تقرير القطاع الخارجي 2026 لصندوق النقد الدولي: الاختلالات تتسع مع تقلص فوائض مصدري النفط
نشر صندوق النقد الدولي تقرير القطاع الخارجي لعام 2026 في 30 يوليو، تحت عنوان “في ظل تصاعد الاختلالات، مبررات إعادة التوازن”. ويقيّم التقرير الأوضاع الخارجية لثلاثين من أكبر اقتصادات العالم استناداً إلى بيانات 2025، وخلاصته المركزية أن أرصدة الحساب الجاري العالمية اتسعت مجدداً العام الماضي، في استمرار لاتجاه بدأ منذ الجائحة وفي انعكاس واضح للتراجع الذي أعقب الأزمة المالية العالمية.
وبالنسبة للخليج يحمل التقرير إشارة غير معتادة. فقد اتسعت الاختلالات العالمية في 2025 حتى مع تراجع الفائض المجمع للدول المصدرة للنفط، وهو ما لم يحدث من قبل في موجة اتساع كبرى وفق رواية الصندوق نفسه.
غياب مصدري النفط عن موجة اتساع للمرة الأولى
ارتفع فائض الحساب الجاري الصيني بنحو 300 مليار دولار في 2025، أي ما يقارب ربع نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو ما يصفه الصندوق بأنه أكبر اتساع لحساب جار بالقيمة المطلقة خلال العقدين والنصف الماضيين. وأضافت مقاطعة تايوان الصينية واليابان وكوريا فوائض بلغت 47 مليار دولار و24 مليار دولار و23 مليار دولار على التوالي.
في المقابل تراجعت الفوائض في منطقة اليورو ولدى الدول المصدرة للنفط، والأخيرة بسبب ضعف أسعار السلع الأولية. وكان الفائض الصيني الأكبر عالمياً في 2025 عند نحو 0.6 في المئة من الناتج العالمي، تلته منطقة اليورو عند نحو ربع نقطة مئوية، ثم الدول المصدرة للنفط خلفها مباشرة. وبقيت الولايات المتحدة أكبر اقتصاد يسجل عجزاً عند نحو 0.9 في المئة من الناتج العالمي، وهو موقع يقابل إجمالاً الفوائض المجمعة للصين ومنطقة اليورو والدول المصدرة للنفط معاً.
ويطرح الصندوق المقارنة التاريخية صراحة. ففي كل موجات الاتساع الكبرى السابقة، بما فيها فترة 2003 إلى 2006 وهي الأقرب شبهاً، ساهمت الدول المصدرة للنفط مساهمة معتبرة في ارتفاع الفوائض العالمية. أما في 2025 فقد خصمت منها. وعلى جانب المراكز الدائنة يظهر النمط نفسه في الأرصدة لا التدفقات، إذ تقلصت المراكز الدائنة الصافية تقلصاً طفيفاً، وكان الدافع تراجعات لدى الدول المصدرة للنفط قابلت زيادات في المراكز المالية والصين وألمانيا.
وشهد ما يقل قليلاً عن نصف الدول في عينة تقييم الأرصدة الخارجية لدى الصندوق ابتعاد حسابها الجاري أكثر عن نقطة التوازن في 2025.
السعودية هي الاقتصاد الخليجي الوحيد المشمول بالتقييم
من بين الثلاثين اقتصاداً التي يغطيها التقرير بتقييمات فردية، السعودية هي الدولة الخليجية الوحيدة. ويرى الصندوق أن وضعها الخارجي في 2025 كان أضعف بدرجة معتدلة من المستوى الذي تقتضيه الأساسيات متوسطة الأجل والسياسات المرغوبة، مع تأكيده الصريح أن الميزانية العمومية الخارجية تبقى قوية.
واتسع عجز الحساب الجاري إلى 2.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 من 1.3 في المئة في 2024. ويعزو الصندوق الحركة أساساً إلى تراجع إيرادات صادرات النفط، مع هبوط متوسط سعر تصدير النفط إلى 70.4 دولار للبرميل وانخفاض صادرات النفط إلى 213.7 مليار دولار عند إنتاج خام بلغ متوسطه 9.5 مليون برميل يومياً، وإلى ارتفاع واردات السلع مدفوعاً باستمرار نمو الاستثمار والاستهلاك. وفي الاتجاه المعاكس جاءت قفزة بنسبة 17 في المئة في الصادرات غير النفطية.
