250 عاماً من النمو الأمريكي: من مستعمرة بـ193 مليون دولار إلى جمهورية الـ32 تريليون دولار
في الرابع من يوليو 2026 تحيي الولايات المتحدة الذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال، والمسافة الاقتصادية التي قُطعت يصعب المبالغة في وصفها. ففي 1790، أقدم عام تتوافر له تقديرات موثوقة، أنتج الاقتصاد الأمريكي سلعاً وخدمات بقيمة نحو 193 مليون دولار بأسعار ذلك الزمن، أنتجها نحو 3.9 مليون نسمة، تسعة من كل عشرة يعملون في الأرض. وفي 2026 يتوقّع صندوق النقد الدولي أن تنتج الأمة نفسها نحو 32.4 تريليون دولار، قرابة 94,000 دولار لكل فرد من سكانها البالغ عددهم 342 مليون نسمة، وأن تستحوذ على الحصة الأكبر المنفردة من الناتج العالمي بأسعار السوق.
وحجم هذه المضاعفة يُحَسّ أكثر مما يُقال. فبالقيمة الاسمية نما الناتج بنحو 160 ألف مرة منذ 1790. وخلف ذلك رقم أكثر ثباتاً: نما الناتج الحقيقي بمتوسط نحو 3 بالمئة سنوياً عبر قرنين ونصف، بما يكفي لمضاعفة الاقتصاد كل جيل. وتضاعف الناتج الحقيقي للفرد أربع مرات في حقبة ما بعد الحرب وحدها، من نحو 15,300 دولار في 1947 إلى قرابة 69,700 دولار في 2025 بدولارات 2017 الثابتة.
ولم تكن الرحلة سلسة ولا محتومة. فبين 1790 و1860 نما الاقتصاد الزراعي نحو ثلاثة وعشرين ضعفاً مع انتشار القنوات والسكك الحديدية والزراعة الميكانيكية، وإن كان جزء كبير من ذلك النمو، خصوصاً في الجنوب، قد بُني على عمل المستعبَدين، وهي كارثة أخلاقية شكّل إرثها القرن الذي تلاها. وكان نصف القرن التالي للحرب الأهلية مفصل القصة: فالصلب والنفط والكهرباء والسكة القارية صنّعت البلاد بوتيرة لم يشهدها العالم، وبحلول ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر تجاوزت الولايات المتحدة المملكة المتحدة لتصبح أكبر اقتصاد في العالم، موقع حافظت عليه بأسعار السوق منذ ذلك الحين.
ثم جاء أعنف تأرجح في السجل الرسمي. فمن ذروة 1929 البالغة 104.6 مليار دولار، انهار الناتج الاسمي 45 بالمئة إلى 57.2 مليار بحلول 1933، مع بطالة نحو عامل من كل أربعة. وأظهرت الحرب العالمية الثانية الحجم الكامن للاقتصاد، إذ ضاعفت الناتج الحقيقي تقريباً بين 1939 و1944، وتركت الولايات المتحدة تنتج نحو نصف تصنيع العالم وترسي نظام بريتون وودز المتمحور حول الدولار. وأصبح ربع القرن التالي لـ1947 مرجعاً للرخاء الواسع، بنمو حقيقي قرب 4 بالمئة سنوياً، قبل أن تعيد صدمة نفط 1973 والتضخم الركودي وتشديد الاحتياطي الفيدرالي بقيادة بول فولكر ضبط الاتجاه إلى مستوى أدنى. ثم حملت إزالة القيود وخفض التضخم وطفرة تكنولوجيا المعلومات الناتج الاسمي فوق 10 تريليونات دولار بحلول 2000.
واختبر الربع الأول من القرن الجديد الاقتصاد ثلاث مرات، عبر أزمة 2008 المالية وجائحة 2020 والتضخم الذي بلغ ذروته فوق 9 بالمئة في 2022، وتعافى في كل مرة. وعبر الثلاث استمر تحوّل البنية. فالصناعات الخاصة المنتجة للخدمات تولّد الآن نحو 72 بالمئة من القيمة المضافة، والصناعة التحويلية نحو 10 بالمئة، والزراعة، مهنة تسعة أمريكيين من كل عشرة عند التأسيس، دون 1 بالمئة من التوظيف. ومحرّك الاستثمار الحالي هو بناء بنية الذكاء الاصطناعي، أكبر مساهم قطاعي منفرد في نمو الربع الأول من 2026.
وعند ربع الألفية تظل الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم بأسعار السوق بفارق واسع. فيتوقّع صندوق النقد الدولي ناتج 2026 عند 32.38 تريليون دولار، مقابل 20.85 تريليون للصين، و5.45 تريليون لألمانيا، و4.38 تريليون لليابان، و4.26 تريليون للمملكة المتحدة، و4.15 تريليون للهند، بناتج للفرد قرب 94,400 دولار، أي أكثر من ستة أضعاف نظيره الصيني. وبمقياس تعادل القوة الشرائية يكون اقتصاد الصين أكبر حجماً، تذكيراً بأن الصدارة تتوقف على المقياس، لكن بمقاييس أسعار السوق التي تحكم المال العالمي، استمرت الصدارة الأمريكية نحو 135 عاماً.
وقراءة الذكرى ثابتة لا مبهرة. فقد بلغ نمو الربع الأول من 2026 نسبة 2.1 بالمئة، ولا يزال التضخم يُخفَّض، والدين الفيدرالي لدى الجمهور قريب من حجم الناتج السنوي، وتراجع الاتجاه طويل الأمد من نحو 4 بالمئة في فترات التوسّع الكبرى إلى قرابة 2 بالمئة منذ 2000. والسجل خلف مكانة أمريكا قوامه التراكم لا المعجزات: مؤسسات حمت المشاريع، وانفتاح وفّر البشر ورأس المال، وقدرة متكررة على تحويل الأزمات إلى قدرات جديدة. وسؤال العام الـ250 الحقيقي هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي والطاقة والديموغرافيا قادرة على رفع اتجاه النمو مجدداً.
وبالنسبة للأسواق خارج الولايات المتحدة، بما فيها الخليج، يتجاوز أثر مسار أكبر اقتصاد في العالم حدوده. فنمو الولايات المتحدة وتضخمها ومسار الدولار تشكّل أسواق المال العالمية وطلب الطاقة والخلفية الخارجية التي تنتقل عبر ربط عملات المنطقة بالدولار، ولهذا فإن قصة أمريكا عند الـ250 قصة تعني كل مستثمر.
حمّل التقرير الكامل واستكشف المزيد:
استكشف تقاريرنا الاقتصادية الأخرى
المصادر: مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي؛ مكتب الإحصاء الأمريكي؛ صندوق النقد الدولي؛ سلسلة MeasuringWorth التاريخية.

