الدين الخارجي لمصر يصعد من 48 إلى 164 مليار دولار: ليس كله من المشروعات
بقلم فريق أبحاث ذي إيدج
ارتفع الدين الخارجي لمصر من نحو 48 مليار دولار خلال فترة رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب إلى نحو 164 مليار دولار، بما يؤكد إجمالا حجم المقارنة التي طرحها في تصريحات عامة أخيرة، أشار فيها إلى ارتفاع من نحو 48 مليارا إلى نحو 165 مليار دولار، ورأى أن الاقتراض موّل موجة من المشروعات الوطنية جنّبت الاقتصاد ركودا أعمق. لكن تفسير تلك الزيادة أكثر تعقيدا من إسنادها بالكامل إلى الطرق ومحطات الكهرباء والإسكان وغيرها من المشروعات الوطنية.
كان أقرب مرجع في نهاية السنة المالية خلال رئاسة محلب للوزراء، وفق بيانات البنك المركزي المصري، هو 48.06 مليار دولار في يونيو 2015. وبلغ أحدث رقم رسمي، لديسمبر 2025، نحو 163.91 مليار دولار وفق البنك المركزي، وبقي الرصيد دون الرقم القياسي البالغ 168.03 مليار دولار المسجل في ديسمبر 2023.
بقياس الفترة من يونيو 2015 إلى ديسمبر 2025، تبلغ الزيادة نحو 115.85 مليار دولار، أو 241.1 في المئة، ما يعني أن رصيد الدين الخارجي أصبح نحو 3.41 أضعاف مستواه في يونيو 2015، وفق حسابنا. ويعادل ذلك نموا سنويا مركبا بنحو 12.4 في المئة على مدى عشر سنوات ونصف، وفق حسابنا. وكان رقم ديسمبر 2025 أدنى بنحو 4.12 مليار دولار، أو نحو 2.5 في المئة، من الرقم القياسي لديسمبر 2023، وفق حسابنا.
كان محلب إذن محقا إجمالا بشأن نقطتي البداية والنهاية. وتحمل حجته الأوسع حقيقة مهمة أيضا: نفّذت مصر توسعا استثنائيا في البنية التحتية، وتطلبت بعض أكبر المشروعات آلات ومعدات ومقاولين وتمويلا بائتمان التصدير من الخارج.
لكن رقم الدين الخارجي ليس سجلا للمشروعات. فهو يشمل أيضا تمويلا استُخدم لتغطية نقص العملة الأجنبية، ودعم الاحتياطيات الدولية، وتمويل فجوات الموازنة وميزان المدفوعات، وتعويض رأس المال الذي غادر البلاد، وسداد ثمن السلع ومدخلات الإنتاج المستوردة، وإعادة تمويل ديون سابقة عند استحقاقها.
جسر الدين
لم يكن الارتفاع دورة تمويل مشروعات واحدة متصلة. جاء عبر مراحل متمايزة عدة، مع تزامن أكبر الزيادات مع صدمات العملة والجائحة وتدفقات رؤوس الأموال إلى جانب برنامج البنية التحتية.
| التاريخ | الدين الخارجي | التغير عن الملاحظة السابقة | السياق الرئيسي |
|---|---|---|---|
| يونيو 2015 | $48.06 مليار | مرجع | معيار البداية خلال رئاسة محلب |
| يونيو 2017 | $79.03 مليار | +$30.97 مليار | أزمة العملة 2016 وبرنامج صندوق النقد وإعادة بناء الاحتياطيات |
| يونيو 2020 | $123.49 مليار | +$44.46 مليار | اقتراض متعدد الأطراف وسوقي بعد 2016، تلته صدمة تمويل الجائحة الأولية |
| يونيو 2022 | $155.71 مليار | +$32.22 مليار | تمويل الجائحة وطلب الاستيراد وتدفقات المحافظ الخارجة وودائع خليجية |
| ديسمبر 2023 | $168.03 مليار | +$12.33 مليار | رقم قياسي للدين قبل إعادة الضبط التمويلي 2024 |
| يونيو 2024 | $152.89 مليار | -$15.15 مليار | خفض حاد من ذروة ديسمبر |
| يونيو 2025 | $161.23 مليار | +$8.35 مليار | اقتراض خارجي متجدد وآثار إعادة التقييم |
| ديسمبر 2025 | $163.91 مليار | +$2.68 مليار | أحدث ملاحظة متاحة |
المصدر: البنك المركزي المصري. التغيرات والنسب من حسابات ذي إيدج. تحدد الأوصاف السياقية أبرز التطورات الاقتصادية الكلية في كل فترة ولا تمثل توزيعا رسميا للتغير في الدين حسب الاستخدام.