| المؤشر | 2025 |
|---|---|
| رصيد الحساب الجاري | −2.6 |
| الحساب الجاري المعدل دورياً | −1.91 |
| فجوة الحساب الجاري بتقدير الخبراء | −1.11 |
| صافي وضع الاستثمار الدولي | 56.6 |
| إجمالي الأصول الخارجية | 126.2 |
| الأصول الاحتياطية | 36.1 |
| إجمالي الخصوم الخارجية | 69.6 |
| خصوم الدين | 19.2 |
كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. خصوم الدين هي مكوّن الدين ضمن وضع الاستثمار الدولي وهي مقياس مختلف عن إجمالي الدين الخارجي الذي يورده الصندوق عند 37.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للتاريخ نفسه. المصدر: صندوق النقد الدولي، تقرير القطاع الخارجي 2026، تقييم الاقتصاد السعودي.
الميزانية العمومية هي القصة، لا التدفق
تراجع صافي وضع الاستثمار الدولي للسعودية إلى 56.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية 2025 من 62.3 في المئة قبل عام، مدفوعاً أساساً بتدفقات خارجية داخلة موّلت اتساع عجز الحساب الجاري. وارتفع الدين الخارجي إلى 37.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي من 29.5 في المئة، وارتفعت حصته من إجمالي الخصوم إلى 54 في المئة من 50 في المئة. ويتوقع الصندوق مزيداً من التراجع في صافي الوضع إلى نحو 38 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2031، بما يتسق مع احتياجات تمويل خارجي مستمرة تدعم التحول ضمن رؤية 2030.
وتقييمه لذلك المسار متزن. فرغم التراجع المتوقع تبقى الميزانية العمومية الخارجية قوية، وتؤدي الأصول المتراكمة دورين، حماية من تقلب أسعار النفط ومخزوناً لعائدات مورد ناضب لصالح الأجيال المقبلة. وبلغ إجمالي الأصول الخارجية 126.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، موزعة على استثمارات الحافظة والاستثمارات الأخرى بنحو 55.2 في المئة، والاحتياطيات بنحو 28.6 في المئة، والاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 16.1 في المئة.
وتوصف الاحتياطيات بأنها كافية لأغراض احترازية وفق مقاييس الصندوق ذاتها. فقد بلغ صافي الأصول الأجنبية للبنك المركزي 436.6 مليار دولار في نهاية 2025، أي ما يعادل 34.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ونحو 13 شهراً من الواردات، و176 في المئة من مقياس كفاية الاحتياطيات، ارتفاعاً من 414.5 مليار دولار في 2024. وارتفعت الأصول الاحتياطية الرسمية بنحو 23 مليار دولار خلال العام إلى 460 مليار دولار. ويحتفظ صندوق الاستثمارات العامة بأصول أجنبية إضافية معتبرة تتجاوز هذه الأرقام.
وسجل الحساب المالي تدفقات داخلة صافية بلغت 71 مليار دولار في 2025 مقابل 29.3 مليار دولار في 2024، مدفوعة بتنامي تدفقات استثمارات الحافظة والاستثمارات الأخرى الداعمة للاستثمار والاستهلاك المحليين، ومكمَّلة بتباطؤ في تراكم الأصول الأجنبية لدى صندوق الاستثمارات العامة وأرامكو.
التحفظ الذي يرفقه الصندوق بأرقامه
يقدر الخبراء فجوة الحساب الجاري عند −1.11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي باستخدام النموذج المبسط لتقييم الأرصدة الخارجية، مع حساب جار معدل دورياً عند −1.91 في المئة مقابل معيار قدره −0.80 في المئة. ثم يرفق الصندوق تحفظاً صريحاً بدرجة غير معتادة، وهو أن التقييم الإجمالي يخضع لقدر كبير من عدم اليقين النموذجي بسبب الخصائص المتفردة للاقتصاد السعودي.
والنماذج البديلة تؤكد ذلك. فبتطبيق وحدة السلع الأولية توحي قواعد تخصيص الاستهلاك بفجوة قدرها −3.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وفق قاعدة الدخل السنوي الحقيقي الثابت، و−6.5 في المئة وفق قاعدة نصيب الفرد الحقيقي الثابت، بينما يشير نموذج الاحتياجات الاستثمارية إلى −3.65 في المئة. ويمتد النطاق المقدر حول الفجوة الرئيسية من −3.11 إلى 0.89 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، محسوباً باستخدام الخطأ المعياري للنرويج بوصفها اقتصاداً نفطياً مماثلاً.
