نسبة الدين الخارجي لمصر تتراجع إلى 40.3 في المئة من الناتج محققة هدف الحكومة قبل موعده بستة أشهر
بلغ الدين الخارجي لمصر 163.9 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2025، بزيادة 5.6 في المئة عن 155.1 مليار دولار قبل عام، وفقا لأحدث تقرير للوضع الخارجي للاقتصاد المصري الصادر عن البنك المركزي المصري. ورغم ارتفاع الرصيد، فإن الاقتصاد ينمو بوتيرة أسرع من الدين: إذ تراجعت نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 40.3 في المئة من 42.5 في المئة، لتقترب الحكومة من هدفها البالغ 40 في المئة قبل ستة أشهر من موعده.
ويستحق الهدف التذكير لأنه يؤطر القصة. فقد قال رئيس الوزراء في ديسمبر إن مصر تستهدف خفض نسبة الدين الخارجي إلى 40 في المئة من الناتج أو أقل بحلول نهاية السنة المالية 2025/2026 في يونيو، من 44 في المئة وقت حديثه. وعند 40.3 في المئة بحلول ديسمبر، يكون الهدف قد تحقق فعليا عند منتصف السنة المالية، نتيجة توسع الناتج المحلي الاسمي إلى مستوى ضمني يقارب 405 مليارات دولار مع تباطؤ وتيرة الاقتراض. ويظهر هذا التباطؤ في أرقام الأشهر الستة: فقياسا على نهاية يونيو 2025، حين أغلق الدين الخارجي السنة المالية الماضية عند 161.2 مليار دولار، ارتفع الرصيد نحو 2.7 مليار دولار في ستة أشهر، وهو أقل بكثير من 8.8 مليار دولار أضيفت على مدى العام الميلادي بأكمله.
ويستحق التحسن في النسبة قراءة متأنية. فقاعدة الناتج المحلي الضمنية خلف نسبة 40.3 في المئة تبلغ نحو 407 مليارات دولار، مقابل نحو 365 مليار دولار قبل عام وفق نسبة 42.5 في المئة السابقة، بحسب حسابنا. وبالتالي فإن التحسن جاء مدفوعا بأثر المقام من اقتصاد اسمي أكبر أكثر مما جاء من خفض الدين، وهو تطور إيجابي لكنه مختلف عن سداد الدين، ويعني أن مسار النسبة من هنا يعتمد على النمو وسعر الصرف بقدر ما يعتمد على ضبط الاقتراض.
كما يتحول تكوين الدين لصالح مصر. فقد ارتفع الدين طويل الأجل إلى 129.5 مليار دولار من 124.1 مليار قبل عام، محافظا على حصته عند نحو 79 في المئة من الإجمالي، بينما زاد الدين قصير الأجل إلى 34.4 مليار دولار من 30.9 مليار. وبلغ رصيد السندات والصكوك 28.8 مليار دولار من 27.3 مليار، وتظهر التفاصيل تنويعا مقصودا في الأدوات والعملات: فقد تضاعفت الصكوك الدولارية إلى أكثر من الضعف عند 3.71 مليار دولار من 1.45 مليار، إلى جانب نحو 19.9 مليار دولار من السندات الدولارية الدولية و3.5 مليار دولار من السندات المقومة باليورو وإصدارات أصغر بالين الياباني واليوان الصيني.
وقياسا على الاحتياطيات، يبدو الرصيد قصير الأجل قابلا للإدارة. فقد بلغ صافي الاحتياطيات الدولية 53.1 مليار دولار في نهاية مايو 2026، أي نحو مرة ونصف الدين الخارجي قصير الأجل، وقال محافظ البنك المركزي إن الاحتياطيات تغطي نحو سبعة أشهر من الواردات السلعية. أما القيد الأصعب فهو جدول خدمة الدين: إذ يتوقع البنك المركزي خدمة دين متوسطة وطويلة الأجل للدين العام والمضمون حكوميا بنحو 34.6 مليار دولار في 2026، تتراجع بحدة إلى 19.6 مليار في 2027 ونحو 14.6 مليار في 2028. وبذلك تحمل الأشهر الاثنا عشر المقبلة ذروة أعباء السداد، قبل أن يخف الجدول بنحو 15 مليار دولار سنويا.
وتحركت الحسابات الخارجية الأوسع في التقرير ذاته في الاتجاه نفسه. فقد تقلص عجز الحساب الجاري 13.6 في المئة إلى 9.5 مليار دولار في النصف الأول من السنة المالية 2025/2026، وقفزت تحويلات المصريين العاملين بالخارج 40.5 في المئة إلى مستوى قياسي عند 41.5 مليار دولار في عام 2025، وتحول صافي الأصول الأجنبية للجهاز المصرفي إلى موجب 12.2 مليار دولار في نهاية ديسمبر من سالب 6.4 مليار قبل عام. وربما يكون هذا التحول البالغ نحو 19 مليار دولار أوضح إشارة منفردة في التقرير، لأنه يظهر عودة العملة الأجنبية إلى الجهاز المصرفي وليس مجرد تراكمها لدى البنك المركزي.
لماذا يهم: تقاس استدامة الدين بالنسب وجداول السداد لا بالأرصدة الاسمية، وعلى المقياسين يمثل التقرير نقطة تحول: فالنسبة تتراجع مع اقتصاد ينمو، والآجال تطول، ومصادر التمويل تتنوع، والجهاز المصرفي أعاد بناء وسادة من الأصول الأجنبية. وبالنسبة لمستثمري المنطقة ومقرضيها، بمن فيهم المؤسسات الخليجية التي تحتفظ بودائع كبيرة لدى البنك المركزي المصري، فإن نسبة عند 40.3 في المئة وعجزا جاريا يتقلص يعززان فرضية أن الوضع الخارجي لمصر يعود إلى طبيعته بعد ضغوط السنوات الماضية. ويبقى الاختبار في فاتورة خدمة الدين البالغة 34.6 مليار دولار في 2026، وهي الأثقل في الجدول، ما يبقي مصر معتمدة على قوة تدفقات التحويلات والسياحة واستمرار الدعم متعدد الأطراف حتى تمر الذروة.
النظرة المستقبلية: ستظهر أرقام نهاية يونيو ما إذا كان هدف 40 في المئة قد تحقق رسميا عند إغلاق السنة المالية، وسيشير إصدار البنك المركزي لاحتياطيات يونيو، المنتظر خلال أيام, إلى الوضع الذي دخلت به الاحتياطيات السنة المالية الجديدة. ومع اتفاق المراجعة السابعة مع صندوق النقد الدولي في أواخر يونيو ونحو 1.64 مليار دولار في انتظار موافقة المجلس التنفيذي، يبدو خط التمويل حتى 2027 مؤمنا، ومن شأن فاتورة خدمة دين في 2027 أخف بنحو 15 مليار دولار من 2026 أن تمنح مصر أول عام خارجي أيسر فعليا منذ الأزمة.
المصادر: البنك المركزي المصري؛ صندوق النقد الدولي.

