أسعار النفط تقفز قرابة 5% مع تجدُّد التصعيد في الشرق الأوسط وعودة مخاوف صدمة الإمداد
قفزت أسعار النفط بقوة يوم الإثنين مع تجدُّد التوترات في الشرق الأوسط، ما أعاد إحياء المخاوف من احتمال تعطُّل تدفقات الطاقة العالمية عبر أحد أهمّ ممرّات النقل النفطي في العالم.
اقترب خام برنت من 98 دولاراً أمريكياً للبرميل، فيما تداول خام غرب تكساس الوسيط قرب 95 دولاراً للبرميل، إذ ارتفع كلا الخامين بنحو 5% خلال الجلسة. وجاء التحرك في أعقاب تقارير جديدة عن تصعيد عسكري بين إيران وإسرائيل، شمل وقوع انفجارات في طهران، ما حوّل انتباه السوق فوراً من معادلات العرض والطلب التقليدية إلى أمن التسليم المادي للنفط.
ويُسلِّط هذا الارتفاع الضوء على سمة محورية في سوق النفط الراهنة: لا تستجيب الأسعار فقط لما يُعلنه المنتجون من قدرة على الإمداد، بل تستجيب أيضاً لمدى إمكانية إنتاج البراميل وشحنها وتأمينها وتسليمها للمشترين بأمان.
عودة المخاطر الجيوسياسية إلى صلب تسعير النفط
تمثّل المحرّك الفوري لقفزة الأسعار في تجدُّد المخاوف من أن يؤثر التصعيد الإقليمي على صادرات الطاقة من منطقة الخليج.
وتتسم أسواق النفط بحساسية خاصة تجاه التطورات المتصلة بإيران بحكم قُربها من مضيق هرمز، الذي يُعدّ من أهمّ نقاط الاختناق النفطية في العالم؛ إذ يُمكن لأي اضطراب في نشاط الملاحة أن يُعيد رسم توقعات الإمداد المتاح بسرعة.
ولا يقتصر هذا الخطر على الصادرات الإيرانية وحدها؛ فالقلق الأوسع نطاقاً يتمحور حول احتمال أن يرفع التصعيد العسكري مخاطر الناقلات، ويُصعّد علاوات تأمين مخاطر الحرب، ويزيد تكاليف الشحن، ويُؤخّر عمليات الموانئ، ويُقلِّص موثوقية تدفقات التصدير عبر الخليج. ولهذا السبب تفاعلت أسعار النفط بحدّة حتى قبل تأكيد أي خسائر مادية واسعة النطاق في الإمداد.
وفي هذه البيئة، يُضيف السوق علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى الأسعار. ولا تعكس هذه العلاوة فقط البراميل المرفوعة من السوق حالياً، بل تعكس أيضاً احتمال أن يصبح الإمداد المستقبلي أكثر صعوبة أو أكثر تكلفة من حيث التسليم.
لماذا يُعدّ مضيق هرمز محورياً
يحتلّ مضيق هرمز موقعاً محورياً في تفاعل السوق.
فقد عبر المضيق في السنوات الأخيرة نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يعادل تقريباً خُمس استهلاك السوائل النفطية العالمية. وهذا ما يجعل هرمز نقطة اختناق ذات طابع منظومي وليس مجرد ممرّ لوجستي إقليمي.
ولا يقتصر تأثير أي اضطراب في هرمز على النفط الخام؛ إذ يمتدّ إلى المنتجات المكرّرة، والغاز الطبيعي المسال، وتوافر الناقلات، وتأمين الشحن، ومعدلات الشحن، وتوقعات التضخم لدى الاقتصادات المستوردة. وتتعرّض الدول الآسيوية المشترية بشكل خاص لهذا الأثر لأن صادرات الخليج تظل مصدر إمداد مهماً للاقتصادات الكبرى المستهلكة.
وتوجد طرق بديلة ومنظومات لخطوط الأنابيب في المنطقة، بما يشمل بنية تحتية للتصدير قادرة على تجاوز أجزاء من مسار الخليج. غير أن هذه البدائل لا يمكنها التعويض الكامل عن حجم التدفقات المرتبط عادةً بهرمز، ما يعني أن أي اضطراب جزئي قد يؤثر مادياً على تسعير السوق.
زيادة إمداد تحالف أوبك+ تتراجع إلى مرتبة ثانوية
جاء الارتفاع بعد فترة قصيرة من اتفاق سبعة منتجين من تحالف أوبك+ على رفع أهداف الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يومياً اعتباراً من يوليو.
وفي الظروف الاعتيادية، يُسهم رفع أهداف الإنتاج عادةً في تخفيف بعض الضغط الصاعد على الأسعار. غير أن الكمية الإضافية في البيئة الراهنة تبقى متواضعة قياساً بحجم مخاطر التعطُّل المحتملة.
وتُمثّل زيادة يوليو أقل من 0.2% من الطلب العالمي اليومي على النفط. والأهمّ من ذلك أن أهداف الإنتاج لا تتحوّل تلقائياً إلى إمداد مادي؛ إذ يمكن لاضطرابات التصدير، وقيود البنية التحتية، ومدى التزام الأعضاء، وتوافر الناقلات، والمخاطر الأمنية، أن تحول دون وصول البراميل الإضافية إلى السوق.
ولذلك يبقى قرار أوبك+ ثانوياً حالياً قياساً بمخاطر التسليم؛ فالسوق أقل تركيزاً على إعلانات الحصص وأكثر تركيزاً على إمكانية تحرّك النفط الخام بأمان عبر طرق الشحن الحيوية.
البراميل الورقية مقابل الإمداد المادي
وسّعت البيئة الراهنة الفجوة بين البراميل الورقية والإمداد المادي.