كانت الزيادة بين يونيو 2015 ويونيو 2017 وحدها نحو 31 مليار دولار. ثم ارتفع الدين نحو 44.46 مليار دولار أخرى بين يونيو 2017 ويونيو 2020، وبمقدار 32.22 مليار دولار على مدى العامين التاليين. ولا يمكن تفسير هذه التحركات بتكلفة إنشاء المشروعات المكتملة في الفترات نفسها وحدها.
ماذا بنت مصر
تُظهر تقييمات منفصلة لوزارة التخطيط حجم البرنامج، وإن كان ينبغي عدم دمجها في إجمالي محاسبي واحد مدقق. فقد أحصى تقرير “سبع سنوات من البناء” نحو 25,000 مشروع مكتمل وجارٍ بتكاليف تتجاوز 4 تريليونات جنيه مصري، منها أكثر من 16,000 مشروع مكتمل بقيمة مقدرة بنحو 2.2 تريليون جنيه ونحو 9,000 مشروع لا يزال قيد التنفيذ بنحو 2 تريليون جنيه. ووضع إصدار وزاري لاحق قيمة المشروعات المكتملة والجارية بين يوليو 2014 ويونيو 2021 عند نحو 4.4 تريليون جنيه.
يجب عدم اعتبار هذه الأرقام معادلة للاقتراض الخارجي. فهي تجمع مشروعات مكتملة وغير مكتملة، وأنشطة عامة وممولة تجاريا، وإنفاقا محليا ومكونات مستوردة، وهي مقيسة بالجنيه المصري في تواريخ وأسعار صرف مختلفة.
البترول والغاز الطبيعي
استحوذت مشروعات البترول والثروة المعدنية على نحو 1.2 تريليون جنيه من قياس مشروعات الوزارة للفترة 2014 إلى 2021. وضم المحفظة حقل ظُهر للغاز، الذي ذكرت الوزارة طاقته الإنتاجية بنحو 2.7 مليار قدم مكعبة يوميا، وتطويرات شمال الإسكندرية وغرب دلتا النيل، ومصفاة مسطرد، وغيرها من استثمارات الاستكشاف والمعالجة وخطوط الأنابيب.
طُوّر جزء كبير من هذا القطاع عبر شركات طاقة أجنبية وهياكل استثمارية بدلا من الاقتراض السيادي التقليدي. ولذلك فإن إدراج قيمته الكاملة كبنية تحتية ممولة حكوميا سيبالغ في تقدير مساهمته في الدين الخارجي العام.
الكهرباء وطاقة التوليد
وضعت وزارة التخطيط تكلفة مشروعات الكهرباء المنفذة عند نحو 403 مليارات جنيه حتى يونيو 2021.
كان محور ذلك برنامج سيمنس للطاقة. وقّعت سيمنس عقودا بقيمة 8 مليارات يورو تغطي ثلاث محطات غاز ذات دورة مركبة في بني سويف والبرلس والعاصمة الإدارية الجديدة، إلى جانب استثمارات رياح، صُممت لإضافة نحو 16.4 غيغاواط من الطاقة، منها 14.4 غيغاواط من محطات الغاز الثلاث. وقالت سيمنس إن ذراعها للخدمات المالية هيكلت حزمة تمويل غطتها إلى حد كبير وكالات ائتمان التصدير. وهذا مثال واضح على بنية تحتية مرتبطة بتمويل مشروعات خارجي، وإن كان لا ينبغي معاملة قيمة عقد تبلغ 8 مليارات يورو باعتبارها 8 مليارات يورو من الدين القائم في أي تاريخ بعينه.
الطرق والنقل
أبلغت الوزارة عن 117 مليار جنيه من مشروعات النقل المكتملة حتى يونيو 2021، منها طريق وادي النطرون العلمين، ومحور سوهاج سفاجا، وطريق القاهرة السويس، وتطويرات الطريق الصحراوي الغربي، وقالت إنه جرى رصف نحو 9,200 كيلومتر من الطرق. وأفادت مراجعة لاحقة بأن مصر أنشأت نحو 7,000 كيلومتر من الطرق الجديدة بحلول يونيو 2022.
