الذهب يُسجّل تراجعاً أسبوعياً حاداً مع ضغوط مخاوف الفائدة رغم استمرار شراء البنوك المركزية
أنهى الذهب الأسبوع الأول من يونيو تحت ضغط شديد، مسجّلاً واحداً من أحدّ تراجعاته الأسبوعية منذ أشهر، مع إعادة المستثمرين تقييم آفاق أسعار الفائدة الأمريكية، والدولار، والطلب على الملاذ الآمن.
وانخفض الذهب في بورصة كومكس بنحو 5% خلال الأسبوع إلى نحو 4,337 دولاراً للأونصة، بما في ذلك تراجع يفوق 3% في الجلسة الختامية. ومثّل ذلك تصحيحاً حاداً من المستويات القياسية التي بلغها الذهب في وقت سابق من 2026، وإن ظل أعلى بكثير من مستوياته قبل عام.
ويُبرز هذا التراجع سمة رئيسية للسوق الحالية: فالأسعار قصيرة الأجل مدفوعة بتوقعات السياسة النقدية ومراكز المستثمرين، فيما يستمر الدعم طويل الأجل في الإتيان من تراكم البنوك المركزية، وعدم اليقين الجيوسياسي، وتنويع الاحتياطيات.
قوة بيانات الوظائف الأمريكية تُعيد تسعير توقعات الفائدة
كان المحرك الرئيسي لعمليات البيع تقريراً للوظائف الأمريكية أقوى من المتوقع.
إذ ارتفعت العمالة غير الزراعية في الولايات المتحدة بمقدار 172,000 وظيفة في مايو، مما عزّز الرأي بأن سوق العمل لا يزال صامداً رغم التوقعات السابقة بتباطؤه. ودفعت هذه البيانات عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى الارتفاع، وأحيت المخاوف من أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يُضطر إلى إبقاء السياسة النقدية مُقيِّدة لفترة أطول، أو حتى التفكير في تشديد إضافي إذا ظلت ضغوط التضخم مرتفعة.
ويكتسب ذلك أهمية مباشرة بالنسبة للذهب. فالذهب لا يُدرّ دخلاً، ومن ثَمّ فإن ارتفاع عوائد السندات يُزيد من تكلفة الفرصة البديلة لحيازته. وعندما ترتفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية ويتعزّز الدولار، يتعرّض الذهب غالباً للضغط مع تحوّل المستثمرين نحو الأصول المُدِرّة للعائد.
ويعكس آخر تحركات الأسعار تعديلاً اقتصادياً كلياً كلاسيكياً: فبيانات اقتصادية أقوى قلّصت توقعات التيسير النقدي قريب الأجل، ورفعت العوائد، وعزّزت الدولار، وأثارت عمليات جني الأرباح في المعادن النفيسة.
تراجع علاوة الملاذ الآمن
ارتبط تصحيح الذهب كذلك بتراجع جزئي لعلاوة المخاطر الجيوسياسية.
ففي وقت سابق من العام، أسهمت التوترات الإقليمية، والمخاوف بشأن إمدادات الطاقة، وحالة عدم اليقين بشأن التجارة العالمية، في دفع الذهب إلى مستويات قياسية. غير أنه مع تراجع المخاوف من تصعيد فوري، قلّص بعض المستثمرين مراكزهم الدفاعية.
وهذا لا يعني أن المخاطر الجيوسياسية قد اختفت. إذ تظل أسواق الطاقة، وطرق الشحن، والتوترات السياسية مصادر مهمة لعدم اليقين. غير أن الذهب كان قد سعّر بالفعل علاوة مخاطر كبيرة، مما جعله عرضةً للتصحيح بمجرد أن بدأ المستثمرون يطالبون بمحفزات أقوى لتبرير الأسعار الأعلى.
ولذلك، ينبغي النظر إلى الهبوط جزئياً باعتباره إعادة توازن بعد ارتفاع مطوّل، لا انعكاساً كاملاً للموقف الاستثماري طويل الأجل.
البنوك المركزية تواصل توفير الدعم الهيكلي
جاء تراجع الأسعار رغم استمرار الطلب من القطاع الرسمي.
