تقرير قوي للوظائف الأمريكية يُعيد رهانات الأسواق على رفع الفائدة من الاحتياطي الفيدرالي
أعادت الأسواق المالية الأمريكية تسعير توقعاتها لمسار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشكل حاد بعد أن أظهر تقرير الوظائف لشهر مايو نمواً في التوظيف أقوى من المتوقع، مما رفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وزاد من احتمال أن تكون الخطوة المقبلة للسياسة النقدية رفعاً لأسعار الفائدة بدلاً من خفضها.
وأفاد مكتب إحصاءات العمل الأمريكي بأن إجمالي العمالة غير الزراعية ارتفع بمقدار 172,000 وظيفة في مايو، فيما ظل معدل البطالة دون تغيير عند 4.3%. وأظهر التقرير أن المكاسب الوظيفية تركّزت في قطاعات الترفيه والضيافة، والحكومات المحلية، والرعاية الصحية، في حين تراجعت العمالة في الأنشطة المالية.
وتحدّت هذه البيانات النظرة السابقة للسوق بأن الخطوة التالية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي ستكون على الأرجح خفضاً لأسعار الفائدة. وبدلاً من ذلك، اتجه المتداولون إلى تسعير احتمال رفع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس قبل نهاية العام، في انعكاس لقوة سوق العمل وتجدد المخاوف من التضخم.
قوة سوق العمل تُفاجئ المستثمرين
لم تكن مكاسب مايو قوية في ذاتها فحسب، بل جاءت أيضاً مصحوبة بتعديلات صعودية لبيانات الأشهر السابقة.
وقد رفع مكتب إحصاءات العمل بيانات نمو العمالة غير الزراعية لشهر مارس بمقدار 29,000 وظيفة، من 185,000 إلى 214,000، وأبريل بمقدار 64,000 وظيفة، من 115,000 إلى 179,000. وبذلك، رُفعت مكاسب الوظائف لشهري مارس وأبريل مجتمعةً بمقدار 93,000 وظيفة.
وباستخدام الأرقام المُعدّلة، بلغ متوسط نمو الوظائف خلال مارس وأبريل ومايو نحو 188,000 وظيفة شهرياً. وتُعدّ هذه وتيرة قوية لاقتصاد يحاول فيه مجلس الاحتياطي الفيدرالي تحقيق التوازن بين السيطرة على التضخم واستقرار سوق العمل.
كما ظل معدل البطالة مستقراً عند 4.3%، فيما حافظ معدل المشاركة في القوى العاملة على مستواه عند 61.8%. ويُشير ذلك إلى أن سوق العمل لم يُظهر بعد الضعف الذي عادةً ما يُعزز مبررات خفض أسعار الفائدة.
التوزيع القطاعي
أظهرت تفاصيل التقرير أن التوظيف تصدّرته القطاعات الخدمية والقطاع العام.
وأضاف قطاع الترفيه والضيافة 70,000 وظيفة في مايو، أي ما يفوق بكثير متوسط نموه الشهري البالغ 14,000 وظيفة خلال الأشهر الاثني عشر السابقة. وفي إطار هذا القطاع، أضافت خدمات الأطعمة وأماكن تقديم المشروبات 48,000 وظيفة.
كما ارتفعت العمالة في الحكومات المحلية بمقدار 55,000 وظيفة، تشمل 44,000 وظيفة في الحكومات المحلية باستثناء قطاع التعليم.
وأضاف قطاع الرعاية الصحية 35,000 وظيفة، بما يتماشى عموماً مع متوسطه السابق على مدى 12 شهراً البالغ 38,000 وظيفة شهرياً. وأضافت خدمات الرعاية الصحية المتنقلة 26,000 وظيفة، فيما أضافت المستشفيات 6,000 وظيفة.