تباين مزيج التمويل على نطاق واسع. فإنشاء الطرق الذي نفّذه مقاولون مصريون وسُدّد عبر الموازنة المحلية أو السلطات المحلية لم يخلق دينا خارجيا تلقائيا. أما القطارات ومعدات الإشارات والأنظمة الكهربائية وعقود الهندسة الأجنبية المستوردة، فخلقت احتياجات مباشرة من العملة الأجنبية وفي بعض الحالات قروضا مضمونة خارجيا.
الإسكان والمدن والمناطق غير الآمنة
قُدّرت تكلفة مشروعات الإسكان وتطوير المناطق غير الرسمية المنفذة حتى يونيو 2021 بنحو 225 مليار جنيه. وشمل البرنامج 417,000 وحدة إسكان اجتماعي و182,000 وحدة لسكان المناطق الخطرة أو غير الآمنة أو غير المخططة، وأبلغت الوزارة لاحقا عن تطوير 322 منطقة غير آمنة بحلول يونيو 2022.
معظم الإسكان الاجتماعي نشاط مقوّم بالجنيه ومموّل عبر جهات عامة وبيع أراضٍ وتسهيلات مصرفية محلية وموارد الموازنة. ويمكن أن تكون آثاره الاجتماعية والتشغيلية كبيرة دون أن يكون تفسيرا مباشرا للدين المقوّم بالدولار.
وتمثل العاصمة الإدارية الجديدة ومدن الجيل الرابع الأخرى حالة أكثر تعقيدا. أشار تقييم الاستثمار العام لصندوق النقد الدولي إلى أن فئة “المشروعات المركزية” ظهرت اعتبارا من السنة المالية 2017 و2018، وأن بعض المشروعات العملاقة نُفّذت خارج موازنة الحكومة العامة التقليدية عبر شركات عامة وهيئات اقتصادية. ويعقّد ذلك جهود التوفيق بين تكاليف المشروعات والضمانات الحكومية والالتزامات الخارجية بالاعتماد على بيانات الموازنة وحدها.
المياه والصرف الصحي والتنمية الريفية
وسّعت مصر طاقة مياه الشرب والصرف الصحي بشكل كبير خلال الفترة، وغطت المرحلة الأولى من مبادرة حياة كريمة للتنمية الريفية 1,477 قرية يقطنها أكثر من 17 مليون نسمة، وفق الحكومة.
تعالج هذه المشروعات عجزا مهما في الخدمات لكنها تدرّ عموما إيرادات بالجنيه المصري. وحيثما تستخدم قروضا خارجية، تعتمد قدرتها على خدمة الدين بالعملة الأجنبية على الموارد المالية الأوسع لا على دخل مباشر بالدولار أو اليورو من الأصل نفسه.
التعليم والصحة
أبلغت وزارة التخطيط عن نحو 51 مليار جنيه من مشروعات الصحة والتعليم قبل الجامعي المكتملة حتى يونيو 2021. وشملت إنشاء أو إحلال أو توسعة نحو 67,000 فصل دراسي، إلى جانب إنشاء أو تطوير 393 مستشفى و104 وحدات صحية ومراكز صحة أسرة. وكما هي الحال مع الإسكان الاجتماعي والبنية التحتية الريفية، تولّد هذه الاستثمارات في المقام الأول عوائد اجتماعية وإنتاجية لا تدفقات نقدية مباشرة بالعملة الأجنبية.
