واردات الصين النفطية تهبط إلى أدنى مستوى منذ عشر سنوات مع اعتماد المصافي على المخزونات
تباطأت مشتريات الصين من النفط الخام بشكل حاد، مما خلق أثراً مستقراً غير معتاد على أسواق النفط العالمية في وقت تشهد فيه طرق الإمداد الخليجية اضطرابات كبيرة وتقلبات مرتفعة في أسعار الطاقة.
تشير تقديرات تتبع الأسواق إلى أن واردات الصين البحرية من النفط الخام تراجعت إلى نحو 6.4 إلى 6.6 مليون برميل يومياً في مايو 2026، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 2016. ويُقارن هذا بنحو 8.1 مليون برميل يومياً في أبريل، وفقاً لتقديرات Kpler التي استشهدت بها التقارير الدولية للأسواق، ويُعكس أحد أشد التراجعات قصيرة الأجل لأكبر مستورد للنفط الخام في العالم خلال السنوات الأخيرة.
واستناداً إلى نقطة الوسط بين تلك التقديرات، فإن واردات الصين البحرية من النفط الخام انخفضت بنحو 1.6 إلى 1.7 مليون برميل يومياً بين أبريل ومايو، أي بنسبة شهرية تتراوح بين 20% و21%. كما أفادت وكالة الطاقة الدولية بأن الواردات الصينية البحرية من النفط الخام كانت قد تراجعت بالفعل بمقدار 3.6 مليون برميل يومياً بين فبراير وأبريل، وهو ما يُؤكد أن التراجع بدأ قبل مايو ثم تعمّق لاحقاً.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة، لأن الصين هي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم. فعندما يتراجع الطلب الصيني على الشحنات الجديدة، تتوفر براميل إضافية لمصافي التكرير الآسيوية الأخرى، مما يُعوّض جزئياً الضغوط على العرض الناجمة عن الاضطرابات في محيط مضيق هرمز.
البيانات الرسمية كانت قد أشارت بالفعل إلى ضعف الطلب
أظهرت بيانات الجمارك الصينية الرسمية أن واردات النفط الخام بلغت 38.471 مليون طن في أبريل 2026. وباستخدام معدل التحويل القياسي للنفط الخام عند نحو 7.33 برميل للطن الواحد، فإن ذلك يعادل تقريباً 9.4 مليون برميل يومياً.
وخلال الفترة من يناير إلى أبريل 2026، استوردت الصين 185.292 مليون طن من النفط الخام، بزيادة سنوية قدرها 1.3%. ويُشير ذلك إلى أن اتجاه بداية العام لم ينعكس بالكامل، لكن البيانات الشهرية أظهرت بالفعل زخماً أضعف قبل التراجع البحري الأكثر حدة في مايو.
ويُعد الفرق بين بيانات الجمارك وتتبع الشحنات البحرية مهماً. فبيانات الجمارك تُسجل الواردات التي تُفرَج عنها عبر القنوات الرسمية، فيما يُتيح تتبع الناقلات رؤية أكثر فورية لوصول الشحنات. وتُظهر البيانات مجتمعة أن مشتريات الصين من النفط الخام تحولت من نمو متواضع منذ بداية العام إلى اتجاه أضعف بكثير على المدى القصير بحلول مايو.
معدلات تشغيل المصافي هي قناة الانتقال الرئيسية
يرتبط تباطؤ الواردات بشكل رئيسي بضعف نشاط مصافي التكرير، وارتفاع المخزونات، وتراجع الحاجة الملحّة لشراء شحنات جديدة.
وتُشير تقديرات السوق إلى أن معدلات تشغيل المصافي الصينية قد تبلغ متوسطها قرابة 13 مليون برميل يومياً في مايو ويونيو، مقارنة بنحو 14.8 مليون برميل يومياً في العام الماضي. وهذا يُعادل تراجعاً بنحو 1.8 مليون برميل يومياً في معالجة النفط الخام.
ويُؤدي انخفاض معدلات تشغيل المصافي إلى تقليل الحاجة إلى واردات جديدة من النفط الخام. كما يُعكس ضعفاً في الطلب على الوقود ولقائم البتروكيماويات، وخصوصاً عندما تتوفر لدى المصافي مخزونات كبيرة.
لهذا السبب، فإن تراجع الواردات ليس مجرد مسألة تتعلق بتدفقات التجارة، بل هو أيضاً مؤشر على الطلب. فعندما تُعالج المصافي كميات أقل من النفط الخام، يضطر السوق إلى إعادة تقييم قوة استهلاك الوقود الصيني، والطلب على البتروكيماويات، والزخم الصناعي.
المخزونات تمتص جزءاً من الصدمة
دخلت الصين الأزمة الحالية بمخزونات نفطية كبيرة، مما أتاح للمصافي الاعتماد بشكل أكبر على المخزونات المتوفرة بدلاً من المنافسة الحادة على واردات جديدة خلال فترة ارتفعت فيها الأسعار وعدم اليقين بشأن الشحن.
