قطاع الغاز الطبيعي في مصر يستهدف التعافي مع تنامي زخم الحفر والاستثمار
يدخل قطاع الغاز الطبيعي في مصر مرحلة تعافٍ حاسمة بعد سنوات من تراجع الإنتاج وارتفاع الطلب المحلي وعودة الاعتماد على الواردات. وتعمل الحكومة حالياً على عكس مسار التراجع عبر حفر آبار جديدة، وتسريع ربط الحقول، وتسوية المتأخرات لشركات الطاقة العالمية، وتجديد الاستثمارات في مرحلة الاستكشاف والإنتاج.
والهدف الرسمي طموح؛ إذ تسعى مصر إلى رفع إنتاج الغاز الطبيعي من نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً إلى نحو 6.6 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول عام 2027. ويتطلب ذلك زيادة بنحو 2.5 مليار قدم مكعبة يومياً، أو ما يعادل نحو 61% فوق المستوى الحالي. وفي حال تحقق ذلك، سيُحسّن التعافي بصورة جوهرية أمن الإمدادات المحلية، ويفتح في النهاية المجال لنشاط أقوى لتصدير الغاز الطبيعي المسال.
الإنتاج تراجع من مستويات الذروة السابقة
تغيّر وضع الغاز في مصر بصورة حادة منذ الفترة التي ساعدت فيها الاكتشافات البحرية الكبرى، وخاصة حقل ظُهر، البلاد على استعادة الاكتفاء الذاتي وتوسيع صادرات الغاز الطبيعي المسال. ثم تراجع الإنتاج لاحقاً مع نضوب الحقول الناضجة، وتأثر الأصول الرئيسية بمشكلات تشغيلية، وتباطؤ الاستثمار جزئياً بسبب تأخر مدفوعات الشركاء الأجانب.
وأشارت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن المشكلات التشغيلية والفنية في حقل ظُهر أسهمت في تراجع الإنتاج ودفعت مصر مجدداً نحو استيراد الغاز الطبيعي لتلبية الطلب المحلي. وزاد التحدي حدةً مع ارتفاع الاستهلاك، خاصةً من قطاعَي توليد الكهرباء والصناعة.
كما تُظهر التوقعات حجم تحدي التعافي؛ إذ تتوقع “فيتش سوليوشنز” ارتفاع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي بنسبة 8% في عام 2026 إلى نحو 46.6 مليار متر مكعب، بعد تراجعه إلى ما يُقدر بـ 43.1 مليار متر مكعب في 2025. وعلى أساس يومي، يعادل 43.1 مليار متر مكعب نحو 4.2 مليار قدم مكعبة يومياً، فيما يعادل 46.6 مليار متر مكعب نحو 4.5 مليار قدم مكعبة يومياً. ويعني ذلك أن مستهدف 6.6 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول 2027 يظل ممكناً فقط في حال تسارع ملحوظ لأعمال الحفر الجديدة، وإعادة تأهيل الحقول، وتسريع ربطها.
تنامي الاعتماد على الواردات
دفع تراجع الإنتاج مصر إلى مزيد من الاعتماد على الغاز المستورد. وأفادت “ستاندرد آند بورز جلوبال” بأن مصر استوردت رقماً قياسياً بلغ 9.01 مليون طن متري من الغاز الطبيعي المسال في عام 2025، أي ما يعادل 129 شحنة. ويعكس ذلك حجم فجوة الإمداد التي خلّفها ضعف الإنتاج المحلي وقوة الطلب المحلي.
ولهذا التحوّل أهمية اقتصادية؛ إذ يمكن أن تكون واردات الغاز المسال مكلفة خلال فترات شُح الإمدادات العالمية، كما تُولّد ضغطاً على احتياجات النقد الأجنبي. ويُقلّل ارتفاع واردات الغاز المسال أيضاً من مرونة البنية التحتية المصرية للتصدير، بما في ذلك مصنعا إسالة إدكو ودمياط، اللذان يُعدّان من الأصول الاستراتيجية لطموحات البلاد كمحور إقليمي للغاز.
الآبار الجديدة تبدأ في إضافة إمدادات
تُشير التحديثات الرسمية الأخيرة إلى أن استراتيجية التعافي بدأت في تحقيق إضافات إنتاجية تدريجية. وأفادت الهيئة العامة للاستعلامات بأن وزارة البترول أضافت أربع آبار جديدة إلى خريطة الإنتاج في غرب البرلس بالبحر المتوسط وحقول خالدة في الصحراء الغربية، بإنتاج تقديري إجمالي يقارب 120 مليون قدم مكعبة يومياً.
وعلى الرغم من أن هذه الإضافات صغيرة مقارنةً بفجوة الإمداد على المستوى الوطني، فإنها مهمة لأنها تُظهر أن تسريع ربط الآبار قرب البنية التحتية القائمة يمكن أن يُضيف كميات نسبياً سريعاً. كما تُبيّن تطورات غرب البرلس والصحراء الغربية أهمية التركيز على الأصول التي تتوفر فيها بنية تحتية وشركاء ومسارات تطوير قائمة.
ويُعدّ برنامج “شل” للحفر في البحر المتوسط إشارة مهمة أيضاً. فقد أكّدت وزارة البترول أول بئر استكشاف غاز لشركة “شل” في 2026، وذكرت أن الشركة بدأت برنامجها بحفر بئرَي “مينا ويست 2″ و”سيريوس” في منطقة شمال شرق العامرية. كما أشارت الوزارة إلى أن النتائج قد تدعم قراراً مبكراً للتطوير خلال 2027 في حال إيجابية التقييم التجاري.