أي المشروعات الكبرى ارتبط مباشرة بتمويل أجنبي؟
| المشروع | حجم العقد أو المشروع | الصلة التمويلية |
|---|---|---|
| قناة السويس الجديدة | 72 كيلومترا؛ أُنجزت في نحو عام | مُوّلت أساسا عبر نحو 64 مليار جنيه من شهادات استثمار بيعت لمواطنين وكيانات مصرية؛ ليست قرضا سياديا خارجيا تقليديا |
| برنامج سيمنس للطاقة | عقود بـ 8 مليارات يورو؛ نحو 16.4 غيغاواط مخططة | تمويل مهيكل دوليا بدعم كبير من ائتمان التصدير |
| مونوريل القاهرة | خطان بطول 96 كيلومترا | دعم من هيئة ائتمان الصادرات البريطانية بقيمة أصلية نحو 1.9 مليار يورو |
| السكك الحديدية فائقة السرعة | شبكة مخططة بنحو 2,000 كيلومتر تربط 60 مدينة | حصة سيمنس بقيمة 8.1 مليار يورو؛ قيمة العقد ليست مطابقة للدين المصروف |
| محطة الضبعة النووية | أربع وحدات بقدرة 1,200 ميغاواط لكل منها، بإجمالي 4.8 غيغاواط | مدعومة بترتيب ائتمان تصدير حكومي روسي بين الحكومتين |
| الإسكان الاجتماعي والطرق وحياة كريمة | مئات آلاف المنازل وآلاف الكيلومترات من البنية التحتية | استثمار عام بالجنيه في الغالب، مع مدخلات مستوردة وبعض المكونات الممولة خارجيا |
توضح قناة السويس الجديدة سبب أهمية هذا التمييز. جمع المشروع البالغ طوله 72 كيلومترا نحو 64 مليار جنيه عبر شهادات استثمار بيعت لمواطنين وكيانات مصرية في نحو ثمانية أيام. وقد خلق ذلك التزام سداد محليا، لكنه لم يُهيكل كقرض سيادي أجنبي تقليدي.
ويقدم المونوريل المثال المعاكس. وافقت هيئة ائتمان الصادرات البريطانية على دعم الهيئة القومية للأنفاق في تطوير خطي مونوريل في القاهرة بطول 96 كيلومترا، بقيمة أصلية نحو 1.9 مليار يورو، وهو تعرض بنية تحتية ممول خارجيا يمكن تحديده.
وشبكة السكك فائقة السرعة أكبر. بلغت قيمة حصة سيمنس من العقد المجمّع 8.1 مليار يورو، منها 2.7 مليار يورو للخط الأول، لشبكة بنحو 2,000 كيلومتر تربط 60 مدينة، مع اتفاق صيانة لمدة 15 عاما. لكن قيمة عقد المورّد قد تشمل أعمالا منفذة محليا وصيانة ومعدات تُورّد على مدى سنوات ومبالغ لم تُصرف بعد، ولا يمكن إدراجها مباشرة في رصيد الدين الخارجي دون جدول قرض وصرف مقابل.
والضبعة أوضح ارتباطا بتمويل مشروعات خارجي سيادي. صُممت المحطة لتضم أربع وحدات روسية من طراز VVER-1200 بقدرة مجمعة 4.8 غيغاواط. وأبرمت روسيا ومصر اتفاقا حكوميا في 2015 وترتيب ائتمان تصدير حكوميا يغطي الجزء الأكبر من تكلفة الإنشاء. ولذلك يمثل المشروع دينا خارجيا طويل الأجل مرتبطا بالمشروع مع صرف الدفعات، لا استثمارا محليا بالكامل.
الأسباب الفعلية لارتفاع الدين الخارجي
1. أزمة العملة الأجنبية 2016
دخلت مصر عام 2016 بسعر صرف رسمي مبالغ في قيمته، ونقص حاد في العملة الأجنبية، وعجز متسع في الحساب الجاري، واحتياطيات دولية ضعيفة. ووافق صندوق النقد الدولي على تسهيل صندوق ممدد بقيمة 12 مليار دولار في نوفمبر 2016، مع صرف فوري نحو 2.75 مليار دولار، وحددت وثائق البرنامج فجوة تمويل بنحو 16.3 مليار دولار للعام الأول من البرنامج، ضمن فجوة ثلاثية السنوات بنحو 35 مليار دولار. لم يكن هذا المال قرضا لجسر أو محطة كهرباء أو مشروع إسكان بعينه. كان تمويلا لميزان المدفوعات يهدف إلى تجديد السيولة الخارجية ودعم برنامج الإصلاح واستعادة الوصول إلى العملة الأجنبية.
