مصر تُشير إلى عدم الحاجة لبرنامج جديد مع صندوق النقد الدولي مع تحسّن زخم الإصلاح
أكّد رئيس مجلس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي أن الحكومة لا ترى حاجة لبرنامج جديد مع صندوق النقد الدولي بعد انتهاء الترتيب الحالي في ديسمبر 2026، فيما تتواصل المناقشات المتعلقة بالمراجعة السابعة مع البنك المركزي المصري ووزارة المالية.
وتُشير التصريحات إلى رسالة سياسية أكثر ثقة من الحكومة. فبدلاً من الاستعداد لطلب تمويل خارجي جديد، تُشدّد مصر على التقدم المُحرَز في إطار البرنامج القائم مع صندوق النقد الدولي، وتعزّز تدفقات النقد الأجنبي، وارتفاع الإيرادات الضريبية، والطروحات المخطّط لها لأصول الدولة، ومواصلة تنفيذ الإصلاحات.
محادثات مراجعة الصندوق متواصلة
قال الدكتور مدبولي إن بعثة صندوق النقد الدولي زارت مصر وغادرت قبيل عطلة العيد، فيما تتواصل مناقشات المراجعة مع البنك المركزي ووزارة المالية. وأشار إلى أن العملية تسير على نحو جيد، وأن من المتوقع الإعلان عن نتائج المراجعة السابعة قريباً.
كما أكد أن البرنامج الحالي مع صندوق النقد الدولي من المتوقع أن ينتهي في ديسمبر 2026، وأن الحكومة لا ترى حاجة لبرنامج آخر خلال الفترة المقبلة.
وتُعدّ هذه إشارة مهمة. إذ تُلمح إلى أن مصر تسعى إلى الانتقال من الاعتماد على التمويل الطارئ نحو إطار اقتصادي كلي أكثر طبيعية، مدعوماً بإصلاحات داخلية، ومصادر أقوى للنقد الأجنبي، وتحسّن ثقة المستثمرين.
التحويلات تُعزّز السيولة الخارجية
من بين أوضح المؤشرات الرقمية في تصريحات رئيس الوزراء، التحسّن في تحويلات المصريين العاملين بالخارج.
وأوضح الدكتور مدبولي أن التحويلات بلغت 34.9 مليار دولار خلال فترة التسعة أشهر الممتدة من يوليو 2025 إلى مارس 2026، مقارنةً بـ 26.4 مليار دولار في الفترة ذاتها من العام السابق.
وتُمثّل هذه الزيادة 8.5 مليار دولار، أو ما يقارب 32.2% على أساس سنوي. ويُعدّ ذلك مهماً، إذ تُعدّ التحويلات أحد أهم مصادر العملة الصعبة لمصر، إلى جانب السياحة، والصادرات، وعوائد قناة السويس، وتدفقات المحافظ، والاستثمار الأجنبي المباشر.
كما تُسهم زيادة التحويلات في تخفيف الضغوط على السيولة الخارجية ودعم الثقة في سوق صرف العملة الأجنبية.
الإيرادات الضريبية ترتفع دون أعباء جديدة
كما أوضح الدكتور مدبولي أن الإيرادات الضريبية ارتفعت بنسبة 29% خلال الفترة نفسها الممتدة من يوليو 2025 إلى مارس 2026، دون فرض أعباء ضريبية جديدة.
وعزا التحسّن إلى الرقمنة والأتمتة ودخول شرائح جديدة في المنظومة الضريبية. ويُعدّ ذلك مهماً، إذ إن نمو الإيرادات المدفوع بتحسّن التحصيل والتقنين أكثر استدامة من نمو الإيرادات القائم على رفع المعدلات الضريبية فحسب.
وبالنسبة للسياسة المالية، يمكن أن تُسهم الإيرادات الضريبية الأقوى في تحسين مرونة الميزانية وتمويل أولويات الإنفاق مع دعم أهداف الضبط المالي.
أولويات الميزانية تُبرز توجهاً اجتماعياً وصناعياً
استعرض رئيس الوزراء عدداً من أولويات الميزانية للعام المالي الجديد.
ومن المتوقع أن ترتفع مخصصات الرعاية الصحية بنسبة 30%، فيما تُتوقع زيادة مخصصات التعليم بنسبة 20%. كما أشار إلى نحو 47.5 مليار جنيه مصري مُخصّصة للعلاج على نفقة الدولة ودعم التأمين الصحي، بزيادة تبلغ نحو 69%.
وعلى الجانب الصناعي، قال الدكتور مدبولي إن نحو 90 مليار جنيه مصري مُخصّصة لدعم الإنتاج والصادرات والأنشطة الخدمية والسلعية وريادة الأعمال. كما أوضح أن 48 مليار جنيه مُخصّصة لرد أعباء التصدير.
وتُظهر هذه الأرقام أن الحكومة تسعى إلى الجمع بين الانضباط المالي والدعم المُوجَّه للصحة والتعليم والصناعة والصادرات والاستثمار.