خطة الاستكشاف تدعم التعافي بعيد المدى
تُركّز خطة مصر الأشمل لمرحلة الاستكشاف والإنتاج على إعادة بناء قاعدة الإنتاج على مدى عدة سنوات. وأعلنت وزارة البترول عن خطة خمسية لحفر نحو 480 بئر استكشاف للنفط والغاز باستثمارات تتجاوز 5.7 مليار دولار. ويتضمن البرنامج لعام 2026 وحده 101 بئر في أبرز مناطق الإنتاج، بما في ذلك الصحراء الغربية، والبحر المتوسط، وخليج السويس، ودلتا النيل.
ويكتسب هذا البرنامج أهميته لأن مصر بحاجة إلى نوعين من إضافات الإمداد؛ الأول مشاريع قصيرة الدورة قادرة على خفض الاعتماد على الواردات بسرعة، والثاني نجاحات استكشافية أطول أمداً تُعوّض تراجع الاحتياطيات وتُدعّم الإنتاج فيما بعد مرحلة التعافي الفورية.
ولا تزال مصر تمتلك قاعدة موارد جوهرية. وتُشير الإدارة الأمريكية للتجارة الدولية إلى أن الاحتياطيات المؤكدة لمصر من الغاز الطبيعي بلغت نحو 64.5 تريليون قدم مكعبة بنهاية عام 2024. ويعني ذلك أن التحدي الجوهري للبلاد ليس مجرد توافر الموارد، بل التنفيذ: إعادة الاستثمار، وتسريع التطوير، وتثبيت الحقول القائمة، وتحويل الاكتشافات إلى إنتاج.
ظُهر يبقى محورياً في الصورة العامة
يظل حقل ظُهر الأصل الأهم منفرداً في محفظة الغاز المصرية. وتثبيت الإنتاج في ظُهر أمر جوهري، إذ ظلّ الحقل تاريخياً مساهماً رئيسياً في الإمدادات الوطنية. وأي خطة تعافٍ تستهدف رفع الإنتاج نحو 6.6 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول 2027 ستعتمد بشكل كبير على أداء ظُهر، والآبار الجديدة، والتحسينات الفنية.
غير أن تعافي مصر لا يمكن أن يعتمد على ظُهر وحده؛ إذ يعني تراجع الحقول الناضجة أن البلاد تحتاج إلى مزيج أوسع من الإضافات الإنتاجية من البحر المتوسط ودلتا النيل والصحراء الغربية وغيرها من المناطق النشطة. ولذلك، فإن إضافة الآبار الأخيرة وعودة نشاط الحفر الدولي الكبير مؤشرات إيجابية، إلا أن وتيرة العمل يجب أن تظل قوية.
طموح المحور الإقليمي للغاز لا يزال قائماً
على الرغم من الاعتماد الراهن على الواردات، لا تزال مصر تتمتع بمزايا هيكلية؛ إذ تمتلك مصانع تصدير الغاز الطبيعي المسال في إدكو ودمياط، وسوقاً محلية كبيرة للغاز، وروابط من خطوط الأنابيب، وقرباً جغرافياً من اكتشافات شرق المتوسط، وشراكات راسخة مع كبرى شركات الطاقة العالمية.
وتعني هذه الأصول أن مصر يمكن أن تواصل أداء دور المحور الإقليمي للغاز إذا تعافى الإنتاج المحلي وظلت تدفقات الغاز الإقليمية مستقرة. غير أن الطريق إلى عودة تصدير الغاز المسال بصورة منتظمة يعتمد على استعادة الفائض المحلي. وحتى يرتفع الإنتاج بصورة ذات معنى، ستظل البنية التحتية للغاز المسال موجَّهة بصورة أكبر لموازنة الإمدادات المحلية بدلاً من توسيع الصادرات.
الخلاصة
يتحسّن قطاع الغاز في مصر، إلا أن التعافي ينبغي النظر إليه كعملية متعددة السنوات وليس كانعكاس مسار فوري. والمستهدف الرسمي البالغ 6.6 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول 2027 طموح، وسيعتمد على سرعة الحفر، وربط الحقول، وتثبيت ظُهر، واستمرار استثمار الشركاء الدوليين.
والصورة قصيرة المدى بنّاءة؛ إذ تدخل آبار جديدة مرحلة الإنتاج، واستأنفت “شل” نشاط حفر مهم في البحر المتوسط، وتعمل الحكومة على استعادة ثقة المستثمرين، وتتسع خط أنابيب الاستكشاف. وفي الوقت نفسه، يبقى الطلب المحلي مرتفعاً، وارتفعت واردات الغاز المسال، ويظل التراجع الطبيعي للحقول الناضجة تحدياً هيكلياً.
والخلاصة الرئيسية هي أن مصر تمتلك البنية التحتية والاحتياطيات والموقع الاستراتيجي لإعادة بناء وضعها في الغاز الطبيعي، إلا أن التنفيذ هو الذي سيُحدّد سرعة التعافي. وإذا أوفى مسار الاستثمار بالجدول الزمني المرسوم، يمكن لمصر تقليل اعتمادها على الواردات، وتحسين أمن الطاقة، وتعزيز دورها تدريجياً كمحور إقليمي للغاز. أما إذا استمر التأخر، فقد تبقى البلاد أكثر اعتماداً على واردات الغاز المسال لفترة أطول مما هو مخطط.
ملاحظة المصدر: تحليل يستند إلى البيانات الرسمية لوزارة البترول والثروة المعدنية في مصر، والهيئة العامة للاستعلامات، وبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وتقارير “ستاندرد آند بورز جلوبال” حول الغاز الطبيعي المسال، وتوقعات “فيتش سوليوشنز” للإنتاج، وبيانات قطاع الطاقة الصادرة عن الإدارة الأمريكية للتجارة الدولية.

