هو منطق الترجيح: فقد اعتُمد الترجيح بالناتج في 2012 لتفضيل الدول ذات الاقتصادات الكبيرة قياساً بديونها، ويقول البنك اليوم إن ارتفاع الدين الحكومي أصبح سمة عامة للاقتصادات المتقدمة لا سمة مميزة لقلّة منها. وسيكون أي انتقال تدريجياً، إذ يقول البنك إن تكاليف التنفيذ يمكن خفضها كثيراً بالاستعانة بالسندات المستحقة والمقاصة مع المراكز القائمة والتدفقات الرأسمالية الأخرى؛ ويقدّر أن المؤشر الأوسع يضيف نحو 6.6 ملايين كرونة سنوياً من التكاليف الجارية، ويضع كلفة الانتقال لمرة واحدة عند حد أقصى يقارب 750 مليون كرونة قبل تلك الوفورات.
رسالة المخاطر: اختبارات ضغط، ولا سقوف، وباب مفتوح للأصول غير المدرجة
تجيب الرسالة الثانية عن أسئلة الوزارة حول المخاطر الجيوسياسية والتركّز في مؤشر الأسهم. فالبنك ينشر اختبار ضغط كل عام ويقدّر أن اضطرابات جيوسياسية من النوع الذي يحاكيه، من انقسام إلى تكتلات ورسوم جمركية وتدابير مقابلة، قد تقلّص قيمة الصندوق بنسبة 30 إلى 40 في المئة؛ أما سيناريوهاه الافتراضيان في 2024 و2025 اللذان يفترضان إخفاق الذكاء الاصطناعي في تحقيق مكاسب الإنتاجية التي تتوقعها السوق فقد أظهرا تراجعات مقدّرة بـ18 في المئة و35 في المئة، والثاني أكبر لأن التركّز كان قد ازداد في الفترة الفاصلة. وقد ازداد التركّز على كل مقياس، مدفوعاً بالسوق الأميركية وتوقعات الذكاء الاصطناعي، ويلاحظ البنك أن القيمة السوقية أكثر تركّزاً من الأرباح، أي أن المؤشر يسعّر استمرار تفوق الأداء الأميركي. ومع ذلك يخلص البنك إلى عدم وضع سقوف للأسواق أو القطاعات أو الشركات: فمنذ 1994 أدى السقف الأدنى للشركات المنفردة باستمرار إلى عوائد أدنى، ولا تلتقط سقوف القطاعات إلا جزءاً من انكشاف يتجاوز حدود القطاعات، ويسقط السقف المفروض على كيان قانوني عند تقسيم الكيان. فمخاطر المؤشر الحالي “يجب أن تُقبل بوصفها سمة من سمات مؤشر مرجّح بالسوق”. أما ما تفتحه الرسالة فهو مزيج الأصول: فمع حصة استراتيجية للأسهم قدرها 70 في المئة وحصة من الاستثمارات غير المدرجة أدنى مما لدى الصناديق المماثلة، يقول البنك إن ثمة ما قد يدعو إلى النظر في تخصيص أكبر للأصول غير المدرجة مع الوقت، يُبنى تدريجياً ويخضع لمراجعة متأنية للمخاطر السياسية والتنظيمية. وتختم الرسالة بملاحظة أن المخاطر الجيوسياسية ومخاطر التركّز أصبحتا متشابكتين، لأن التكنولوجيا التي تقود التركّز جزء من التنافس بين الاقتصادات الكبرى.
الحوكمة والصفقات
ستغادر كارين سميث إيهيناتشو، مسؤولة الحوكمة والامتثال التي انضمت في 2017 لقيادة الملكية النشطة، في نهاية العام بعد 9 سنوات. وعلى جانب الاستثمار وقّع الصندوق في 31 يوليو اتفاقاً لشراء حصة 92 في المئة في محفظة مراكز تسوق إسبانية بالشراكة مع سوناي سييرا بنحو 1.4 مليار يورو، مع توقع إتمام الصفقة في الربع الرابع، بما يوسّع انكشافه على العقارات غير المدرجة الذي ترى رسالة المخاطر أنه قد ينمو.
