ميرسك وهاباغ لويد تعيدان خدمة حاويات إلى قناة السويس مع استقرار ممر البحر الأحمر
تعيد اثنتان من كبرى شركات الحاويات في العالم، ميرسك وهاباغ لويد، إحدى خدماتهما الرئيسية بين آسيا وأوروبا إلى قناة السويس، في خطوة تشير إلى تطبيع حذر لكن ذي مغزى للممر الملاحي الذي يحمل حصة كبيرة من التجارة العالمية. وقال الشريكان، اللذان يعملان معاً ضمن تعاون جيميني، الاثنين 6 يوليو إن خدمتهما AE15 ستتحوّل من الالتفاف الطويل حول رأس الرجاء الصالح عائدةً إلى مسار السويس عبر البحر الأحمر، على أن تكون السفينة ماجستيك ميرسك أول إبحار.
القرار مهم لأن قناة السويس من أهم شرايين التجارة العالمية، إذ تعالج تاريخياً نحو 12 بالمئة من حركة الشحن العالمية وتوفّر أقصر رابط بحري بين آسيا وأوروبا. فلأكثر من عام، دفعت مخاطر أمنية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب معظم كبار مشغّلي الحاويات إلى إعادة التوجيه حول جنوب إفريقيا، مضيفةً آلاف الأميال وأسبوعاً إلى أسبوعين من زمن العبور وكلفة وقود كبيرة لكل رحلة، فيما جرّدت القناة من الحركة والإيراد اللذين تعتمد عليهما مصر.
وحرصت ميرسك على تأطير الخطوة بأنها مدروسة لا عودة شاملة. فقد قالت الشركة في إرشاداتها إن تغيير AE15 جاء بعد تقييمات دقيقة للوضع الأمني في منطقة البحر الأحمر، وإنه ينطبق على هذه الخدمة المفردة لا على شبكتها الأوسع بين الشرق والغرب، وإن خطط الطوارئ تظل قائمة للعودة إلى مسار رأس الرجاء الصالح إذا تدهورت الظروف. ويمرّ مسار AE15 الجديد عبر تشينغداو وكوانغيانغ ونينغبو وتانجونغ بيليباس وبورسعيد ودمياط وكولومبو وسنغافورة، معيداً ميناءي بورسعيد ودمياط المصريين إلى حلقة جوهرية بين آسيا وأوروبا ومانحاً القناة علامة مرئية على تعافي خدمات الحاويات.
ولذلك يُقرأ هذا على أفضل نحو كخطوة أخرى في عملية تدريجية لا كإعادة فتح كاملة. فقد اتخذ شريكا جيميني خطوة أبكر في فبراير حين نقلا خدمتهما بين الهند والشرق الأوسط والبحر المتوسط، المعروفة بـ IMX، عائدين بها عبر البحر الأحمر والسويس. وتوسّع خطوة AE15 هذا النهج ليشمل حلقة جوهرية بين آسيا وأوروبا.
واتجاه الصناعة يشير إلى المنحى ذاته. فقد دأب مشغّلون كبار آخرون على زيادة استخدامهم للقناة خلال 2026 مع تحسّن الظروف، وأبلغت هيئة قناة السويس عن تعافٍ في تدفق السفن. ففي الفترة من مطلع يناير إلى 8 فبراير 2026، سجّلت القناة 1315 سفينة ونحو 56 مليون طن من الحمولة الصافية ونحو 449 مليون دولار من الإيراد، صعوداً من 1243 سفينة و47 مليون طن و368 مليون دولار في الفترة نفسها قبل عام. وهذه زيادة نحو 5.8 بالمئة في عدد السفن و19.1 بالمئة في الحمولة الصافية و22.0 بالمئة في الإيراد. وارتفاع الإيراد أسرع من عدد السفن يشير إلى تحسّن مزيج السفن الأكبر والأعلى حمولةً العائدة إلى المسار. وارتفعت حركة الناقلات بحدة خلال الربيع مع إعادة توجيه تدفقات الطاقة إلى ممر البحر الأحمر، مضيفةً إلى تعافي العبور.
