الصين تقلّص عجزها المالي للمرة الأولى منذ 2023 مع كبح التحفيز
تقلّص العجز المالي المجمّع في الصين للمرة الأولى منذ أكثر من عامين، في إشارة إلى موقف سياسي أكثر تحفظاً رغم استمرار ضعف الطلب المحلي والضغوط الناجمة عن تراجع القطاع العقاري.
وتُظهر حسابات “بلومبرغ” المستندة إلى بيانات وزارة المالية الصادرة في 22 يونيو أن العجز المجمّع في أكبر حسابين للموازنة الحكومية في الصين انخفض 4.1% على أساس سنوي خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 إلى نحو 3.16 تريليون يوان، أي ما يعادل نحو 466 مليار دولار. وتراجع الإنفاق المجمّع في الحسابين 3.9% في مايو على أساس سنوي، في ثالث انخفاض شهري على التوالي، بينما تراجع إجمالي الإنفاق خلال يناير-مايو 0.3%. وارتفعت الإيرادات المجمّعة نحو 0.8% خلال الفترة نفسها.
تقشّف متعمَّد
تشير البيانات إلى أن بكين تختار ضبط الإنفاق بدلاً من دفعة تحفيز واسعة، رغم ضعف المؤشرات المحلية. وقال اقتصاديو “غولدمان ساكس” إن السياسة المالية أصبحت أقل دعماً للنمو في الربع الثاني مقارنة بالأول، بفعل تراجع إيرادات بيع الأراضي وانكماش دعم بنوك السياسات، مضيفين أنهم لا يتوقعون تحفيزاً كبيراً واسع النطاق في الأجل القريب في ظل قوة الصادرات وتواضع مستهدف النمو الرسمي لعام 2026 البالغ 4.5% إلى 5%. وخفض البنك توقعاته لنمو الربع الثالث إلى 4.5%، وهو الحد الأدنى لذلك المستهدف.
وتظل الضغوط واضحة عبر عدة بنود للموازنة. فقد انخفض الإنفاق المرتبط بالبنية التحتية نحو 12% على أساس سنوي في مايو، بعد تراجع أكبر في الشهر السابق، فيما ظلت إيرادات نقل حقوق استخدام الأراضي تحت ضغط، منخفضةً نحو 36% في مايو و28.7% خلال يناير-مايو مع استمرار تراجع القطاع العقاري في الضغط على مالية الحكومات المحلية. وقدّمت الإيرادات الضريبية تعويضاً جزئياً، إذ ارتفعت الإيرادات الضريبية الوطنية 4.4% خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام بدعم تكثيف جهود التحصيل.
لماذا يهم ذلك
للموقف المالي الصيني امتداد عالمي. فبصفتها أكبر مستورد للسلع في العالم ومحركاً رئيسياً للطلب الصناعي، تشكّل رغبة بكين، أو إحجامها، عن تسريع الإنفاق توقعات الطاقة والمعادن والتجارة العالمية مباشرة. وبالنسبة لمنتجي النفط في الخليج تحديداً، يظل الطلب الصيني متغيراً رئيسياً لأسواق الخام، إذ إن بكين الأكثر تحفظاً التي تعتمد على قوة الصادرات بدلاً من الاستثمار المحلي قد تحدّ من ضغوط الصعود على طلب السلع، بما له تبعات على تسعير النفط والتخطيط المالي عبر الاقتصادات المصدّرة للطاقة.
وقد يتسارع الإنفاق لاحقاً هذا العام. فقد أشارت الصين إلى طموحات كبيرة في البنية التحتية لعام 2026، بما في ذلك شبكات الحوسبة واستثمارات أخرى، وكما أشار لين سونغ، كبير الاقتصاديين لمنطقة الصين الكبرى لدى “آي إن جي”، يظل التعافي الاستثماري بقيادة الحكومة ممكناً في النصف الثاني، وإن بقي من غير المؤكد ما إذا كان كافياً لتعويض ضعف الاستثمار الخاص.
النظرة المستقبلية
السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الصادرات والدعم المستهدف قادرين على إبقاء النمو ضمن النطاق المستهدف من دون دفعة مالية أوسع. فإذا ظل الطلب المحلي ضعيفاً، فقد تتعرض السلطات لضغوط لتسريع الإنفاق على البنية التحتية في النصف الثاني. وبالنسبة للأسواق العالمية، فإن أبرز المؤشرات التي ينبغي متابعتها هي وتيرة الإنفاق على البنية التحتية وإيرادات بيع الأراضي وتمويل بنوك السياسات وأي تحول من الإجراءات المستهدفة نحو تحفيز أوسع، وكلها ستشكّل آفاق الطلب على السلع المرتبط بالصين.
المصادر: بلومبرغ؛ وزارة المالية الصينية.

