البنك المركزي الأوروبي على وشك أول رفع لأسعار الفائدة بين البنوك المركزية الغربية الكبرى مع تجدد مخاطر التضخم
يُتوقع أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في اجتماع السياسة النقدية المقرر يومَي 10 و11 يونيو، في تحوّل لافت في آفاق السياسة النقدية لمنطقة اليورو بعد عودة ضغوط التضخم إلى التسارع في أرجاء التكتل.
ويتزايد توقّع الاقتصاديين والمشاركين في الأسواق رفع البنك المركزي الأوروبي لمعدل تسهيلات الإيداع بمقدار 25 نقطة أساس، من 2.00% إلى 2.25%. وستُمثّل هذه الخطوة انعكاساً لدورة التيسير التي طبعت معظم عامَي 2024 و2025، وستضع البنك المركزي الأوروبي بين أوائل البنوك المركزية الغربية الكبرى التي تعود إلى التشديد استجابةً لتجدد مخاطر التضخم.
ويأتي القرار المتوقع في وقت تجاوز فيه التضخم في منطقة اليورو هدف البنك المركزي البالغ 2%. وأظهر التقدير الأولي الصادر عن يوروستات (المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي) ارتفاع التضخم السنوي إلى 3.2% في مايو 2026، من 3.0% في أبريل. وظلت الطاقة المصدر الأكبر للضغط، إذ ارتفعت بنسبة 10.9% سنوياً، فيما ارتفع تضخم الخدمات إلى 3.5%، مما يُشير إلى أن ضغوط الأسعار لا تقتصر على الطاقة وحدها.
مخاطر التضخم تعود إلى صميم السياسة النقدية
عزّزت أحدث بيانات التضخم مبررات تبنّي موقف نقدي أكثر تقييداً.
وأبقى البنك المركزي الأوروبي على معدلاته الرئيسية دون تغيير في اجتماعه الأبريلي، حيث ظل معدل تسهيلات الإيداع عند 2.00%، ومعدل عمليات إعادة التمويل الرئيسية عند 2.15%، ومعدل تسهيلات الإقراض الهامشية عند 2.40%. ومنذ ذلك الحين، تحوّلت بيانات التضخم وتوقعات الأسواق بشكل حاسم نحو رفع أسعار الفائدة في يونيو.
وأظهر استطلاع لوكالة رويترز أن 74 من أصل 80 اقتصادياً يتوقعون أن يرفع البنك المركزي الأوروبي معدل تسهيلات الإيداع إلى 2.25% في قرار 11 يونيو. وهذا يُمثّل إجماعاً قوياً على أن البنك المركزي سيتحرك لاحتواء مخاطر التضخم قبل أن تتجذّر بشكل أعمق في التوقعات.
ويتمثّل القلق الرئيسي في أن ارتفاع أسعار الطاقة، والاضطرابات الجيوسياسية، واستمرار تضخم الخدمات قد تُبقي التضخم الكلي فوق المستوى المستهدف لفترة أطول مما كان متوقعاً. وبالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، فإن التحدي ليس فقط معدل التضخم الحالي، بل خطر أن تبدأ صدمات العرض المؤقتة في التأثير على تحديد الأجور، وسلوك التسعير، وتوقعات التضخم متوسطة الأجل.
صدمة عرض تختلف عن تحديات مجلس الاحتياطي الفيدرالي
تُسلّط الخطوة المتوقعة من البنك المركزي الأوروبي الضوء على تباين مهم بين أوروبا والولايات المتحدة.
فبينما يواصل مجلس الاحتياطي الفيدرالي تقييم الطلب المحلي، وأوضاع سوق العمل، وتضخم الخدمات الأساسية، يواجه البنك المركزي الأوروبي تعرضاً أكثر مباشرةً لتكاليف الطاقة المستوردة. إذ تظل منطقة اليورو أكثر عرضة لصدمات أسعار الطاقة العالمية لأن واردات الطاقة تلعب دوراً أكبر في انتقال التضخم لديها.
ويخلق ذلك معضلة نقدية مختلفة. فمجلس الاحتياطي الفيدرالي يوازن بشكل رئيسي بين ضغوط التضخم المدفوعة بالطلب المحلي ومرونة النمو. أما البنك المركزي الأوروبي فيواجه صدمة تضخم من جانب العرض، تهدد بالامتداد إلى فئات أسعار أوسع، فيما يظل النمو هشاً.