وعلى صعيد سعر الصرف تبدو الصورة متباعدة بالقدر نفسه. فالريال مربوط عند 3.75 للدولار منذ 1986. وكان سعر الصرف الاسمي الفعال مستقراً نسبياً في 2025 فيما انخفض سعر الصرف الحقيقي الفعال بنحو 0.7 في المئة، مدفوعاً أساساً بفوارق التضخم مع الشركاء التجاريين، وبقي حتى مارس 2026 قريباً من مستواه في نهاية 2025. ويشير نموذج الحساب الجاري إلى مغالاة في القيمة بنسبة 6.7 في المئة، بينما يشير نموذج سعر الصرف الحقيقي الفعال إلى 18.3 في المئة. ويلاحظ الصندوق أن تحركات سعر الصرف محدودة الأثر على التنافسية السعودية في المدى القصير على أي حال، لأن معظم الصادرات نفطية أو مرتبطة بالنفط ومقومة بالدولار، ولأن قابلية إحلال الواردات بالإنتاج المحلي محدودة.
لماذا يهم
الخلاصة العملية للتقرير بشأن السعودية هي أن التصحيح الخارجي ستقوده السياسة المالية أساساً، مع استمرار الربط في توفير مرتكز سياسي ذي مصداقية.
والمسار المالي الذي يعرضه الصندوق مسار تحسن مطرد. فمن المتوقع أن يتحسن الرصيد الأولي غير النفطي للحكومة المركزية كنسبة من الناتج المحلي غير النفطي تحسناً متواصلاً، من −23.3 في المئة في 2025 إلى −17.2 في المئة في 2031. والمسار الذي يوصي به الصندوق هو استمرار الضبط المالي بما يشمل تعزيز تعبئة الإيرادات وإصلاح أسعار الطاقة لرفع الادخار العام، إلى جانب إصلاح هيكلي مستدام لتنويع الاقتصاد ودفع الصادرات غير النفطية. ويضيف أن السياسات الصناعية ينبغي أن تبقى محددة الأهداف في المجالات التي تحول فيها الآثار الخارجية أو إخفاقات السوق دون حلول سوقية فعالة.
أما بالنسبة للخليج الأوسع فالملاحظة الأبعد أثراً هي أن الاختلالات العالمية باتت قادرة على الاتساع بينما تتقلص فوائض الدول المصدرة للنفط. ففي 2025 لم يكن الوضع الخارجي للمنطقة عامل الترجيح في الميزان العالمي كما كان في العقد الأول من الألفية، وكان تدوير الفوائض الخليجية جزءاً أصغر من رواية تدفقات رأس المال العالمية مما يوحي به النمط التاريخي. وما إذا كان ذلك سيستمر لأكثر من عام واحد يتوقف على مسار سعر النفط، وتوقعات الصندوق نفسها تفيد بتقلص عجز السعودية بحدة في 2026. ولهذا انعكاسات على كيفية استيعاب الإصدارات الخليجية وعلى مدى حساسية الحسابات الخارجية الإقليمية اليوم لقرارات تُتخذ في بكين وواشنطن لا في سوق النفط وحدها.
الآفاق
يتوقع الصندوق تقلص عجز الحساب الجاري السعودي إلى 0.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 مع تعويض ارتفاع أسعار النفط أثر انخفاض أحجام التصدير على الإيرادات وأكثر، قبل أن يتسع مجدداً إلى نحو 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2031 استناداً إلى توقعات سعر النفط متوسطة الأجل والواردات المستمرة المدفوعة بالاستثمار. وتقدير 2026 يقوم على افتراض سعري، والتوازن بين السعر والحجم خلال النصف الثاني من العام هو ما يُختبر به.
ويشير الصندوق أيضاً إلى أن نقص المعلومات التفصيلية عن طبيعة التدفقات المالية يعقّد تحليل الحساب المالي السعودي، مع تقديره أن قوة وضع الاحتياطيات وحجم أصول صندوق الاستثمارات العامة يحدان من المخاطر المرتبطة بذلك. وتحسين الإفصاح سيغير جودة التقييم أكثر من أي نقطة بيانات مفردة.
المصادر
صندوق النقد الدولي، تقرير القطاع الخارجي 2026، “في ظل تصاعد الاختلالات، مبررات إعادة التوازن”، 30 يوليو 2026، الفصل الأول، الأوضاع والسياسات الخارجية، والفصل الثاني، تقييمات الاقتصادات الفردية لعام 2025.