موقعه بين الصناديق السيادية
الصندوق هو الأكبر بفارق واسع بين المستثمرين السياديين الذين يعلنون قيمة أصولهم. وهو مستثمر بالكامل خارج اقتصاده الوطني وينشر قيمة محدّثة باستمرار، ولذلك تُقرأ قراراته بشأن المؤشرات المرجعية بوصفها إشارات للسوق على نحو لا ينطبق على معظم نظرائه، وفق قراءتنا. غير أن المقارنة لا تصحّ إلا بقدر الإفصاح. فقد أعلنت مؤسسة الاستثمار الصينية صافي أصول قدره 1.37 تريليون دولار في نهاية 2024، وهو رقم يشمل حصص سنترال هويجين المحلية في المؤسسات المالية الحكومية؛ وأعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي أصولاً مدارة تتجاوز 900 مليار دولار لعام 2025؛ وأعلنت تيماسك صافي قيمة محفظة قدره 518 مليار دولار سنغافوري في 31 مارس 2026. ولا تنشر عدة صناديق من الأكبر حجماً أي قيمة على الإطلاق، ومنها جهاز أبوظبي للاستثمار وجهاز قطر للاستثمار وشركة جي آي سي السنغافورية. أما الهيئة العامة للاستثمار الكويتية، أول صندوق ثروة سيادي في العالم والتي أُنشئت باسم مجلس الاستثمار الكويتي في لندن في فبراير 1953، فيحظر عليها القانون رقم 47 لسنة 1982 الإفصاح عن معلومات تتعلق بعملها؛ ويقدّر صندوق النقد الدولي أصولها بنحو 640 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية 2025 ارتفاعاً من 605 في المئة قبل عام، من دون نشر رقم بالدولار.
أكبر الصناديق السيادية وفق إفصاحاتها
| الصندوق | آخر قيمة معلنة | التاريخ |
|---|---|---|
| صندوق التقاعد الحكومي العالمي (النرويج) | 22,683 مليار كرونة، نحو 2.3 تريليون دولار | 30 يونيو 2026 |
| مؤسسة الاستثمار الصينية (الصين) | 1.37 تريليون دولار صافي أصول | 31 ديسمبر 2024 |
| صندوق الاستثمارات العامة (السعودية) | أكثر من 900 مليار دولار | التقرير السنوي 2025 |
| تيماسك (سنغافورة) | 518 مليار دولار سنغافوري | 31 مارس 2026 |
| الهيئة العامة للاستثمار (الكويت) | غير معلنة بحكم القانون؛ تقدير صندوق النقد 640 في المئة من الناتج | نهاية 2025 |
| جهاز أبوظبي للاستثمار، جهاز قطر للاستثمار، جي آي سي (سنغافورة) | غير معلنة |
القيم كما ينشرها كل صندوق بالعملة التي يعتمدها؛ والتحويل إلى الدولار للنرويج من الوكالة. ويشمل رقم مؤسسة الاستثمار الصينية حيازات سنترال هويجين المالية المحلية ولا يقارَن مباشرة بالصناديق المستثمرة في الخارج فقط. وتُدرج الصناديق التي لا تنشر قيمة من دون رقم؛ ولا تُحمل تقديرات الأطراف الثالثة.
لماذا يهم: صندوق يملك نحو 1.5 في المئة من الشركات المدرجة في العالم كتب للتو، وعلناً، ما يخشاه أكثر من غيره، اضطراباً جيوسياسياً وخيبة في الذكاء الاصطناعي، وأجاب عن الاثنين بمزيد من التنويع لا بتقليص الانكشاف على السوق. ومقترح السندات هو النصف التنفيذي من ذلك الجواب، ومنطقه، أن الترجيح بالناتج لم يعد يحمي الدائن لأن ارتفاع الدين العام صار عاماً في الاقتصادات المتقدمة، هو وفق قراءتنا قول عن سوق السندات السيادية أبلغ من خفض سندات الخزانة نفسه. وبالنسبة إلى المستثمرين الخليجيين تشكّل الرسالتان مرجعاً: نظير من حجم مقارب يعرض حساباته للسيولة واختبارات الضغط لديه وأسباب عدم وضع سقوف لأسهم التكنولوجيا، وهي مسائل تزنها هيئات الاستثمار في المنطقة أيضاً.
النظرة المستقبلية: يحدد ردّ الوزارة وتوصيات يناير الجدول الزمني لتغيير السندات، ويقدّم فريق الخبراء المعني بغرض الصندوق وقدرة مالكه على تحمّل المخاطر تقريره بحلول 25 يناير 2027، أما الورقة البيضاء في الربيع المقبل فهي المكان الذي قد يظهر فيه أي تحرك بشأن الأصول غير المدرجة. ولن يبدأ تنفيذ المؤشر المرجعي الجديد للسندات، إذا أُقرّ، قبل أشهر عدة من 2027 في أفضل الأحوال. أما القراءات القريبة فهي أرقام الربع الثالث في الخريف والقيمة المباشرة للصندوق التي تخلّت بالفعل عن جزء من مستوى يونيو.
المصادر: إدارة الاستثمار في البنك المركزي النرويجي، رويترز، وكالة الأنباء السعودية، مؤسسة الاستثمار الصينية، تيماسك، الهيئة العامة للاستثمار، صندوق النقد الدولي، ذي إيدج.

