قطاع الخدمات الأمريكي يواصل النمو في يونيو مع تراجع ضغوط الأسعار وعودة التوظيف
واصل قطاع الخدمات الأمريكي، الذي يمثّل الحصة الأكبر من أكبر اقتصاد في العالم، توسّعه في يونيو، إذ سجّل مؤشر مديري المشتريات للخدمات الصادر عن معهد إدارة التوريد المتابَع عن كثب قراءة 54.0 بالمئة، بانخفاض نصف نقطة عن 54.5 بالمئة في مايو. والقراءة، التي صدرت الاثنين 6 يوليو بعد تأجيل عن توقيتها المعتاد في أول يوم عمل بسبب عطلة عيد الاستقلال، تمثّل الشهر الرابع والعشرين على التوالي من التوسّع وتشير إلى اقتصاد لا يزال ينمو وإن كانت الوتيرة تعتدل. والرقم فوق 50 يشير إلى توسّع في صناعات الخدمات التي تشكّل نحو ثلثي الناتج الأمريكي.
كان التفصيل خلف العنوان أكثر تشجيعاً مما يوحي به التراجع الطفيف، لأن التطورين الأهم لآفاق التضخم والفائدة تحركا في اتجاه مفيد. فقد تراجعت ضغوط الأسعار وعاد التوظيف.
تراجع مؤشر الأسعار، مقياس التضخم في المسح، 3.6 نقطة إلى 67.7 بالمئة، وهي أول قراءة دون 70 بالمئة منذ فبراير وأدناها في أربعة أشهر. وارتفعت الأسعار التي تدفعها شركات الخدمات الآن على مدى 109 أشهر متتالية، فهذا ليس انكماشاً، لكن تباطؤ وتيرة الزيادة مهم. فخلال الربيع كانت كلفة الخدمات أحد أكثر مكوّنات التضخم الأمريكي عناداً، والعودة إلى ما دون 70 تشير إلى أن بعض ضغط الكلفة المتنقّل عبر سلاسل التوريد بدأ يخفّ. وأشار رئيس لجنة المسح ستيف ميلر إلى أن المستجيبين واصلوا الإشارة إلى الرسوم الجمركية كموضوع في التسعير لكنهم ذكروا كلفة المنتجات النفطية بوتيرة أقل من الأشهر السابقة، ونوّه بهبوط الخام دون 70 دولاراً للبرميل لأول مرة منذ فبراير، بانخفاض يفوق 30 بالمئة عن ذروته، كعامل يُتوقّع أن يخفّف ضغط الأسعار مع الخريف.
وتحسّنت صورة التوظيف أيضاً. فقد ارتفع مؤشر التوظيف 3.3 نقطة إلى 51.2 بالمئة، عائداً إلى التوسّع بعد ثلاثة أشهر متتالية من الانكماش. ومن أصل 18 صناعة خدمية مرصودة، أبلغت تسع صناعات، تمثّل أكثر من 58 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، عن ارتفاع في التوظيف في يونيو. وعزا ميلر جزءاً من التحسّن إلى توظيف مرتبط بكأس العالم المقامة في الولايات المتحدة، لكن أيضاً إلى شعور أوسع بأن استقرار سلاسل التوريد واستمرار الطلب منحا الشركات ثقة لإضافة موظفين بشكل انتقائي. وهذا تحوّل لافت بعد سلسلة من الانكماشات الشهرية في توظيف الخدمات.
لم يتقوَّ كل مكوّن. فقد تراجع نشاط الأعمال، مقياس الإنتاج الحالي، 2.3 نقطة إلى 55.4 بالمئة، وتراجعت الطلبات الجديدة 2.2 نقطة إلى 55.1 بالمئة، في شهرها الثالث عشر من النمو. وكلاهما لا يزال في توسّع مريح، لكن القراءات الألين تظهر أن الزخم تراجع عن ذرى مطلع العام. وتباطأت تسليمات الموردين إلى 54.4 بالمئة، فيما انزلقت الواردات إلى الانكماش عند 49.4 بالمئة وارتفعت الطلبات المتراكمة إلى 54.9 بالمئة. والرسالة الإجمالية هي قطاع لا يزال يتوسّع على الطلب، مع نمو أبطأ في الإنتاج والأعمال الجديدة لكن مع تحرّك التوظيف والأسعار في اتجاهات يرحّب بها صنّاع السياسة.
ويترجم المعهد القراءة الرئيسية إلى إشارة نمو، مشيراً إلى أن مؤشر خدمات عند 54.0 بالمئة يقابل بمرور الوقت زيادة نحو 1.9 نقطة مئوية في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي على أساس سنوي. وعلى هذا المقياس توسّع الاقتصاد الأوسع الآن 73 شهراً متتالياً. وبأخذه مع مسح التصنيع، تصف القراءتان اقتصاداً لا يزال ينمو بوتيرة معتدلة عبر السلع والخدمات معاً.