2. الاستثمار العام كثيف الاستيراد
أسهمت المشروعات الوطنية في ضغط خارجي حيثما تطلب الإنشاء توربينات وقطارات وأنظمة إشارات ومعدات صناعية وحديدا ووقودا وخدمات هندسية ومدخلات أجنبية أخرى مستوردة. وخلص صندوق النقد الدولي إلى أن الإنفاق على المشروعات العامة، بما فيها المشروعات الاستثمارية الوطنية، أسهم في ضغوط الحساب الجاري قبل أزمة 2022. وهذا يجعل البنية التحتية جزءا من التفسير، خصوصا حيثما نُفّذت المشروعات أسرع مما يمكن أن تدعمه إيرادات العملة الأجنبية المتكررة للاقتصاد. والسؤال الاقتصادي المهم إذن ليس ببساطة ما إذا كانت مصر قد بنت أصولا، بل ما إذا كانت وتيرة تلك الأصول واختيارها وهيكل تمويلها قد ولّدت ما يكفي من صادرات ووفورات استيراد وإيرادات مستخدمين ومكاسب إنتاجية لتغطية تكاليفها بالعملة الأجنبية.
3. تراكم الاحتياطيات والتزامات البنك المركزي
يشمل الدين الخارجي التزامات البنك المركزي المصري إلى جانب الاقتراض الحكومي المباشر ودين المصارف التجارية والتزامات القطاعات المقيمة الأخرى. وقد دعمت الودائع التي وضعتها دول خليجية لدى البنك المركزي الاحتياطيات والسيولة الخارجية مرارا. وتعزز هذه الودائع الموقف الفوري للعملة الأجنبية، لكنها تُسجّل كالتزامات خارجية ومن ثم ترفع إجمالي رصيد الدين الخارجي إلى أن تُسدّد أو تُحوّل إلى استثمارات أو يُعاد هيكلتها. وبحلول سبتمبر 2025، شكّلت المؤسسات متعددة الأطراف 28.5 في المئة من هيكل دائني الدين الخارجي، والدول العربية 24.6 في المئة، والسندات والأذون والصكوك الدولية 17.4 في المئة، بينما مثّلت الصين 5.9 في المئة وروسيا 3.2 في المئة. ويؤكد الهيكل أن دين مصر مزيج من قروض سياسات وودائع وأوراق مالية وتمويل مرتبط بالمشروعات، لا مجمّع واحد مكرّس للإنشاء حصرا.
4. صدمة الجائحة
محت الجائحة جزءا كبيرا من دخل مصر السياحي في الوقت الذي سحب فيه مستثمرون أجانب أكثر من 15 مليار دولار من سوق الدين المحلي في مارس وأبريل 2020. ووفّر صندوق النقد الدولي نحو 8 مليارات دولار عبر أداة تمويل سريع بقيمة 2.77 مليار دولار واتفاق استعداد ائتماني بقيمة 5.2 مليار دولار لمعالجة احتياجات مالية وميزان مدفوعات عاجلة وحماية الاحتياطيات والحفاظ على الاستقرار. واستمر الإنشاء في المشروعات الكبرى ودعم التشغيل المحلي، لكن جزءا كبيرا من الاقتراض الخارجي الإضافي في هذه المرحلة عوّض العملة الأجنبية المفقودة عبر السياحة وتدفقات رأس المال الخارجة بدلا من تمويل بنية تحتية جديدة.
5. صدمة السلع وتدفقات رأس المال 2022
عاد الضغط في أوائل 2022 مع رفع أسعار الغذاء والطاقة العالمية الأعلى لفاتورة استيراد مصر، بينما عطّل الصراع بين روسيا وأوكرانيا تدفقات القمح والسياحة. وغادر نحو 20 مليار دولار من أموال غير المقيمين سوق الدين المحلي في فبراير ومارس 2022. وتدخّل البنك المركزي في سوق الصرف وتلقّى 13 مليار دولار من ودائع قصيرة الأجل بالعملة الأجنبية من شركاء خليجيين، وتراجعت الاحتياطيات الرسمية وودائع البنك المركزي بالعملة الأجنبية لدى المصارف المحلية مجتمعة بمقدار 12.1 مليار دولار بين يناير ومارس. ولذلك كانت الزيادة المرتبطة في الالتزامات الخارجية إلى حد كبير استجابة لتوقف مفاجئ في تمويل المحافظ وضغط على الاحتياطيات.