إذ مدّد بنك الشعب الصيني سلسلة شرائه للذهب إلى الشهر التاسع عشر على التوالي في مايو، مما يُعزز الرأي بأن بكين تظل ملتزمة بزيادة دور الذهب في محفظتها الاحتياطية. وفي أبريل، أضاف بنك الشعب الصيني نحو 8 أطنان من الذهب، ليصل إجمالي حيازاته الرسمية إلى نحو 2,322 طناً، أي ما يعادل قرابة 9% من إجمالي الاحتياطيات.
ويظل الاتجاه العام للبنوك المركزية لافتاً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي، اشترت البنوك المركزية 863 طناً من الذهب في 2025، أقل من المستويات الاستثنائية التي تجاوزت 1,000 طن في السنوات السابقة، لكنها لا تزال أعلى بكثير من المتوسط طويل الأجل. وتُشير التوقعات إلى أن مشتريات القطاع الرسمي قد تظل مرتفعة في 2026، مدعومةً بتنويع الاحتياطيات، والتشظي الجيوسياسي، والمخاوف من الاعتماد المفرط على عملات الاحتياطي الرئيسية.
ويكتسب هذا التمييز أهمية. فالبنوك المركزية ليست عادةً مُحدِّداً لأسعار الذهب قصيرة الأجل. فمشترياتها توفر أرضية هيكلية للطلب، لكنها لا تمنع التصحيحات حين تتحرك مراكز العقود الآجلة، وقوة الدولار، وتوقعات أسعار الفائدة ضد الذهب.
تراجع الزخم الفني
يُشير سرعة التراجع إلى أن البيع الفني لعب دوراً كذلك.
فبعد ارتفاع قوي على مدى عدة أشهر، أصبح الذهب عرضةً لجني الأرباح. وبمجرد أن كسرت الأسعار مستويات الدعم الفنية المهمة قصيرة الأجل، يُرجَّح أن المستثمرين المعتمدين على الزخم واستراتيجيات التداول الخوارزمي عجّلوا من حدة التراجع.
وليست مثل هذه التصحيحات أمراً غير معتاد في الأسواق الصاعدة الأوسع للذهب. إذ يمكن أن تحدث تراجعات بين 5% و10% حتى مع بقاء الاتجاه طويل الأجل سليماً، وخصوصاً بعد تحرك الأسعار بشكل حاد فوق المتوسطات التاريخية.
والسؤال الجوهري الآن هو ما إذا كان التراجع سيستقر قرب المستويات الحالية، أم سيتطور إلى تصحيح أعمق مدفوع باستمرار قوة الدولار وارتفاع العوائد الحقيقية.
الخلاصة
يعتمد اتجاه الذهب قريب الأجل على ثلاثة متغيرات رئيسية.
الأول هو السياسة النقدية الأمريكية. فإذا استمرت بيانات التضخم وسوق العمل القادمة في دعم موقف مجلس الاحتياطي الفيدرالي “الأعلى لفترة أطول”، فقد يظل الذهب تحت الضغط.
الثاني هو الدولار الأمريكي. فدولار أقوى سيواصل الضغط على الذهب بجعله أكثر تكلفة للمشترين من خارج منطقة الدولار.
الثالث هو المخاطر الجيوسياسية. فأي تصعيد متجدد في أسواق الطاقة، أو طرق الشحن، أو نقاط التوتر الجيوسياسي الكبرى، يمكن أن يستعيد بسرعة الطلب على الملاذ الآمن.
وعلى الرغم من التراجع الأسبوعي الحاد، يظل السيناريو طويل الأجل للذهب مدعوماً بمشتريات البنوك المركزية، وارتفاع مستويات الدين السيادي، والتشظي الجيوسياسي، وتنويع الاحتياطيات. ومن ثَمّ، يبدو البيع الأخير أكثر اتساقاً مع تصحيح تكتيكي منه مع انهيار هيكلي.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن الرسالة متوازنة: يظل الذهب مدعوماً بقوى طويلة الأجل قوية، لكن من المرجح أن يبقى التذبذب قصير الأجل مرتفعاً مع تكيّف الأسواق مع التوقعات المتغيرة لأسعار الفائدة والتطورات الجيوسياسية.
المصادر: مجلس الذهب العالمي، بيانات احتياطيات بنك الشعب الصيني، رويترز، بلومبرغ، وول ستريت جورنال، أسوشيتد برس، بيانات بورصة CME، والأبحاث المؤسسية لأسواق السلع.