ويُشير الإمداد الورقي إلى أهداف الإنتاج الرسمية والزيادات المخطط لها والطاقة الفائضة النظرية. أما الإمداد المادي فيُشير إلى البراميل التي يتمّ إنتاجها فعلياً وتحميلها على الناقلات ونقلها عبر طرق آمنة وتأمينها وتسليمها إلى المصافي.
وفي الأسواق الهادئة قد تكون الفجوة بين المفهومين ضيقة نسبياً. أما في فترات التوتر الجيوسياسي فيمكن أن تتّسع بسرعة؛ إذ قد تتوفر لدى المنتج القدرة على زيادة الإنتاج، لكن إذا تعذّر تحرّك الناقلات بأمان أو إذا أصبحت تكاليف التأمين باهظة، قد يبقى الإمداد الفعلي المتاح للمشترين مقيداً.
ويفسّر هذا التمييز سبب ارتفاع الأسعار حتى بعد إعلان أوبك+ زيادة الأهداف؛ فالسوق يُسعِّر قابلية النقل، لا الطاقة الإنتاجية وحدها.
الانعكاسات على التضخم والبنوك المركزية
تحمل أسعار النفط الأعلى تبعات اقتصادية كلية أوسع نطاقاً.
وإذا بقي خام برنت قرب 100 دولار للبرميل أو ارتفع فوقه، فسيظهر الأثر عبر أسعار الوقود، وتكاليف النقل، ونفقات شركات الطيران، والمدخلات الصناعية، وتوزيع الغذاء، وفواتير الدعم الحكومي. وبالنسبة للاقتصادات المستوردة للطاقة قد يُقلّص ذلك الدخل الحقيقي للأسر ويُضغط على الموازين التجارية.
وبالنسبة للبنوك المركزية يبدو الأمر أكثر تعقيداً؛ فقد تُبطئ أسعار النفط الأعلى وتيرة النمو بتقليص القدرة الشرائية، لكنها قد تُبقي التضخم الكلي مرتفعاً لفترة أطول. وإذا انتقلت تكاليف الطاقة إلى أسعار سلع وخدمات أوسع، قد تجد السلطات النقدية صعوبة في تبرير خفض مبكر لأسعار الفائدة.
ويفتح ذلك الباب أمام مخاطر التضخم الركودي: ظروف نمو أضعف يصاحبها استمرار في ضغوط التضخم. وتكتسب هذه المخاطر أهمية خاصة لدى الاقتصادات التي تتعامل أصلاً مع التضخم الأساسي العنيد وارتفاع تكاليف الاقتراض.
توازن السوق يظل هشاً
كان التوازن النفطي الأوسع حساساً أصلاً قبل قفزة الأسعار الأخيرة.
وتبقى ظروف الطلب متباينة؛ إذ قد تضغط الأسعار الأعلى على الاستهلاك، خصوصاً في الأسواق الناشئة والقطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. غير أن الربع الثالث يحظى عادةً بدعم موسمي ناتج عن سفر الصيف، وطلب التبريد، ونشاط النقل.
وتظل ظروف العرض غير مؤكدة بالقدر نفسه؛ إذ يستعيد تحالف أوبك+ تدريجياً بعض الإنتاج، لكن الاضطرابات الجيوسياسية وقيود الشحن قد تحدّ من الأثر العملي لرفع الحصص. وفي الوقت ذاته، ستبقى المخزونات وهوامش التكرير وتدفقات الناقلات مؤشرات محورية للمتعاملين.
ويترك ذلك السوق عرضةً لتحركات حادة مدفوعة بالعناوين الإخبارية؛ فقد يُلغي تهدئة موثوقة جزءاً من علاوة المخاطر الجيوسياسية بسرعة، فيما قد يدفع تدهور أمني إقليمي إضافي الأسعار إلى الأعلى.
الخلاصة والآفاق المقبلة
من المرجّح أن تظل أسعار النفط شديدة الحساسية لتطورات الشرق الأوسط في المدى القريب.
وفي حال استمرار التصعيد وارتفاع مخاطر الشحن، قد يبقى خام برنت قرب 100 دولار للبرميل أو يرتفع فوقه، خصوصاً إذا بدأ المتعاملون بتسعير تعطُّل أكثر استمراراً لصادرات الخليج. وقد حذّر البنك الدولي من أن خام برنت قد يبلغ متوسطاً يصل إلى 115 دولاراً للبرميل في عام 2026 في إطار سيناريو تصعيد شديد ينطوي على أضرار في منشآت طاقة حيوية وتعافٍ بطيء لأحجام التصدير.
أما إذا تراجعت التوترات وحافظت تدفقات الناقلات على استقرارها، فقد يتلاشى جزء من علاوة المخاطر الجيوسياسية. وفي هذا السيناريو، سيعود اهتمام السوق نحو إدارة إمدادات تحالف أوبك+، والمخزونات العالمية، ونمو الطلب، وأثر ارتفاع الأسعار على الاستهلاك.
والخلاصة الرئيسية واضحة: لم تعد أسواق النفط تتداول فقط بناءً على أهداف الإنتاج وتوقعات الطلب، بل باتت تتداول بناءً على مخاطر التسليم. وحتى يصبح أمن التدفقات المادية للطاقة أكثر يقيناً، ستظل المخاطر الجيوسياسية مُسعَّرة داخل أسعار النفط الخام.
المصادر: بيانات عقود برنت الآجلة في بورصة ICE، إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، الوكالة الدولية للطاقة، تقرير آفاق أسواق السلع لدى البنك الدولي، البيانات الرسمية لمنظمة أوبك، رويترز، ماركت ووتش، وول ستريت جورنال، فاينانشال تايمز، والتقارير الدولية لأسواق الطاقة حتى يونيو 2026.