6. عجز التجارة والحساب الجاري المستمر
ظلّت فاتورة استيراد مصر السلعية تتجاوز إيرادات صادراتها السلعية، ولم يُقابَل هذا الضغط دائما بالكامل بدخل الخدمات والتحويلات وتدفقات الحساب الجاري الأخرى. وفي الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025 و2026، بلغ عجز الحساب الجاري نحو 14.6 مليار دولار، بينما اتسع عجز الميزان التجاري السلعي إلى نحو 47.8 مليار دولار. وولّد الاستثمار الأجنبي المباشر تدفقا صافيا داخلا بـ 13 مليار دولار، لكن استثمار المحافظ سجّل تدفقا صافيا خارجا بـ 4.4 مليار دولار، منها تدفق خارج بـ 9.5 مليار دولار خلال يناير إلى مارس 2026. وسجّلت القروض والتسهيلات متوسطة وطويلة الأجل سحوبات إجمالية بنحو 8.2 مليار دولار، وسداد أصل بـ 5.5 مليار دولار، وصافي استخدام 2.7 مليار دولار على مدى الأشهر التسعة. وتُظهر هذه الأرقام أن الاقتراض الخارجي لا يزال يعمل كأحد آليات موازنة التدفقات المتكررة الداخلة والخارجة من العملة الأجنبية. وحدد البنك الدولي ضعف أداء الصادرات غير النفطية، وعدم كفاية الاستثمار الأجنبي المباشر، والتحول التدريجي نحو أنشطة غير قابلة للتداول ومنخفضة القيمة المضافة، كمساهمات هيكلية في الهشاشة الخارجية.
7. إعادة تمويل ديون سابقة
حصة معتبرة من الاقتراض الجديد لا تموّل إنفاقا جديدا. بل تحل محل قروض وسندات وودائع وتسهيلات تجارية تبلغ استحقاقها. وعندما تحصل مصر على قرض دولي جديد أو تصدر سندا لسداد التزام سابق، يرتفع إجمالي الاقتراض حتى وإن لم تُنشئ المعاملة طريقا أو مصنعا أو محطة كهرباء جديدة. ولهذا فإن صرف الدين وإنفاق المشروعات والتغير في رصيد الدين القائم ثلاثة أرقام مختلفة. فقد يرتفع الدين بأقل من إجمالي الاقتراض عند سداد الأصل، أو يبقى مستقرا إجمالا بينما تُقترض وتُسدّد مبالغ كبيرة في الفترة نفسها.
8. آثار إعادة تقييم أسعار الصرف
تقترض مصر بعملات منها الدولار واليورو والين واليوان والدينار وحقوق السحب الخاصة. ولأن الدين يُبلّغ عنه بالدولار، يمكن أن تغيّر التحركات بين الدولار وتلك العملات الرصيد المُبلّغ عنه دون تلقي أي نقد جديد. وقال البنك المركزي إن الزيادة البالغة 8.3 مليار دولار في الدين الخارجي خلال السنة المالية 2024 و2025 عكست نحو 5.4 مليار دولار من صرف قروض وتسهيلات خارجية إضافية ونحو 2.9 مليار دولار من زيادات إعادة التقييم الناجمة عن تراجع الدولار مقابل عملات الدين الأخرى. ولا يزيد تراجع الجنيه المصري تلقائيا القيمة الدولارية لقرض مقوّم بالدولار، لكنه يجعل كل دولار من الدين أغلى بالجنيه ويمكن أن يرفع نسب الدين عبر خفض القيمة الدولارية للناتج المحلي.
حجة محلب: ما هو صحيح وما هو ناقص
نقطة محلب المحورية، في تصريحاته العامة الأخيرة، هي أن مصر واجهت نقصا متراكما في البنية التحتية وأن مشروعات الطرق والكهرباء والمياه والإسكان والإنشاء منعت ركودا اقتصاديا ووفّرت عملا لملايين الأشخاص، وأقرّ بأن فترة تنفيذ بعض المشروعات ربما امتدت لتخفيف عبء التمويل. ويدعم السجل الرسمي للمشروعات تأكيده أن مصر نفّذت برنامج استثمار مادي كبيرا: عولج نقص الكهرباء، واتسعت شبكة الطرق، وأُعيد تطوير المناطق السكنية غير الآمنة، وزادت طاقة المياه والصرف الصحي، وبدأت أنظمة سكك وطاقة كبرى.