وحجم ما يجري استعادته كبير. فقد بلغ إيراد قناة السويس رقماً قياسياً نحو 10.25 مليار دولار في 2023 قبل أن يترسّخ الاضطراب، ثم هبط إلى نحو 4 مليارات دولار في 2024، بانخفاض نحو 60 بالمئة، مع تراجع العبور دون مستوياته قبل الأزمة بكثير. وبالنسبة لمصر، أزال ذلك الهبوط أحد أكثر مصادرها موثوقيةً للعملة الأجنبية في وقت كانت البلاد تدير فيه أصلاً ضغوط تمويل خارجية. ولذلك يتغذى كل عودة تدريجية لحركة الحاويات والناقلات مباشرةً في حصائل مصر من العملة الصعبة وميزان مدفوعاتها، ما يجعل استئناف خدمة كبرى من قبل اثنتين من كبار الناقلين العالميين إشارة إيجابية فعلاً للقاهرة.
كما تعدّل هيئة قناة السويس تسعيرها مع عودة الحركة. فقد حددت الهيئة رسوماً إضافية معدّلة للعبور تسري اعتباراً من 15 يوليو 2026، وهي أول مراجعة واسعة منذ ثلاث سنوات، تشمل رسماً إضافياً على سفن الحاويات، مع تأطير التغييرات كإجراءات مؤقتة مرتبطة بظروف السوق. وتوقيت تعديل الرسوم بالتزامن مع تعافي الأحجام يعكس سعي الهيئة لإعادة بناء الإيراد مع البقاء تنافسيةً مقابل مسار رأس الرجاء البديل الذي، وإن كان أطول، لا يحمل رسم عبور. والتوازن الذي على الهيئة تحقيقه بين تعظيم الإيراد لكل عبور ومنح الناقلين حافزاً كافياً لاختيار السويس على الالتفاف وهم يوازنون الكلفة والزمن والأمن.
بالنسبة لسلاسل التوريد العالمية، عودة الخدمات إلى السويس إشارة خافضة للتضخم. فالرحلات الأقصر تحرّر سعة سفن استوعبها المسار الأطول حول إفريقيا، ما يميل إلى تخفيف أسعار شحن الحاويات وخفض كلفة نقل البضائع بين آسيا وأوروبا. ويتراكم ذلك الأثر مع عودة مزيد من الخدمات ودخول سعة سفن جديدة إلى السوق، وينتقل بتأخّر إلى الكلفة النهائية للبضائع المتداولة. وبالنسبة للمستوردين والمصدّرين عبر المتوسط والخليج، يعني ممر سويس أكثر استقراراً جداول أكثر قابلية للتنبؤ وكلفة شحن أدنى من الالتفاف المفروض.
وبالنسبة للمنطقة الأوسع، المغزى اقتصادي واستراتيجي معاً. فقناة سويس عاملة تدعم الحسابات الخارجية لمصر وتعزّز دور الممر كبنية تحتية حيوية لأوروبا وآسيا والخليج معاً. وستظل وتيرة العودة مشروطة بالظروف الأمنية، وقد كان الناقلون صريحين في احتفاظهم بمرونة إعادة التوجيه إذا تغيّر الوضع. لكن المسار خلال 2026، من خطوة IMX في فبراير إلى تحوّل AE15 والتعافي المطّرد في إحصاءات القناة، يشير نحو تطبيع تدريجي، وهو تطوّر بنّاء لمصر ولتدفقات التجارة التي تربط المنطقة ببقية العالم.
لماذا يهم: قناة السويس ركيزة للتجارة العالمية ومصدر رئيسي للعملة الأجنبية لمصر معاً، ولذلك فإن عودة خدمة جوهرية بين آسيا وأوروبا من قبل ميرسك وهاباغ لويد أكثر من قرار توجيه. فهي تشير إلى أن الممر يستقر بعد اضطراب مطوّل، وتدعم حصائل مصر من العملة الصعبة في وقت حساس، وتؤشر إلى تخفّف الضغط على أسعار الشحن العالمية مع تحرير الرحلات الأقصر لسعة الشحن.
الآفاق: ستعتمد وتيرة التطبيع على الظروف الأمنية في البحر الأحمر، مع احتفاظ الناقلين بخطط طوارئ لإعادة التوجيه عند الحاجة. والمؤشرات التي يُنتبه إليها هي ما إذا كانت مزيد من خدمات الحاويات ستتبع AE15 عائدةً إلى السويس، وكيف تؤثر الرسوم الإضافية المعدّلة من 15 يوليو في الأحجام، ومسار أرقام حركة القناة وإيرادها الشهرية التي ستُظهر مدى تعافي أهم أصل تجاري لمصر.
المصادر: ميرسك؛ هاباغ لويد؛ هيئة قناة السويس؛ الهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