ويُكتسب هذا التمييز أهمية للمستثمرين. فإذا رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة فيما يبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي أكثر حذراً، فإن فروق العائد قد توفر دعماً لليورو. وفي الوقت ذاته، قد تضغط الأوضاع النقدية الأوروبية الأكثر تشدداً على القطاعات الحساسة لأسعار الفائدة، كالعقارات، والإنشاءات، والمقترضين من الشركات ذات الرافعة المالية المرتفعة.
مفاضلات النمو تظل كبيرة
يأتي الرفع المتوقع لأسعار الفائدة في مرحلة صعبة من دورة منطقة اليورو.
إذ يظل النمو متراجعاً، فيما يتوقع الاقتصاديون أن يبقى توسع منطقة اليورو دون 1% في 2026. وقد تُضيف تكاليف الاقتراض الأعلى ضغطاً إضافياً على استثمار الشركات واستهلاك الأسر، وخاصةً إذا استمرت أسعار الطاقة في الضغط على الدخل الحقيقي.
ومن ثَمّ، يواجه البنك المركزي الأوروبي مساراً نقدياً ضيقاً. فإذا أجّل التحرك، فقد تضعف مصداقيته في احتواء التضخم. وإذا شدّد بقوة مفرطة، فقد يُضيف ضغطاً على تعافٍ هشّ بالفعل.
ولذلك، فإن قرار يونيو من المرجح أن يكون أقل أهمية من التوجيهات التي ستليه. وسيُركّز المستثمرون عن كثب على ما إذا كانت رئيسة البنك كريستين لاغارد ستُقدّم الرفع المتوقع باعتباره تعديلاً لمرة واحدة، أم ستترك الباب مفتوحاً أمام رفعات إضافية لاحقاً في العام.
التداعيات على الأسواق
تكيّفت أسواق السندات بالفعل مع احتمال أن يكون البنك المركزي الأوروبي أكثر تشدداً. فارتفاع أسعار الفائدة قصيرة الأجل عادةً ما يُمارس ضغطاً صعودياً على عوائد سندات الحكومات، وخاصةً في الجزء الأمامي من المنحنى، حيث يكون التسعير الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية للبنوك المركزية.
وبالنسبة للبنوك، يمكن لبيئة أسعار الفائدة الأعلى أن تدعم هوامش صافي الفائدة، خاصةً إذا تكيّفت تكاليف الودائع بوتيرة أبطأ من معدلات الإقراض. غير أن الأثر أقل ملاءمة للمقترضين، وبخاصة الأسر والشركات المعرّضة بالفعل لتكاليف تمويل أعلى.
أما تداعيات سوق الأسهم فمتباينة. فقد تستفيد المؤسسات المالية من ارتفاع أسعار الفائدة، في حين قد تُواجه قطاعات العقارات والمرافق والشركات ذات الرافعة المالية المرتفعة ضغطاً متجدداً على التقييمات. وقد تتفاعل أسواق العملات كذلك إذا أشار البنك المركزي الأوروبي إلى مسار تشديد أكثر استدامة مقارنةً بالبنوك المركزية الكبرى الأخرى.
الخلاصة
قد يُصبح اجتماع يونيو للبنك المركزي الأوروبي لحظة محورية في دورة السياسة النقدية لمنطقة اليورو في 2026.
فرفع بمقدار 25 نقطة أساس لن يُمثّل تحركاً عنيفاً في حد ذاته، لكنه سيُشير إلى أن البنك المركزي مستعد للاستجابة لتجدد مخاطر التضخم حتى في بيئة منخفضة النمو.
والمسألة الجوهرية هي ما إذا كان التضخم سيبقى متركّزاً في الطاقة والخدمات، أم أنه سيتسع ليُشكّل دورة أسعار أكثر استمراراً. وإذا تحقق السيناريو الثاني، فقد يكون لدى البنك المركزي الأوروبي مساحة محدودة للتعامل مع يونيو باعتباره تحركاً لمرة واحدة.
وبالنسبة للمستثمرين وصنّاع السياسات، فإن الرسالة واضحة: لم تختفِ مشكلة التضخم في أوروبا بالكامل. والبنك المركزي الأوروبي مضطر الآن إلى الموازنة بين ضعف النمو وتجدد ضغوط الأسعار، فيما تعود صدمات الطاقة لتشكّل آفاق السياسة النقدية.
المصادر: البنك المركزي الأوروبي، يوروستات (المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي)، رويترز، فاينانشال تايمز، والأبحاث المؤسسية للأسواق.