وما لا يدعمه السجل هو إسناد الزيادة الكاملة البالغة نحو 116 مليار دولار إلى تلك الأصول. فبعض المشروعات مُوّل محليا، وبعضها اعتمد على استثمار خاص أو أجنبي، وبعضها حمل قروضا أجنبية صريحة، واستخدم غيرها هيكلا مختلطا. وفي الوقت نفسه، اقتُرضت عشرات المليارات من الدولارات لسد فجوات تمويل مدعومة من صندوق النقد، وإعادة بناء الاحتياطيات، وتعويض سحوبات المحافظ، والاستجابة للجائحة، واستيعاب صدمة سلع 2022، وإعادة تمويل التزامات مستحقة. ولا توجد أيضا مطابقة رسمية متاحة للعموم تربط الزيادة الكاملة، دولارا بدولار، بمشروعات مسمّاة واستخدامات غير مشروعية، وقد أشار صندوق النقد الدولي منفصلا إلى ضعف في تقارير الاستثمار العام، بما في ذلك دور جهات خارج الموازنة التقليدية.
لماذا يهم
البنية التحتية الممولة بالدين ليست سلبية بطبيعتها. فالاقتراض يمكن أن يحسّن الرفاه الاقتصادي عندما يعالج نقص الطاقة، ويخفض تكاليف النقل، ويوسّع الطاقة الصناعية، ويحل محل الواردات، أو يخلق إيرادات جديدة بالعملة الأجنبية. وتنشأ المخاطر عندما تولّد المشروعات عوائد اجتماعية أو تجارية بالجنيه في المقام الأول بينما يجب خدمة الدين بالدولار أو اليورو أو عملات أجنبية أخرى. فقد يرفع الطريق قيم الأراضي والتشغيل، وقد يحسّن مشروع إسكان ظروف المعيشة، لكن أيّا منهما لا ينتج تلقائيا العملة الأجنبية اللازمة للسداد. ولذلك ترتبط أقوى حجة للمشروعات بالأصول التي تزيد بشكل قابل للقياس الصادرات أو السياحة أو دخل الخدمات اللوجستية أو وفورات الطاقة أو الاستثمار الخاص، وفق قراءتنا.
النظرة المستقبلية
كان الدين الخارجي لمصر مستقرا إجمالا قرب 164 مليار دولار حتى ديسمبر 2025 وبقي دون الرقم القياسي لديسمبر 2023، وتراجعت نسبة الدين الخارجي إلى الناتج إلى 40.3 في المئة، كما بيّنّا في تحليلنا السابق لموقف الدين في ديسمبر 2025. وارتفعت صافي الاحتياطيات الدولية إلى رقم قياسي بنحو 55.1 مليار دولار في يونيو 2026، كما ذكرنا منفصلا. لكن الاقتصاد لا يزال يحمل عجزا تجاريا كبيرا ويبقى معرّضا لانعكاسات تدفقات المحافظ، وواردات الطاقة، والاضطراب الإقليمي، والتزامات سداد خارجية كبيرة.
سيتطلب احتواء رصيد الدين أكثر من إبطاء الإنشاء العام. سيتطلب إيرادات صادرات وسياحة مستدامة، واستثمارا أجنبيا غير مولّد للدين أعلى، وتقييما أكثر صرامة للمشروعات العامة وخارج الموازنة، وضمانات حكومية شفافة، وآجالا أطول، وربطا أقوى بين الاقتراض بالعملة الأجنبية والمشروعات القادرة على توليد العملة الأجنبية أو الحفاظ عليها، وفق قراءتنا.
الخلاصة المتوازنة إذن هي أن المشروعات الوطنية زادت ماديا من احتياجات مصر التمويلية ومن العملة الأجنبية، خصوصا حيثما اعتمدت على معدات مستوردة أو قروض مضمونة خارجيا، لكنها كانت مكوّنا واحدا فقط من ارتفاع الدين الخارجي. فقد تشكّل الرصيد أيضا بفجوات صرف أجنبي متكررة، ودعم للاحتياطيات، وتمويل من صندوق النقد وغيره من تمويل السياسات، وصدمات عالمية، وتدفقات محافظ خارجة، وودائع خليجية، وإعادة تمويل التزامات مستحقة، وفق قراءتنا.
المصادر: البنك المركزي المصري؛ وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية؛ صندوق النقد الدولي؛ البنك الدولي؛ هيئة قناة السويس؛ الهيئة العامة للاستعلامات المصرية؛ سيمنس؛ هيئة ائتمان الصادرات البريطانية؛ روساتوم؛ وتصريحات عامة لرئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب.