وتأتي قراءة الخدمات ليونيو ضمن مجموعة أوسع من البيانات الأمريكية التي لانت عند الأطراف دون أن تنكسر. فقد جاء مؤشر التصنيع للمعهد ليونيو، الصادر في 1 يوليو، عند 53.3 بالمئة، بانخفاض 0.7 نقطة عن مايو لكنه لا يزال الشهر السادس على التوالي من التوسّع. وأظهر تقرير التوظيف ليونيو، الصادر في 2 يوليو، ارتفاع الوظائف غير الزراعية 57 ألفاً فقط، وهو تباطؤ ملحوظ عن مايو، مع بقاء معدل البطالة عند 4.2 بالمئة، مكبوحاً جزئياً بتراجع معدل المشاركة في القوى العاملة إلى 61.5 بالمئة. وفي مقابل ذلك الرقم الأضعف للوظائف، تُذكّر عودة مؤشر توظيف الخدمات إلى التوسّع بأن بيانات المسح الانتشارية وعدّ الوظائف الفعلي لا يتحركان دائماً معاً، وأثر توظيف كأس العالم الذي أشار إليه المعهد سبب لقراءة قوة توظيف يونيو بشيء من الحذر.
بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي، التوليفة مطمئنة عموماً. فقد أبقى البنك المركزي نطاقه المستهدف عند 3.50 إلى 3.75 بالمئة في اجتماعه في 17 يونيو، الأول برئاسة كيفن وارش، ومالت توقعاته إلى إبقاء السياسة تقييدية مع بقاء مخاطر التضخم مائلة صعوداً. ومسح خدمات يُظهر استمرار النمو وتخفّف ضغط الأسعار وتوظيفاً أمتن يدعم منطق الصبر لا الاستعجال: فهو لا يدفع الفيدرالي نحو الخفض بإشارته إلى ضعف، ولا يستدعي التشديد بإظهار كلفة جامحة. ومؤشر الأسعار الألين تحديداً يمنح الفيدرالي مزيداً من الاطمئنان بأن مسار خفض التضخم، وإن كان بطيئاً، لا يزال قائماً.
بالنسبة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ينتقل الأثر عبر قنوات مألوفة. فاقتصاد أمريكي يواصل التوسّع بوتيرة معتدلة يدعم الطلب والتجارة العالميين، وهو ما يهمّ مصدّري الخليج ونمو المنطقة الأوسع. ومسار الفائدة الأمريكية يشكّل قوة الدولار وعوائد الخزانة، اللذين ينتقلان إلى الخليج عبر ربط العملات ويؤثران في السيولة الإقليمية وكلفة الاقتراض وشهية المخاطرة. وتخفّف ضغط أسعار الخدمات، المرتبط جزئياً بأسعار نفط أدنى، يذكّر بمدى تشابك أهم صادرات المنطقة مع قصة التضخم في أكبر اقتصاد يشتري منها.
لماذا يهم: مسح خدمات المعهد هو أحدث قراءة للجزء الأكبر من الاقتصاد الأمريكي، وقد روى تقرير يونيو قصة بنّاءة تحت عنوان أضعف: استمر النمو، وعاد التوظيف إلى التوسّع، وتراجع مقياس التضخم الرئيسي إلى أدناه في أربعة أشهر. وبالنسبة لاحتياطي فيدرالي يحاول خفض التضخم دون كسر الاقتصاد، تلك التوليفة من طلب ثابت وأسعار تبرد قريبة مما يبدو عليه الهبوط الناعم، وتُبقي البنك المركزي على مسار صبور يشكّل ظروف الدولار والفائدة المحسوسة عبر الخليج.
الآفاق: المؤشرات التالية هي تقريرا أسعار المستهلكين والمنتجين ليونيو، واجتماع الفيدرالي أواخر يوليو، وإصدار خدمات المعهد ليوليو المقرر في 5 أغسطس. وإذا واصلت الأسعار البرود مع صمود النشاط، فقد تتقوّى توقعات تخفيف نقدي في نهاية المطاف؛ وأي تسارع في الكلفة، خصوصاً إذا انتقل أثر الرسوم بقوة أكبر، سيدفع في الاتجاه المعاكس ويُبقي الدولار والعوائد الأمريكية مدعومة.
المصادر: معهد إدارة التوريد؛ سي إن بي سي؛ الاحتياطي الفيدرالي؛ مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.

