سبيس إكس تستعد لما قد يكون أكبر طرح عام أولي في التاريخ
تستعد سبيس إكس لطرح ما قد يصبح أكبر اكتتاب عام أولي في التاريخ، إذ من المتوقع أن تجمع الصفقة المقترحة نحو 75 مليار دولار أمريكي إذا ما أُتمّت وفق الشروط المُعلنة.
قدّمت الشركة نموذج S-1 إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية في مايو 2026، في خطوة رسمية نحو إدراج أسهمها في بورصة ناسداك تحت الرمز SPCX. وتشير التغطية الحالية للأسواق إلى أن سبيس إكس تعتزم طرح 555,555,555 سهماً بسعر 135 دولاراً للسهم الواحد، بما يحقق عائدات إجمالية تبلغ نحو 75 مليار دولار قبل الرسوم والتعديلات النهائية للصفقة.
وفي حال إتمام الصفقة بهذا الحجم، فإن الطرح سيكون أكبر بنحو ثلاث مرات من اكتتاب أرامكو السعودية في 2019، وبأكثر من ثلاث مرات من إدراج علي بابا في 2014. كما أنه سيعيد تشكيل المعيار العالمي لجمع رأس المال في أسواق الأسهم، ليصبح من أبرز أحداث أسواق المال خلال العقد الحالي.
قياس جديد للطروحات العالمية
يُعد حجم الصفقة المقترح استثنائياً. وتُظهر بيانات Renaissance Capital المستشهد بها في تغطية الأسواق أن أرامكو السعودية تحتل حالياً المرتبة الأولى بعد أن جمعت 25.6 مليار دولار في عام 2019، تليها مجموعة علي بابا بنحو 21.8 مليار دولار، ثم سوفت بنك كورب التي جمعت 21.3 مليار دولار في عام 2018.
وبالمقارنة مع هذا المعيار، فإن طرحاً لسبيس إكس بقيمة 75 مليار دولار سيكون أكبر بنحو 2.9 مرة من حجم اكتتاب أرامكو الأولي، وبنحو 3.4 مرة من طرح علي بابا. كما أنه سيتجاوز مجموع عائدات أرامكو وعلي بابا وسوفت بنك كورب مجتمعة، التي بلغت قرابة 68.7 مليار دولار.
ولن يكون هذا مجرد اكتتاب تكنولوجي كبير، بل سيعيد تعريف الحد الأقصى لحجم الطروحات العامة الأولية عالمياً.
الأرقام وراء الصفقة
عند سعر 135 دولاراً للسهم، فإن بيع 555,555,555 سهماً سيوفر عائدات بقيمة 74.999999925 مليار دولار، أي ما يعادل عملياً 75.0 مليار دولار. وتشير التغطية الحالية للأسواق إلى أن القيمة الضمنية للشركة تتراوح بين نحو 1.75 و1.77 تريليون دولار.
وفي حال تحقيق هذه القيمة، فإن عائدات الاكتتاب ستمثل نحو 4.2% إلى 4.3% من القيمة السوقية الضمنية لحقوق المساهمين. وهذا جوهر القصة؛ إذ ستجمع سبيس إكس رأس مال أكبر من أي شركة أخرى في تاريخ الطروحات الأولية، مع بيع حصة صغيرة نسبياً فقط من أسهمها.
تُشير التغطية كذلك إلى أن إيرادات سبيس إكس بلغت نحو 18.7 مليار دولار في عام 2025. وقد استشهدت Renaissance Capital برقم إيرادات يقارب 19.3 مليار دولار للأشهر الاثني عشر المنتهية في 31 مارس 2026. واستناداً إلى قيمة سوقية بنحو 1.75 تريليون دولار، فإن ذلك يُشير إلى مُضاعف إيرادات يبلغ نحو 91 مرة.
وتعكس هذه الأرقام قوة التوقعات بشأن أداء الشركة، ومستوى التنفيذ المطلوب لتبرير هذه القيمة السوقية.
لماذا يتابع المستثمرون عن كثب
لم تعد سبيس إكس يُنظر إليها كشركة إطلاق صواريخ فحسب، بل تجمع أنشطتها بين منظومات الإطلاق القابلة لإعادة الاستخدام، وخدمات الإنترنت عبر شبكة ستارلينك، والمركبات الفضائية، وعقود الدفاع والقطاع الحكومي، إضافة إلى طموحات أوسع في البنية التحتية الفضائية.
وقد أصبحت الشركة من أهم الشركات التكنولوجية الخاصة من الناحية الاستراتيجية على مستوى العالم، لأنها تقع عند تقاطع الوصول إلى الفضاء، والاتصال العالمي، والأمن القومي، والبنية التحتية المتقدمة.
وبالنسبة لمستثمري الأسواق العامة، فإن الاكتتاب يتيح فرصة نادرة للاستثمار في شركة تحتل مواقع قيادية في كل من خدمات الإطلاق وشبكات الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض، وهذه الندرة تُمثل أحد أسباب ارتفاع التقييم المقترح.
المقارنة مع أكبر الطروحات السابقة
تركّزت الطروحات القياسية السابقة في قطاعات الطاقة والاتصالات والمدفوعات والقطاع المصرفي وعمليات الخصخصة الحكومية.