زخم النمو يبقى إيجابياً
أشار الدكتور مدبولي إلى نمو بلغ نحو 5.3% في النصف الأول من العام المالي، و5% في الربع الثالث.
ويُعدّ هذا أعلى من أحدث توقعات صندوق النقد الدولي المنشورة لعام 2026 لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لمصر عند 4.2%، بما يُلمح إلى أن الزخم الأخير قد يكون أقوى من التوقعات الأساسية. غير أن النمو الفصلي يحتاج إلى الاستدامة قبل أن يُعتبر اتجاهاً سنوياً.
ورسالة الحكومة هي أن النشاط الإنتاجي يظل مستقراً بشكل عام رغم الضغوط الخارجية، بما في ذلك ارتفاع تكاليف التأمين، وارتفاع أسعار الطاقة، والنزاع الإقليمي، والاضطرابات التي تُؤثّر على السياحة وإيرادات قناة السويس والصادرات.
برنامج أصول الدولة يمضي قدماً
ناقش رئيس الوزراء أيضاً التقدّم في ملف الشركات المملوكة للدولة.
وأوضح أنه تم تسجيل 16 شركة مملوكة للدولة بصورة مؤقتة، مع توقع تسجيل 4 شركات إضافية قبل 30 يونيو. كما أشار إلى دخول 10 شركات تابعة لقطاع البترول في إجراءات القيد المؤقت.
وأكد الدكتور مدبولي أن الحكومة تتوقع طرح من 4 إلى 5 شركات مملوكة للدولة في البورصة قبل نهاية ديسمبر 2026.
وتُعدّ هذه نقطة محورية في سياسة ملكية الدولة في مصر. إذ يمكن للطروحات الناجحة أن تُسهم في تعميق سوق الأوراق المالية، وجذب رأس المال الخاص، وتحسين الحوكمة، وتحقيق إيرادات من أصول الدولة غير المُستغَلّة بالكامل.
الاستقرار الخارجي وثقة العملة المحلية
ربط الدكتور مدبولي تحسّن الموقف الخارجي لمصر بالثقة في السياسة النقدية والمالية، ومرونة سعر الصرف، وتعزيز تدفقات النقد الأجنبي.
كما أشار إلى أن البنك المركزي يعمل على توسيع اتفاقيات مبادلة العملات المحلية مع عدد من الدول، بما في ذلك تجديد المناقشات مع الصين لزيادة حجم الترتيب.
والهدف الاستراتيجي واضح: تسعى مصر إلى تنويع قنوات السيولة الخارجية وتخفيف الضغط على التسوية بالدولار حيثما أمكن. غير أن ذلك لا يُلغي الحاجة إلى توليد العملة الصعبة عبر الصادرات والسياحة والتحويلات ونشاط قناة السويس وتدفقات الاستثمار.
المخاطر الرئيسية
تظل الآفاق مشروطة بحسن التنفيذ.
ولا تزال مصر تواجه مخاطر خارجية ناجمة عن النزاع الإقليمي، وارتفاع أسعار الطاقة، والضغوط على التجارة العالمية، وأثر التوترات الجيوسياسية على السياحة والصادرات وقناة السويس.
كما تستلزم خطط الحكومة المالية والخصخصة تنفيذاً في توقيتاتها المحددة. وستُمثّل الطروحات المخطّط لها لـ 4 إلى 5 شركات قبل نهاية العام اختباراً مهماً لشهية السوق ومصداقية الإصلاح.
كما تُعدّ عملية مراجعة صندوق النقد الدولي محطّة محورية أخرى. وحتى إذا لم تكن مصر تخطّط لطلب برنامج جديد، فإن إنجاز البرنامج الحالي بنجاح يظل مهماً لثقة المستثمرين.
الآفاق
تُعدّ الرسالة السياسية الأخيرة لمصر إيجابية بحذر. فالحكومة تُشير إلى أن محادثات مراجعة الصندوق تسير على نحو جيد، وأن البرنامج الحالي ينتهي في ديسمبر 2026، وأنه لا يُتوقَّع حالياً برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي.
وتدعم المؤشرات الرقمية في تصريحات رئيس الوزراء هذه الرسالة: ارتفعت التحويلات بنحو 32.2%، وزادت الإيرادات الضريبية بنسبة 29%، وبلغ النمو نحو 5% في الربع الثالث، وتعتزم الحكومة طرح 4 إلى 5 شركات مملوكة للدولة قبل نهاية العام.
والخلاصة الرئيسية هي أن مصر تسعى إلى الانتقال من إدارة الأزمات نحو استقرار قائم على الإصلاحات. والتحسّن حقيقي، إلا أن استدامته تستلزم استمرار التقدّم في مراجعات الصندوق، وتعزيز تدفقات النقد الأجنبي، ونجاح طروحات أصول الدولة، وإدارة مالية ونقدية منضبطة.
ملاحظة المصدر: تستند البيانات الواردة في هذا المقال إلى تصريحات رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحفي الأسبوعي للحكومة، مع مراجعة توقعات صندوق النقد الدولي وبيانات البرنامج وفقاً للمصادر الرسمية للصندوق.

