اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا تدخل مرحلة المراجعات السنوية بعد رفض واشنطن التجديد المباشر لمدة 16 عاما
رفضت الولايات المتحدة تجديد اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا بصيغتها الحالية، لتدخل بذلك الإطار التجاري الأساسي لأمريكا الشمالية مرحلة من المراجعات السنوية وحالة أعلى من عدم اليقين في السياسات. وتظل الاتفاقية سارية المفعول، لكن القرار يستبعد النتيجة الأوضح التي سعت إليها كندا والمكسيك، وهي تمديد مباشر لمدة 16 عاما كان سيحمل الاتفاقية إلى ما بعد موعد انتهائها الحالي في 2036.
هذا ليس انهيارا فوريا للتجارة الحرة في أمريكا الشمالية. فالاتفاقية لا تنتهي بين ليلة وضحاها، ولا تعود الشركات إلى نظام الرسوم الجمركية السابق للاتفاقية. بدلا من ذلك، تدخل الاتفاقية الآن آلية المراجعة المنصوص عليها في نصها الأصلي. فالمادة 34.7 تنص على أن الاتفاقية تنتهي بعد 16 عاما من دخولها حيز النفاذ ما لم تؤكد جميع الأطراف رغبتها في مدة جديدة من 16 عاما. وإذا لم يؤكد أحد الأطراف ذلك، يتعين على لجنة التجارة الحرة الاجتماع سنويا لبقية مدة الاتفاقية، ما لم تتفق الأطراف لاحقا على التمديد.
دخلت الاتفاقية حيز النفاذ في 1 يوليو 2020 لتحل محل اتفاقية نافتا، وكان موعد المراجعة المشتركة الأولى بعد ست سنوات في 1 يوليو 2026. ويؤكد الوصف الرسمي الكندي للعملية أنه في حال عدم التوافق على تمديد الاتفاقية في 2026، تعقد مراجعات سنوية حتى تتفق الأطراف على التمديد أو حتى انتهاء الاتفاقية في 2036. وقال مكتب الممثل التجاري الأمريكي إن الولايات المتحدة لم توافق على تجديد الاتفاقية بصيغتها الحالية وستواصل العمل مع المكسيك وكندا لمعالجة أوجه القصور في الاتفاقية والعجز التجاري الأمريكي، مؤكدا أن الاتفاقية تظل سارية إلى حين حل هذه القضايا أو حتى انتهائها.
الأثر العملي ليس توقفا مفاجئا للتجارة، بل فقدان اليقين طويل الأجل لواحدة من أكثر مناطق الإنتاج تكاملا في العالم. فالاتفاقية تدعم نحو تريليوني دولار من تجارة السلع والخدمات الأمريكية داخل أمريكا الشمالية وفقا للممثل التجاري الأمريكي، مع سلاسل إمداد عابرة للحدود عميقة في السيارات والطاقة والزراعة والآلات والإلكترونيات والمنسوجات والأجهزة الطبية. وكان تجديد لمدة 16 عاما سيعزز أفق التخطيط للمصانع وشبكات اللوجستيات والتوريد عبر الحدود، في حين تخلق المراجعات السنوية عبئا سياسيا متكررا، خصوصا للقطاعات ذات فترات استرداد الاستثمار الطويلة والتي تمثل قواعد الامتثال عنصرا محوريا في ربحيتها.
حجم الانكشاف واضح في بيانات التجارة. ففي 2024 بلغت تجارة السلع والخدمات الأمريكية مع المكسيك نحو 935.1 مليار دولار ومع كندا 909.1 مليار دولار، ليصل إجمالي التجارة الأمريكية مع شريكيها في الاتفاقية إلى نحو 1.84 تريليون دولار. وعلى صعيد السلع، تظهر بيانات الممثل التجاري الأمريكي أن تجارة السلع الأمريكية مع المكسيك بلغت 872.8 مليار دولار في 2025 مقابل 719.5 مليار دولار مع كندا، بإجمالي نحو 1.59 تريليون دولار، تمثل المكسيك نحو 55 في المئة منه وكندا نحو 45 في المئة.
ويفسر الميزان التجاري سبب استمرار الضغط الأمريكي على الاتفاقية. فقد بلغ العجز السلعي الأمريكي مع المكسيك 196.9 مليار دولار في 2025 بزيادة 14.8 في المئة عن 2024، بينما تقلص العجز مع كندا بنسبة 25.1 في المئة إلى 46.4 مليار دولار. وبذلك بلغ العجز السلعي المجمع مع الشريكين نحو 243.3 مليار دولار، تمثل المكسيك نحو 81 في المئة منه. وتخفف الخدمات من الصورة العامة لكنها لا تزيل الضغط السياسي حول تجارة السلع: فقد حققت الولايات المتحدة فائضا في الخدمات مع كندا قدره 33.2 مليار دولار ومع المكسيك 5.3 مليار دولار في 2024، أي فائضا مجمعا قدره 38.5 مليار دولار لا يعوض سوى جزء من العجز السلعي الأكبر بكثير.