وقد ساعد هذا المخزون الاحتياطي في تخفيف الضغط على أسعار النفط العالمية. ولو استمرت الصين في الشراء بنفس الوتيرة السابقة في ظل القيود على صادرات الخليج، لكانت المنافسة على الشحنات المتاحة في آسيا قد اشتدت بشكل كبير.
غير أن هذا الدعم له حدود. فإذا تراجعت المخزونات كثيراً أو رفعت المصافي معدلات تشغيلها مرة أخرى، فقد تحتاج الصين إلى العودة للأسواق بقوة شرائية أكبر، وهو ما قد يُضيّق توازنات النفط الخام الآسيوية ويُجدد الضغوط الصعودية على الأسعار.
ضعف الطلب يحمل أيضاً طابعاً هيكلياً
التباطؤ ليس مجرد استجابة قصيرة الأجل لمخاطر الحرب. فالطلب الصيني على النفط يتأثر كذلك بتغيرات هيكلية أوسع.
ويتوقع تقرير سوق النفط لشهر مايو 2026 الصادر عن وكالة الطاقة الدولية أن ينكمش الطلب العالمي على النفط بمقدار 420 ألف برميل يومياً في 2026 ليبلغ 104 مليون برميل يومياً، مع تركز التراجع الأكبر في الربع الثاني. وقد حدّدت الوكالة قطاعَي البتروكيماويات والطيران بوصفهما الأكثر تأثراً، فيما يُتوقع أن يُلقي ارتفاع الأسعار وضعف الظروف الاقتصادية والإجراءات المُقتصدة بظلاله أكثر على استهلاك الوقود.
وتشهد منظومة الطاقة في الصين تحولاً واضحاً. فالانتشار السريع للسيارات الكهربائية، والسيارات العاملة بالغاز الطبيعي، وقطارات السكك الحديدية فائقة السرعة، يُقلل من حساسية الاقتصاد لدورات الطلب التقليدية على النفط. وهذا لا يُلغي الطلب على النفط، لكنه يعني أن كل صدمة سعرية جديدة يمكن استيعابها ببدائل أكثر مما كان عليه الوضع في الدورات السابقة.
التأثير على الأسواق
ساهم تراجع مشتريات الصين من النفط الخام في إعادة توازن السوق على المدى القصير. فقلة المشتريات الصينية تُحرر شحنات لمصافي التكرير الآسيوية الأخرى، وتُقلل من خطر حدوث قفزة أكثر حدة في الأسعار.
وقد اكتسب ذلك أهمية خاصة، نظراً لأن مضيق هرمز يظل من أهم نقاط الاختناق النفطي في العالم. وتُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تدفقات النفط عبر المضيق بلغت في المتوسط نحو 20 مليون برميل يومياً في عام 2024، وهو ما يُعادل قرابة 20% من إجمالي استهلاك السوائل النفطية عالمياً.
في هذا السياق، عمل تباطؤ الواردات الصينية كصمام أمان. فقد خفّف الأثر الفوري للاضطرابات في الإمدادات الخليجية، وساعد في منع حدوث ضغط أشد في آسيا.
الخلاصة
تراجع واردات الصين النفطية إيجابي للاستقرار قصير الأجل في السوق، غير أنه ينبغي ألا يُفسَّر باعتباره خبراً إيجابياً بالكامل.
فبالنسبة لأسواق النفط، يُساعد التباطؤ في احتواء الأسعار وتخفيف ضغوط العرض. أما بالنسبة للاقتصاد العالمي، فهو يُشير إلى ضعف الطلب من مصافي التكرير الصينية، وتراجع نشاط البتروكيماويات، وحذر متزايد في الزخم الصناعي.
والسؤال الجوهري هو ما إذا كان هذا التراجع تعديلاً مؤقتاً مرتبطاً بالمخزونات، أم بداية لانخفاض أكثر استدامة في مشتريات الصين من النفط الخام. فإذا ظلت المخزونات مرتفعة وظلت هوامش التكرير ضعيفة، فقد تبقى الواردات هادئة طوال فصل الصيف. أما إذا تراجعت المخزونات أو تحسّن الطلب على الوقود، فقد تعود الصين إلى السوق بقوة أكبر.
وتشمل أبرز المؤشرات التي ينبغي مراقبتها: واردات الجمارك الصينية الرسمية، ومعدلات تشغيل المصافي، ومخزونات النفط الخام، وصادرات المنتجات المكررة، والطلب على البتروكيماويات، وأسعار خام برنت، وتدفقات الناقلات إلى الموانئ الصينية.
الخلاصة الرئيسية هي أن تراجع واردات الصين ساعد في حماية أسواق النفط العالمية من صدمة سعرية أكبر، إلا أن الاتجاه نفسه يكشف أيضاً عن ظروف طلب أضعف داخل أكبر اقتصاد مستورد للنفط الخام في العالم.
ملاحظة المصدر: التحليل مستند إلى بيانات الجمارك الصينية، وتحليلات سوق النفط الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية، والسياق السوقي الصادر عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، والتقارير الدولية للأسواق المستندة إلى تقديرات Kpler لتتبع الشحنات البحرية من النفط الخام.