وعلى الجانب الأضعف، تراجعت العمالة في الأنشطة المالية بمقدار 22,000 وظيفة في مايو، وهي منخفضة بمقدار 107,000 وظيفة عن ذروتها الأخيرة في مايو 2025. ويُشير ذلك إلى أن سوق العمل قوي بشكل عام، لكنه ليس موحّداً عبر القطاعات.
نمو الأجور يظل ثابتاً
ارتفع متوسط الأجر بالساعة لجميع موظفي العمالة غير الزراعية في القطاع الخاص بمقدار 12 سنتاً، أي 0.3%، ليبلغ 37.53 دولاراً في مايو. وعلى أساس سنوي، ارتفع متوسط الأجر بالساعة بنسبة 3.4%.
وظل متوسط أسبوع العمل دون تغيير عند 34.3 ساعة. ويُشير ذلك إلى أن نمو الدخل لا يزال مدعوماً بالأجور، غير أن التقرير لا يُظهر تسارعاً كبيراً في ساعات العمل.
وبالنسبة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، تكتسب بيانات الأجور أهمية خاصة، لأن نمو الأجور المستمر قد يدعم الاستهلاك، لكنه قد يُعقّد كذلك السيطرة على التضخم إذا ظلت تكاليف العمل مرتفعة.
عوائد سندات الخزانة تتفاعل مع البيانات
ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية بعد التقرير مع تقليص المستثمرين توقعاتهم لخفض أسعار الفائدة مستقبلاً وزيادة احتمالات رفعها.
وأشارت تقارير الأسواق إلى ارتفاع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين، الأكثر حساسية للسياسة النقدية، إلى نحو 4.12%، فيما تحرّك عائد سندات أجل عشر سنوات نحو 4.53% إلى 4.54%. ومقارنةً بالمعدل اليومي السابق لوزارة الخزانة الأمريكية البالغ 4.47% لعائد سندات العشر سنوات في 4 يونيو، فإن تحرك ما بعد التقرير يعني ارتفاعاً يتراوح بين 6 و7 نقاط أساس تقريباً.
ويُعد ارتفاع عائد سندات أجل عامين بالغ الأهمية، لأن هذا الأجل أكثر حساسية لتوقعات سياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي. فارتفاع عائد العامين يُشير إلى أن المستثمرين باتوا يرون احتمالاً أكبر لسياسة نقدية أكثر تشدداً.
تسعير الأسواق يتحوّل نحو الرفع
قبل صدور تقرير الوظائف، كان المستثمرون يتوقعون عموماً أن يبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي صبوراً، مع ترجيح أن تكون الخطوة المقبلة خفضاً لاحقاً في الدورة النقدية.
وبعد التقرير، تحوّل تسعير السوق. وأفادت تقارير الأسواق بأن المتداولين اتجهوا إلى تسعير زيادة كاملة بمقدار ربع نقطة مئوية بحلول ديسمبر، فيما أشارت مقاييس الاحتمالات المستندة إلى العقود الآجلة إلى ارتفاع ملموس في احتمال رفع أسعار الفائدة بحلول نهاية العام.
ويعكس الفرق بين مقاييس “التسعير الكامل” والمقاييس المستندة إلى الاحتمالات اختلاف الأدوات السوقية والتعاريف. أما الرسالة الجوهرية فهي ذاتها: عزّز تقرير الوظائف بشكل ملحوظ مبررات نظرة أكثر تشدداً لسياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
لماذا يهم ذلك مجلس الاحتياطي الفيدرالي
أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي نطاق سعر الفائدة المستهدف للأموال الفيدرالية عند 3.50% إلى 3.75% منذ خفض ديسمبر 2025. ويجعل تقرير وظائف مايو قرار السياسة النقدية أكثر تعقيداً.
فقوة سوق العمل تُقلّص دوافع المجلس لخفض أسعار الفائدة. وفي الوقت ذاته، تظل مخاطر التضخم مرتفعة، نتيجةً لضغوط أسعار الطاقة والغموض الجيوسياسي الذي يؤثر على التجارة العالمية وطرق الشحن.