وتظهر بيانات أوائل 2026 أن التجارة ظلت نشطة رغم حالة عدم اليقين. فوفقا لأرقام مكتب الإحصاء الأمريكي للفترة من يناير إلى أبريل 2026، بلغت تجارة السلع الأمريكية مع المكسيك نحو 317.3 مليار دولار ومع كندا نحو 240.9 مليار دولار، بإجمالي نحو 558.2 مليار دولار يعادل وتيرة سنوية تقارب 1.67 تريليون دولار. وبلغ العجز السلعي المجمع مع الشريكين نحو 72.5 مليار دولار خلال الأشهر الأربعة، استحوذت المكسيك على 60.1 مليار دولار منه أي نحو 83 في المئة، ما يعزز توقعات تركيز المفاوضين الأمريكيين على قواعد المنشأ والمحتوى الصناعي المرتبطة بالمكسيك.
وأصبحت أجندة التفاوض واضحة بالفعل. فقد أعلن الممثل التجاري الأمريكي جولات تفاوض ثنائية مع المكسيك مرتبطة بالمراجعة المشتركة الأولى، تغطي الأمن الاقتصادي وقواعد المنشأ للسلع الصناعية الرئيسية والزراعة وتكافؤ الفرص، مع جولة ثالثة مقررة في أسبوع 20 يوليو في مكسيكو سيتي. وتظل السيارات القطاع الأكثر انكشافا: إذ يعتمد إنتاج المركبات وقطع الغيار في الدول الثلاث على عبور الحدود المتكرر وقواعد منشأ تفصيلية، وأي تشديد لمتطلبات المحتوى في أمريكا الشمالية أو حدود الصلب والألمنيوم أو قيود المدخلات من دول ثالثة قد يرفع تكاليف الامتثال ويعيد تشكيل قرارات الاستثمار عبر سلسلة الإمداد الإقليمية. وبالنسبة للمكسيك، يكمن الخطر الرئيسي في أن القواعد الأكثر صرامة قد تقلص ميزة استخدامها منصة قريبة للتصنيع الموجه إلى السوق الأمريكية. أما كندا، فالتحدي هو الحفاظ على النفاذ التفضيلي مع معالجة المخاوف الأمريكية في قطاعات مثل الألبان والصلب والألمنيوم والطاقة والسياسة الرقمية.
لماذا يهم: يستبدل القرار اليقين طويل الأجل بدورة تفاوض سنوية متكررة لواحدة من أكثر المناطق التجارية تكاملا في العالم، وهو ما يغير طريقة تسعير المخاطر السياسية إلى ما هو أبعد من أمريكا الشمالية. وبالنسبة للمستثمرين والمصدرين والشركات الصناعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج، تظل أمريكا الشمالية سوقا كبيرة وجاذبة، لكن استراتيجيات التصنيع القريب المرتكزة على المكسيك للنفاذ إلى الولايات المتحدة باتت تحمل مخاطر سياسات أعلى. وقد تحتاج الشركات التي تورد الألمنيوم والبتروكيماويات والأسمدة ومنتجات الطاقة ومكونات السيارات والخدمات اللوجستية والمدخلات الصناعية إلى سلاسل القيمة في أمريكا الشمالية إلى إعادة تقييم الامتثال لقواعد المنشأ والانكشاف على تغييرات محتملة في القواعد، إذ يمكن أن تصبح القواعد الخاصة بكل قطاع جزءا من عملية مساومة سياسية أوسع كل عام.
النظرة المستقبلية: الاتفاقية قائمة، لكن ملف مخاطرها تغير. فقرار 1 يوليو استبدل اليقين طويل الأجل باحتمال مراجعات سنوية حتى 2036، مع بقاء إمكانية اتفاق الأطراف على مدة جديدة من 16 عاما في أي وقت خلال هذه الفترة. وتتجه الأنظار في المدى القريب إلى الجولة الثالثة من المفاوضات الأمريكية المكسيكية في أسبوع 20 يوليو وإلى ما إذا كانت كندا ستؤمن مسارا موازيا. وبالنسبة للشركات والمستثمرين، لم يعد السؤال ما إذا كانت التجارة في أمريكا الشمالية ستستمر اليوم، بل حجم المخاطر السياسية التي يجب تسعيرها في سلاسل الإمداد والاستثمار الصناعي والنفاذ إلى الأسواق عبر الحدود.
المصادر: الممثل التجاري الأمريكي؛ مكتب الإحصاء الأمريكي؛ الحكومة الكندية.