فقد عكس اكتتاب أرامكو السعودية بقيمة 25.6 مليار دولار حجم أكبر شركة نفط في العالم، فيما عبّرت صفقة علي بابا بقيمة 21.8 مليار دولار عن التوسع العالمي للتجارة الإلكترونية الصينية. كما عكست اكتتابات سوفت بنك كورب وNTT وفيزا تحولات كبرى في قطاعات الاتصالات والبنية التحتية للمدفوعات.
أما سبيس إكس، فهي مختلفة؛ إذ تجمع بين التكنولوجيا الصناعية والصناعات الفضائية وشبكات الأقمار الصناعية واقتصاديات المنصات. وإذا جمعت الشركة 75 مليار دولار في طرحها، فإن حجمها سيتجاوز بفارق كبير اكتتابات أرامكو وعلي بابا وسوفت بنك كورب وNTT منفصلة.
كما أن الصفقة ستكون أكبر بأكثر من أربع مرات من اكتتاب ميتا في 2012 الذي جمع نحو 16 مليار دولار.
التداعيات على الأسواق
قد يُحدث الإدراج الناجح لسبيس إكس عدة تأثيرات مهمة على أسواق رأس المال.
أولاً، قد يُعيد إحياء شهية المستثمرين لإدراج شركات نمو ضخمة بعد سنوات من الأداء المتذبذب في سوق الطروحات الأولية. ومن شأن استقبال قوي للصفقة أن يدفع شركات تكنولوجية خاصة كبرى أخرى للتفكير في الإدراج العام.
ثانياً، سيُعزز دور أسواق الأسهم العامة في تمويل شركات البنية التحتية الاستراتيجية. فسبيس إكس تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة في منظومات الإطلاق وشبكات الأقمار والبنية التحتية الفضائية طويلة الأجل. ويمكن لرأس المال العام أن يدعم هذا التوسع ويوفر سيولة للمستثمرين والموظفين الأوائل.
ثالثاً، سيختبر الإدراج مدى استعداد المستثمرين لقبول مضاعفات تقييم مرتفعة جداً لشركات تُعد فريدة استراتيجياً. فمضاعف الإيرادات الضمني يفوق بكثير معظم الشركات التكنولوجية والفضائية وشركات الاتصالات الناضجة المدرجة.
أبرز المخاطر
الفرصة كبيرة، لكن المخاطر كذلك.
المخاطرة الأولى هي التقييم. فقيمة سوقية تبلغ 1.75 تريليون دولار تتطلب من المستثمرين الإيمان بأن سبيس إكس قادرة على الحفاظ على نمو استثنائي وتحويل ريادتها التقنية إلى ربحية مستدامة.
المخاطرة الثانية هي كثافة رأس المال. فقطاعات الفضاء والأقمار الصناعية والبنية التحتية تتطلب استثمارات ضخمة. وحتى مع نمو قوي للإيرادات، قد يبقى التدفق النقدي تحت الضغط إذا استمر الإنفاق الرأسمالي مرتفعاً.
المخاطرة الثالثة هي الحوكمة. وتشير التغطية الحالية إلى أن إيلون ماسك يُتوقع أن يحتفظ بالسيطرة التصويتية بعد الاكتتاب، وهو ما قد يضمن استمرار الرؤية الاستراتيجية، لكنه يُحد في الوقت نفسه من تأثير المساهمين العامين.
المخاطرة الرابعة هي التنفيذ. فقيمة سبيس إكس طويلة الأجل تعتمد على استمرار موثوقية الإطلاق، ونمو مشتركي ستارلينك، والموافقات التنظيمية، واقتصاديات شبكة الأقمار، ونجاح تطوير الجيل التالي من المنظومات الفضائية.
الخلاصة
الاكتتاب المقترح لسبيس إكس أكبر من مجرد عملية جمع تمويل، بل هو محطة محتملة في السوق قد تُعيد تعريف حجم الطروحات العامة.
وإذا اكتمل الطرح عند نحو 75 مليار دولار، فإنه سيكون أكبر اكتتاب أولي في التاريخ بفارق واسع. كما سيُضاعف حجم اكتتاب أرامكو الأولي ثلاث مرات تقريباً، ويضع سبيس إكس في صميم اهتمام أسواق رأس المال العالمية.
الخلاصة الرئيسية أن المستثمرين مطالَبون بتقييم سبيس إكس ليس فقط استناداً إلى الإيرادات الحالية، بل بناءً على دورها المتوقع في مستقبل البنية التحتية الفضائية والاتصال العالمي والتكنولوجيا الاستراتيجية.
وبالنسبة للمستثمرين، يبقى السؤال المحوري ما إذا كانت إمكانات نمو سبيس إكس تُبرر قيمة سوقية تفوق 90 ضعفاً من الإيرادات السنوية. أما بالنسبة لأسواق رأس المال، فالسؤال الأهم هو ما إذا كان الإدراج الناجح سيُعيد فتح الأبواب أمام إدراج كبرى الشركات التكنولوجية الخاصة.
ويظل الاكتتاب خاضعاً لموافقة هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية على السريان، والتسعير النهائي، وظروف السوق، وأي تعديلات نهائية على شروط الطرح. وحتى إتمام الصفقة، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها شروطاً مقترحة وليست نتائج نهائية.
ملاحظة المصدر: التحليل مستند إلى ملفات هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، وبيانات الطروحات الأولية الصادرة عن Renaissance Capital، والتغطية الإعلامية الحالية لشروط الاكتتاب المقترح من سبيس إكس.