وإذا ظل التضخم فوق المستوى المستهدف مع استمرار تحسّن التوظيف، فقد يواجه صانعو السياسة ضغوطاً للنظر في رفع أسعار الفائدة لمنع توقعات التضخم من التجذّر.
التحليل الرقمي
يُظهر التقرير تحوّلاً واضحاً في زخم سوق العمل.
فمكاسب الوظائف البالغة 172,000 في مايو أعقبت مكاسب مُعدّلة قدرها 214,000 في مارس و179,000 في أبريل. ويُعد متوسط الأشهر الثلاثة البالغ نحو 188,000 وظيفة قوياً بما يكفي لتحدي الرأي القائل بأن سوق العمل يضعف.
كما تكتسب التعديلات الصعودية البالغة 93,000 وظيفة لشهري مارس وأبريل أهمية كبيرة. فهي تعني أن سوق العمل كان أقوى مما أُفيد سابقاً، مما يُقلّص مبررات التيسير في المدى القريب.
ويظل نمو الأجور البالغ 3.4% سنوياً معتدلاً، لكنه لا يزال فوق المستويات المتسقة تماماً مع تضخم منخفض جداً. ويُشير معدل البطالة عند 4.3% إلى الاستقرار لا التدهور.
وكانت ردة فعل السوق ذات دلالة كذلك. فتحرّك عائد سندات العشر سنوات نحو 4.53% إلى 4.54% وعائد العامين قرب 4.12% يُظهر أن المستثمرين يُعيدون تسعير مسار السياسة النقدية نحو نتيجة “أعلى لفترة أطول” أو ربما أكثر تشدداً.
أبرز المخاطر
تتمثل المخاطرة الأكبر في تزامن قوة التوظيف مع استمرار ضغوط التضخم. وفي هذا السيناريو، قد يكون هامش الخفض لدى المجلس محدوداً، وقد يُضطر إلى التشديد مجدداً.
كما تتمثل مخاطرة أخرى في أن يضغط ارتفاع العوائد على الأسهم والإسكان وأسواق الائتمان واستثمار الشركات. فإذا ارتفعت تكاليف الاقتراض أكثر، فإن البيانات القوية ذاتها التي تدعم الاقتصاد قد تُشدّد أيضاً الأوضاع المالية.
وثمة بُعد جيوسياسي كذلك. فإذا ظلت أسعار الطاقة مرتفعة بسبب اضطرابات إقليمية، فقد يستمر ضغط التضخم حتى مع تباطؤ الطلب المحلي. وذلك من شأنه أن يخلق توازناً سياسياً أصعب لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
الخلاصة
كان تقرير وظائف مايو نقطة تحول لتوقعات الأسواق. فهو لم يضمن رفع أسعار الفائدة، لكنه أضعف بشكل كبير مبررات الخفض وأعاد التشديد إلى طاولة الخيارات.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن الرسالة الرئيسية هي أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيظل على الأرجح معتمداً بشكل كبير على البيانات. وستحدد قراءات التضخم القادمة وبيانات الأجور وتقارير سوق العمل ما إذا كانت توقعات السوق الجديدة بشأن رفع أسعار الفائدة ستستمر.
الخلاصة الرئيسية هي أن الاقتصاد الأمريكي يُظهر زخماً في سوق العمل أقوى مما توقّع المستثمرون. وما لم يتراجع التضخم بوضوح وسرعة، فقد يُضطر مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى إبقاء السياسة النقدية مُقيِّدة لفترة أطول، ولم يعد من الممكن استبعاد رفع أسعار الفائدة قبل نهاية العام.
ملاحظة المصدر: البيانات المستخدمة في هذا المقال تستند إلى تقرير وضع التوظيف الصادر عن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، وبيانات سياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وبيانات عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وتسعير الأسواق وفقاً لأداة CME FedWatch، والتقارير السوقية من Bloomberg.

